في نيسان 2003 أعلنت الإدارة الأميركية أنها توصلت إلى خطة للتسوية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وعرفت هذه الخطة باسم "خريطة الطريق".

إن أحد المكونات البارزة في الخطة تتمثل في توجهها التدريجي (المرحلي) لحل النزاع الطويل الدامي بين إسرائيل والفلسطينيين، وهي رؤية تفترض أن التسوية الإسرائيلية- الفلسطينية تتطلب النضوج لدى الطرفين وإيجاد علاقات قائمة على الثقة يتم تكريسها على مدار سنوات إضافة إلى إحلال هدوء معين في المواجهات العنيفة بين الطرفين. وقد كان من المفروض بخريطة الطريق أن تُفضي في نهاية المطاف إلى تحقيق رؤية الرئيس بوش بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.

بموجب خريطة الطريق يتعين على الفلسطينيين أن يقوموا في المرحلة الأولى بإجراء إصلاحات سلطوية تشمل تنظيم انتخابات لمؤسساتهم السياسية، وأن يحاربوا الإرهاب ويهيئوا أساساً وأرضية لقيام دولة قابلة للحياة. في المقابل تنسحب إسرائيل إلى المواقع والخطوط التي كانت تتواجد فيها قبل اندلاع الانتفاضة الثانية وتقوم بتفكيك المستوطنات التي أقيمت منذ شهر آذار 2001 وتتوقف عن جميع أنشطة البناء الاستيطانية.

في جلستها المنعقدة في 25 أيار 2003 قررت الحكومة الإسرائيلية قبول خريطة الطريق مع التوضيح بأنها حصلت على تعهد من الإدارة الأميركية بـ"النظر في ملاحظات إسرائيل على خريطة الطريق بصورة جادة وكاملة". وكانت إسرائيل قدمت 14 ملاحظة على خريطة الطريق نصت أولاها وأهمها على ما يلي: يجري في بداية العملية وخلالها وكشرط لاستمرارها الحفاظ على الهدوء ويقوم الفلسطينيون (السلطة) بحل الأجهزة الأمنية القائمة وإجراء إصلاح أمني تقام خلاله أجهزة أمنية جديدة تحارب الإرهاب والعنف والتحريض. وقف التحريض يجب أن يتم فوراً ويتعين على السلطة الفلسطينية أن تثقف وتربي على السلام. الأجهزة الأمنية (الفلسطينية) الجديدة تمارس إحباطاً حقيقياً للإرهاب والعنف عن طريق الاعتقال والتحقيق والإحباط وتهيئة الأرضية القانونية لأغراض التحقيق والمحاكمة والعقوبة. في المرحلة الأولى من الخطة وكشرط للانتقال إلى المرحلة الثانية يتعين على الفلسطينيين: أن ينتهوا من حل وتفكيك المنظمات الإرهابية (حماس، الجهاد الإسلامي، الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وأجهزة أخرى مع بنيتها) + جمع الأسلحة غير الشرعية وتسليمها إلى طرف ثالث من أجل إخراجها من المنطقة وإتلافها، ووقف تهريب الأسلحة وتصنيعها في مناطق السلطة الفلسطينية، لن يكون هناك انتقال للمرحلة الثانية من دون إنهاء محاربة الإرهاب.

غير أنه سرعان ما اتضح أن السلطة الفلسطينية ليست لديها نية حقيقية، وعلى الأرجح ليست لديها القدرة أيضاً على تنفيذ هذه الالتزامات. على إثر ذلك أخذت خريطة الطريق تراوح مكانها من دون أن يلوح في الأفق أي مخرج، ورأت إسرائيل أنه لا يوجد لها شريك حقيقي للمضي قدماً في العملية السياسية. وفي ضوء ذلك طرح رئيس الحكومة أريئيل شارون خطة الانفصال الأحادية الجانب عن قطاع غزة وتفكيك جميع المستوطنات اليهودية في "غوش قطيف". وقد لاقت هذه الخطة (خطة شارون) ترحيباً واسعاً في الأسرة الدولية كما حظيت بتأييد كبير في أوساط الرأي العام في إسرائيل.

على هذه الأرضية يجب النظر إلى تجند إدارة بوش ووقوفها الكامل إلى جانب إسرائيل، وهو ما عبر عن نفسه في شكل أساس في رسالة الرئيس بوش إلى رئيس الحكومة شارون في 14 نيسان 2004، والتي أكد فيها بوش من بين جملة أشياء، بأنه "يتعين على الفلسطينيين بموجب خريطة الطريق تحقيق وقف فوري للأعمال المسلحة وكل أعمال العنف ضد الإسرائيليين" وأن "جميع المؤسسات الفلسطينية الرسمية مطالبة بوقف التحريض ضد إسرائيل، كما أن القيادة الفلسطينية ملزمة بالعمل بمنتهى الحزم ضد الإرهاب، والقيام بنشاطات دائمة ومركزة وفعالة لوقف الإرهاب وتفكيك بنى وقواعد وقدرات الإرهاب".

في الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر هرتسليا في 16/12/2004 أوضح شارون أنه توصل إلى تفاهم مع الرئيس بوش مؤداه أنه "بموجب خريطة الطريق فإن أي خطوة لتحقيق الأفق السياسي المقترح على الفلسطينيين تتطلب قبل كل شيء عملاً حقيقيا من جانبهم ضد الإرهاب إلى أن يتم اجتثاثه والقضاء عليه والشروع بإصلاحات حقيقية ووقف التربية على كراهية إسرائيل"، كذلك تعهدت الولايات المتحدة بـ "منع أي محاولة ترمي إلى فرض أي تسوية أخرى على إسرائيل عدا عن خريطة الطريق".

في 16 تموز 2007 أعلن الرئيس بوش قراره عقد لقاء دولي لبحث السبل لتحقيق تسوية إسرائيلية- فلسطينية. وأوضحت وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، أن هذا اللقاء سيناقش أيضاً بصورة جادة وعميقة القضايا الجوهرية في النزاع ومن ضمنها الحدود واللاجئون والقدس.

في 27 تشرين الثاني 2007 التأم علنا مؤتمر أنابوليس بمشاركة وفود من دول عديدة في العالم. وبعد بضعة أشهر وصل الرئيس بوش في زيارة للمنطقة واستعرض في خطاب ألقاه في القدس رؤيته للتسوية الإسرائيلية- الفلسطينية. الصحافي ألوف بن تفحص فحوى خطاب بوش بالمقارنة مع مواقف سابقة للرئيس الأميركي، وخاصة رسالته إلى شارون من 14 نيسان 2004، وعرض "التغيرات" بقوله: يبدو أنها تعكس محاولة أميركية لطرح موقف أكثر توازناً، والابتعاد قليلا عن مواقف سابقة أُعتبرت منحازة لصالح إسرائيل، خاصة في حذف تعبير "دولة يهودية" والتطرق تلميحاً إلى موضوع (ضم) الكتل الاستيطانية والتحفظ من توطين اللاجئين في إسرائيل، وطرحه لـ "إنهاء الاحتلال الذي بدأ العام 1967" كنقطة انطلاق للمفاوضات حول الحل الدائم بدلاً من قراري مجلس الأمن 242 و338.

ونحن نلاحظ الآن أن التوجه السائد في الإدارة الأميركية هو طرح مسألة "التسوية الدائمة" على رأس أولويات المجتمع الدولي، وقد بدأت بناء على ذلك محادثات مكثفة جداً بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية حول المسائل الجوهرية. والسؤال المركزي المطروح الآن هو ما إذا كانت مسألة القدس ستطرح على بساط البحث في المرحلة الحالية أم أنه سيتم تركها للمرحلة النهائية للتسهيل على حل العقد الائتلافية التي يواجهها رئيس الحكومة إيهود أولمرت؟.

إن ما نراه عمليا هو تراجع جوهري عن المفهوم التدريجي (المرحلي) الذي وقف في صلب خريطة الطريق. فضلا عن ذلك فإن إسرائيل لم تعد تصر على تنفيذ الشرط المركزي الذي وضعته لتنفيذ خريطة الطريق، وهو مطالبة الجانب الفلسطيني بمحاربة الإرهاب كشرط لاستمرار العملية السياسية. وقد عبرت وزيرة الخارجية، تسيبي ليفني، عن ذلك بوضوح حين أكدت أن "المفاوضات ستستمر حتى تحت النار".

كما أسلفنا فقد تعهد الرئيس بوش في رسالته لشارون بأن الولايات المتحدة ستمنع أي محاولة لفرض تسوية أُخرى على إسرائيل عدا عن خريطة الطريق. وقد أدخل هذا البند على الأرجح على أرضية تخوف شارون من أن الاتحاد الأوروبي قد يسعى بالتعاون مع جهات في إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى دفع خطة سياسية لا ترغب الحكومة الإسرائيلية بطرحها للنقاش من منطلق عدم مواءمتها لمصالح إسرائيل.

وعلى الأرجح فإن أحداً لم يتصور وقتئذٍ بأن إدارة بوش هي التي ستطرح بالذات "خطة أخرى" للتسوية وتسعى إلى دفعها عن طريق ممارسة الضغوط، المعتدلة في هذه المرحلة، وخاصة على إسرائيل. من ناحية عملية هذه هي صورة الوضع التي تبلورت في الأشهر الأخيرة. نحن نشاهد إذن عملية تراجع وربما حتى انهيار لخطة "خريطة الطريق" التي اعتبرت في السابق خطة نموذجية قادرة على إحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. الآن أخذ يحتل مكانها توجه يسعى للسير مباشرة إلى صميم القضايا الجوهرية في النزاع، كالحدود واللاجئين والقدس. ومما لا شك فيه أن هذا التوجه توجه جريء يسعى للقفز عن المطبات الصعبة التي تتطلب السير مرحلة بعد أخرى. على الرغم من ذلك، وحتى إذا أفلح أولمرت و أبو مازن في التوصل إلى تسوية معينة، فإن ثمة شكوكا كبيرة فيما إذا كان الرجلان يمتلكان القدرة والقوة على تمرير مثل هذه التسوية وإضفاء الشرعية الداخلية عليها بما يتيح تنفيذها قولاً وعملاً. إلى ذلك فإن استمرار التوتر العسكري على حدود قطاع غزة يضع عائقاً آخر، شديد الصعوبة، أمام الطرفين في الطريق إلى التسوية.

أما حول السؤال إذا ما كانت خريطة الطريق ما زالت مكوناً ذا صلة في عملية التسوية الإسرائيلية- الفلسطينية فأخشى أن الإجابة عليه سلبية. في الوقت ذاته من الصعب القول إن البديل المقترح في صورة "نموذج أنابوليس" يمكن أن "يوفر البضاعة" الملائمة. وفي تقديرنا فإن الطرفين سيواصلان على الأرجح التخبط لفترة طويلة في دَوَّامة من الحوار والمفاوضات غير المجدية عملياً، تتخللها مناوشات عنيفة بمستويات متغيرة من الكثافة والاحتدام.

__________________________________

* الكاتب باحث بارز في "معهد بن غوريون" في جامعة بئر السبع وزميل باحث في "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب. المقال ترجمة خاصة بـ "المشهد الإسرائيلي". (المصدر: شبكة الانترنت).

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, يناير 29, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية