بقلم: إميلي لنداو *

في 24 نيسان الماضي- 2008- قدم مسؤولون كبار في الاستخبارات الأميركية إيجازا لأعضاء الكونغرس يتعلق بموضوع المفاعل النووي السري في سورية. وأعرب هؤلاء عن "ثقتهم الكبيرة" بأن ما تم تدميره في شهر أيلول من العام الماضي- 2007- في سورية كان بالفعل مفاعلا نوويا لإنتاج البلوتونيوم، وأنه أقيم بمساعدة مستمرة وطويلة الأمد من جانب كوريا الشمالية. وخلافا لهذه "الثقة"، فقد انتهج أحد الأبعاد المركزية في تقدير هؤلاء المسؤولين للبرامج النووية السورية لهجة أكثر غموضاً وضبابية.. فعندما سئلوا: هل المواد التي كان من المقرر إنتاجها في المفاعل مخصصة لبرنامج نووي عسكري؟ أجابوا بالقول إن تقديرهم لذلك هو بدرجة "يقين منخفضة".

وبصورة لافتة ومفاجئة في آن واحد أكدوا أن هذا التقدير لا يتماشى مع ما يعتقدون أنه حصل بالفعل في هذه الحالة. وفي الحقيقة، واستنادا لتحليلهم الشامل للوضع، فقد اعتقدوا أن المفاعل كان مخصصا لإنتاج الكهرباء وأنه لا يلائم الاستخدام كمفاعل للأبحاث تحديداً. فضلاً عن ذلك فقد تصرفت سورية بشكل مريب من نواح أخرى، مثل الإسراع في تدمير بقايا المفاعل بعد الغارة (الإسرائيلية). ولكن وبسبب عدم توفر "دليل طبي إضافي لنشاطات أخرى" - وخاصة عدم وجود جهاز لفصل البلوتونيوم- لم يكن في مقدور المسؤولين في الاستخبارات الأميركية إعطاء هذا التقدير درجة اليقين الملائمة حقا حسب رأيهم، وهذا ما حاول أحدهم شرحه في الإيجاز المقدم لأعضاء الكونغرس حين قال : "هناك فرق بين الدليل والتقدير".

هذه الحالة تؤكد الإشكالية الكامنة في إثبات النشاط النووي العسكري، والذي يجب أن يكون مدعوماً بقرائن واضحة، أي بدليل مادي ملموس أو "طبي" يثبت بشكل لا يرقى إليه الشك الطابع غير القانوني والخطير للنشاط النووي المعني.

غير أن هذا النوع من الإثباتات يخضع بصورة عامة للتأويل ويمكن أن يكون سهل "التملص" بحيث يصعب "الإمساك" به. وباستثناء تقديم دليل على وجود قنبلة نووية، هل هناك دليل معين لا يقبل التأويل؟ وإذا كان أحد ما غير معني أصلاً بإدانة دولة بإقامة نشاطات نووية غير قانونية فإن معظم الأدلة أو القرائن- ما عدا القنبلة النووية ذاتها- تغدو قابلة لتفسير مُخفف أكثر. وفي المحصلة فإن الكثير يتوقف هنا على قدرة من يقدم هذه القرائن على الإقناع بأن الوقائع التي جرى الكشف عنها توفر، أو لا توفر، دليل الإدانة الملموس. علاوة على ذلك، فإن التجربة المتراكمة في السنوات الخمس ونصف السنة الأخيرة من خلال مراقبة النشاطات النووية الإيرانية تبرهن على أن البحث الطويل والمستمر على "دليل الإدانة الملموس" يمكن أن ينتهي بإهدار وقت ثمين في مواجهة دولة مصممة على امتلاك سلاح نووي. ولكن في أواخر العام 2007، ورد في التقدير الاستخباري القومي لأجهزة الاستخبارات الأميركية إن إيران أدارت طوال معظم تلك السنة- وتقريبا على امتداد سنوات العقدين السابقين- برنامجاً فعالا للسلاح النووي. ولو عملت الدول في العام 2003، استناداً لشعورها وقناعتها بأن الأمور هي فعلاً على هذا النحو، وفي ضوء التاريخ الطويل لإيران في مجال الخداع النووي، عوضاً عن التركيز على العثور على "الدليل المادي" الملموس، لكانت الأمور قد تطورت ربما بشكل مختلف.

هذا الأمر يقود إلى مشكلة أخرى في الصدد ذاته، فالدول المصممة على امتلاك سلاح نووي تعي جيداً حقيقة أن الجهات المكلفة بالتفتيش تبحث عن أدلة من هذا النوع، ولذلك فهي توظف جهوداً هائلة من أجل إخفائها. من هنا فإن الصعوبات التي تواجهها عملية العثور على مثل هذه الأدلة ليست مفاجئة، وبالتالي لا بد من أخذ ذلك مسبقا في الحسبان كعامل في التقديرات.

وفقا للتقدير الاستخباري القومي الأميركي فقد توقفت إيران في خريف 2003 عن تطوير مكون واحد في برنامجها النووي- أي برنامج تخطيط السلاح النووي ذاته- لكنها استمرت في النشاطين الحيويين الآخرين لصنع السلاح النووي: إنتاج المادة الانشطارية (تخصيب اليورانيوم) وتطوير صواريخ باليستية بعيدة المدى.

قرار وقف برنامج تخطيط السلاح انطوى من ناحية إيران، على منطق مزدوج: أولا كان ذلك هو الجزء (في برنامجها) الذي يمكن تحقيقه أو إنجازه في غضون فترة زمنية قصيرة نسبياً ولذلك كان من السهل تجميده مؤقتاً في الوقت الذي استمرت فيه إيران بالعمل في المجالين الآخرين. ثانيا، كان ذلك الجزء الوحيد في البرنامج الذي اعتقدت إيران أنها ستواجه صعوبة حقيقية في تفسيره أو تبريره إذا ما تم الكشف عنه. عملية تخصيب اليورانيوم في إيران تجري بصورة علنية طوال السنوات الأخيرة بينما يصر المسؤولون الإيرانيون بشكل دائم على أن الأمر يتم لأغراض مدنية فقط، أما الصواريخ البعيدة المدى فيقال إنها مخصصة لحمل رؤوس تقليدية، في حين أن تخطيط رأس حربي نووي من شأنه أن يشير إلى قصة مختلفة سيكون من الصعب أكثر تبريرها.

كل ذلك يقود إلى استنتاج بأنه ومن أجل الربط بين محاور قصة النشاط النووي لا بد للتحليل أن يتم في سياق إستراتيجي رحب يشكل "الدليل المادي الملموس" فيه مكونا مهماً واحداً (ولكن ليس بالضرورة شرطاً لا بد منه) في صورة مركبة وشاملة. هناك شيء ما غير سوي عندما يضطر كبار مسؤولي أجهزة الاستخبارات (الأميركية) إلى "المراوغة" من أجل شرح تقدير لا ينسجم مع ما يؤمنون به والذي يشخص نشاطاً نوويا لإحدى الدول بناء على التحليل الشامل وعلى قدرتهم على استخلاص استنتاجات. فضلا عن ذلك هناك خطر حقيقي في أن تختار تقارير ومقالات تنشر في وسائل الإعلام اقتباس عبارة تقول هناك "درجة يقين منخفضة" فقط بأن النشاط النووي السوري مخصص لأغراض عسكرية، ويتم في الوقت ذاته تناسي الرسالة الأهم التي تضمنها حديث خبراء الاستخبارات. ولعل الرسائل التبسيطية التي ظهرت في وسائل الإعلام في أعقاب نشر تقرير الاستخبارات القومية- وما ألحقه ذلك من ضرر بجهود التصدي لإيران- تشكل مثالا يجسد هذا الموضوع.

إنّ التقديرات الشاملة والمنطقية فيما يتعلق بالنشاطات النووية العسكرية لا بد أن تتضمن بالتأكيد أدلة متماسكة وقوية قدر الإمكان، ولكن من أجل المصلحة المتمثلة في منع انتشار السلاح النووي لا يجوز لهذه التقديرات أن تكون رهينة بغياب الدليل المادي الملموس.

_____________________________

* باحثة في "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب. المقال ترجمة خاصة.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, يناير 29, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية