يمتد تقرير "معهد سياسات الشعب اليهودي" الصادر حديثاً بعنوان "وضع الشعب اليهودي ـ تقييم سنوي للعام 2019" على 44 صفحة تشمل مقدمة (كتبها الرئيسان المشاركان للمعهد، الأميركيان دنيس روس وستيوارت آيزنشتات) تليها مواضيع التقرير موزعة على الأبواب التالية: تقييم مدمج واتجاهات سياساتية؛ توصيات سياساتية لحكومة إسرائيل؛ خمسة أبعاد للتقييم المدمج للشعب اليهودي؛ جيوسياسة؛ العلاقات بين المجتمعات اليهودية؛ الهوية والتضامن؛ الموارد المادية؛ الديموغرافيا اليهودية؛ مؤشر مدمج للاسامية: 1. اللاسامية في أوروبا وتأثيرها على حياة اليهود اليومية؛ 2. اللاسامية في الولايات المتحدة.

تغطي "التوصيات السياساتية" المقدمة إلى الحكومة الإسرائيلية 3 مواضيع ومجالات أساسية هي: اللاسامية؛ الوضع الجيو سياسي؛ العلاقات بين التجمعات اليهودية؛ إضافة إلى "توصيات ذات صلة من سنوات سابقة" تتطرق إلى ثلاثة مواضيع هي: 1. الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة، وفي صلب هذه التوصية: ضرورة أن تحرص إسرائيل على المحافظة على علاقات جيدة مع إدارة الرئيس ترامب من دون التلميح بأن هذه العلاقات هي دليل على تبني إسرائيل الكامل لمنظومة ترامب القيمية. هذه خطوة ضرورية حيال تعمق التقاطب السياسي في الولايات المتحدة ومن أجل المحافظة، قدر الإمكان، على التعاطف مع إسرائيل من كلا الحزبين الكبيرين، الديمقراطي والجمهوري. وفي المقابل، على إسرائيل العمل على تنمية وتعزيز حوار متواصل مع الفئات اليهودية الأميركية التي تعبر عن نقدها لسياسة الحكومة الإسرائيلية، من أجل المحافظة على قوة ومناعة مثلث العلاقات ما بين إسرائيل ـ الولايات المتحدة ـ واليهود الأميركان؛ 2. اتساع مظاهر اللاسامية في الدول الأوروبية، وفي صلب هذه التوصية: ضرورة أن تجري إسرائيل استعدادات صحيحة وملائمة لتحقيق الفرص المترتبة على هذا الوضع فيما يتعلق باستيعاب أعداد إضافية من المهاجرين اليهود إلى إسرائيل، وخاصة من الدول الأوروبية المختلفة؛ 3. العلاقات بين إسرائيل والدول والأحزاب التي تبدي درجة عالية من الصداقة والتعاطف مع إسرائيل، لكن زعماءها يبتعدون عن الأصول والأعراف الديمقراطية، وفي صلب هذه التوصية: ضرورة انتباه الحكومة الإسرائيلية إلى أن العلاقة مع الدول والأحزاب التي تُعتبر معادية للديمقراطية والقيم الليبرالية تمسّ بصورة إسرائيل في أعين قطاعات واسعة في الولايات المتحدة، والتي قد يصل بعضها إلى سدة الحكم في المستقبل، مما قد يشكل خطراً باعتماد تلك الجهات سياسة دولية حازمة وغير صديقة تجاه إسرائيل. كما أن اصطفاف إسرائيل إلى جانب تلك الدول المعادية للديمقراطية ولقيم الليبرالية قد يساهم في ابتعاد اليهود أبناء الجيل الشاب عن دولة إسرائيل، مما يضعف قدرتها المستقبلية على الاتكاء على يهود الولايات المتحدة.

إسرائيل في واقع جيو سياسي ثنائي الوجه

أما في ما يخص "الوضع الجيو سياسي"، فيكتب معدو التقرير:
إذا ما تبين أن ليس ثمة شريك فلسطيني لمبادرة السلام الأميركية (صفقة القرن)، فينبغي عندئذ فحص إمكانية استغلال الصداقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتوظيفها في إطلاق مبادرة سياسية من جانب واحد هدفها كبح خطر الانزلاق نحو واقع الدولة الثنائية القومية التي تشكل خطرا على هوية دولة إسرائيل، اليهودية ـ الديمقراطية.

في المقابل، يتعين على إسرائيل الاستعداد استراتيجياً لواقع التآكل المتواصل في جاهزية الولايات المتحدة للاستثمار في الشرق الأوسط؛ على إسرائيل إثبات حضورها وأن تكون مستعدة لأن تقود الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار والهدوء في المنطقة. في إطار هذا الاستعداد، وكجزء لا يتجزأ منه، وبالبناء على الصداقة المتينة والظاهرة مع الرئيس ترامب، ينبغي إعادة النظر مجددا في إمكانية إقامة تحالف عقديّ طويل المدى مع الولايات المتحدة. من الواضح أن ثمة نواقص وسلبيات لمثل هذا التحالف، لكن حيال الواقع المتشكل الآن والفرصة المتاحة لاستثمار الصداقة مع الرئيس ترامب من أجل التوصل إلى اتفاقية تخدم المصالح الإسرائيلية، من الحري العودة إلى فحص ميزان الفائدة ـ الكلفة في هذا الإجراء.

تميزت السنة المنصرمة، مثل سابقاتها، بواقع جيو سياسي ثنائي الوجه يؤثر على إسرائيل وعلى الشعب اليهودي بأكمله. من الجهة الأولى - إسرائيل دولة قوية عسكرياً ومتحررة من تهديدات يمكن أن تشكلها عليها جيوش نظامية في دول محيطة بها؛ علاقاتها مع البيت الأبيض تبلغ ذروتها في هذه الفترة؛ تقيم علاقات عمل وتنسيق وثيقة مع روسيا؛ توسع علاقاتها الاقتصادية مع الصين؛ تعمق شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية وتمتلك قوة اقتصادية وتكنولوجية كبيرة جداً، فضلاً عن موارد الغاز الطبيعي في البحر المتوسط، التي تفتح الباب أمام تحالفات استراتيجية إقليمية. من الجهة الثانية – ثمة ظلال سوداء تخيم فوق الأفق الاستراتيجي الخاص بإسرائيل، ناتجة عن طموحات إيران الاستراتيجية ضد إسرائيل، قوتها العسكرية وتطوير وسائل غير تقليدية؛ وعن الوضع على الجبهة الإسرائيلية ـ الفلسطينية التي تغذي، أيضاً، حملة نزع الشرعية عن إسرائيل. هذه الظلال قد تتطور نحو التدهور إلى صدام عنيف في إحدى الحلبات أو أكثر ـ مقابل "حماس"، حزب الله، إيران، سورية وربما في الضفة الغربية أيضاً. وإلى جانب عدم الاستقرار المزمن في الشرق الأوسط، تتأثر إسرائيل أيضاً بالتغيرات الحاصلة في المنظومة الدولية. فالولايات المتحدة لم تعد معنية بتأدية دور "الشرطي الاستراتيجي" الحاضر والضالع عسكرياً في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك في الشرق الأوسط أيضاً. هذا هو الواقع الذي يفسح المجال أمام روسيا والصين لتوسيع تأثيرهما، أكثر من أي وقت مضى.

حلبات مركزية في التأثير على الوضع الجيو سياسي

ثم يفرد التقرير حيزاً خاصاً لبعض "الحلبات المركزية التي تؤثر على الوضع الجيو سياسي للشعب اليهودي"، كما يصفها:
الولايات المتحدة: خلال السنة الأخيرة، برز الحلف الاستراتيجي العميق بين إسرائيل والولايات المتحدة في عدة مناسبات وأحداث، في مقدمتها: نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بالسيادة الاسرائيلية على هضبة الجولان. تُسمع في المعسكر الجمهوري الأميركي، بشكل خاص، أصوات تأييد وتعاطف كبيرين مع إسرائيل، بينما لوحظ هبوط في مستوى التعاطف والتأييد في المعسكر الديمقراطي. وفي المحصلة، تعمق التآكل في الدعم التقليدي لإسرائيل من كلا الحزبين الكبيرين. في المقابل، يبدي يهود الولايات المتحدة، في غالبيتهم، تحفظاً واضحاً من الإدارة الأميركية برئاسة ترامب، رغم علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل. من الصعب في هذه المرحلة وضع تقييم دقيق للتأثيرات المحتملة للمظاهر والأحداث اللاسامية في الولايات المتحدة ولتصاعد السجال العام حول هذا الموضوع على قوة اليهود الأميركان الجيو سياسية.

الشرق الأوسط: تعيش إسرائيل في منطقة عنيفة ومتقلبة الأحوال: حروب، موجات من اللاجئين، أزمات إنسانية، اقتصادات متعثرة، بطالة، حكم مركزي استبدادي فاشل، تنامي التنظيمات الإرهابية والحركات المتسلحة بأيديولوجيات إسلاموية راديكالية (الهزيمة التي مني بها تنظيم "داعش" هذا العام لا تضمن القضاء التام والنهائي على البنى التحتية الاجتماعية والدينية التي نما عليها هذا التنظيم وترعرع، ولا إنهاء قدرته على تنظيم وتنفيذ عمليات إرهابية فظيعة كتلك التي وقعت في سيريلانكا مؤخراً). التهديدات التي تشكلها إيران ومنظمات الإرهاب الإسلامي تؤدي إلى التقاء مصالح بين إسرائيل وعدد من الدول العربية السنية، سيكون من نتائجه إرساء قواعد لتنسيق أمني غير مسبوق ونادراً ما قد تظهر هذه العلاقات فوق السطح. الشلل الذي يميز العملية السياسية مع الفلسطينيين لا يحول، في هذه المرحلة، دون تطور هذه العلاقات، رغم أنه يجعل من الصعب تطبيعها بصورة علنية حتى الآن.

إيران: الجهود الإسرائيلية الرامية إلى لجم التمركز العسكري الإيراني في سورية ومنع نقل الأسلحة الاستراتيجية إلى حزب الله في لبنان تنطوي على مخاطرة كبيرة بالتدهور نحو صدام عسكري. العقوبات الأميركية على إيران تسرع من وتيرة الأزمة الاقتصادية فيها وتعمقها فتثير، بالتالي، حالة من الغضب والغليان الجماهيريين ضد النظام في إيران. ومع ذلك، يبقى مفتوحاً السؤال عما إذا كانت هذه العقوبات قادرة على إحداث تغيير في نظام الحكم أو على إرغام إيران على الإذعان لمطالب إضافية أخرى، علاوة على تلك التي قبلت بها في إطار الاتفاق النووي (وقف مشروع الصواريخ البالستية والتوقف عن حبك المؤامرات الإقليمية). كما يبقى مفتوحاً، أيضاً، السؤال عما إذا كانت إيران ستقرر في مرحلة ما الخروج عن حدود الاتفاق وتقييداته مما سيزيد، بالضرورة، من خطر التصعيد.

الحلبة الفلسطينية: الأزمة الإنسانية في قطاع غزة تزيد من خطر اندلاع جولات جديدة، مرحلية، من العنف، كتلك التي شهدتها السنة الماضية أيضاً، مع احتمال تدهورها إلى مواجهة عسكرية شاملة. ومع ذلك، لا ينبغي استبعاد احتمال أن يؤدي عزل حركة "حماس"، الوضع الاقتصادي المتردي جدا في قطاع غزة والضغوط التي تمارسها مصر ـ أن تؤدي هذه مجتمعة إلى الدفع بقيادة "حماس" نحو التوصل مع إسرائيل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لفترة طويلة جداً. وفي المقابل، كانت السنة المنصرمة غنية بالتطورات التي تبين وتؤكد وضع السلطة الفلسطينية الهشّ: تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة، الوضع الاقتصادي القاسي جراء التقليصات في المعونات المالية الأميركية، كما التقليصات في التحويلات المالية الإسرائيلية أيضاً، تعمق الانفصال والنزاع الفلسطيني ـ الفلسطيني الداخلي والصراعات الداخلية تمهيداً لتغيير القيادات. في ظل هذه الأوضاع، رفض الفلسطينيون مبادرة السلام الأميركية (صفقة القرن)، حتى قبل عرضها بصورة رسمية.

إجمالاً، وفي موازاة الإنجازات الحقيقية الجدية، يمكن القول إن العام المنصرم لم يحمل أية مؤشرات إلى إمكانية حصول انعطافة يمكنها ضمان التوصل إلى حلول للقضايا والمشاكل الاستراتيجية الأساسية التي تواجه إسرائيل: التحديات والتهديدات الأمنية (المشروع النووي الإيراني، حزب الله و"حماس") والتحديات السياسية، الأمنية، الديمغرافية والأخلاقية في غياب حل للمسألة الفلسطينية.

الديمغرافيا اليهودية

على غرار ما كان في سنوات سابقة، كذلك في السنة الأخيرة ازداد عدد اليهود في العالم بوتيرة معتدلة قوامها نحو 100 ألف شخص، إذ بلغ مجموع اليهود في العالم في بداية العام الجاري 2019 نحو 7ر14 مليون إنسان.

ينبع هذا الارتفاع، بصورة أساسية، من ازدياد عدد اليهود في إسرائيل: من 555ر6 مليون في بداية العام 2018 إلى 665ر6 مليون في بداية 2019 (أي زيادة مقدارها 110 آلاف، أو نسبة 7ر1%، تقلصت قليلاً حيال الانخفاض الطفيف في عدد اليهود في "الشتات"). بالإضافة إلى ذلك، كان في إسرائيل في بداية العام 2019 نحو 427 ألف شخص "بلا دين" ـ أي: مهاجرون جدد إلى إسرائيل ليسوا يهودا حسب الشريعة اليهودية، لكنهم "منخرطون من ناحية قومية واجتماعية" وقد هاجروا إلى إسرائيل بموجب "قانون العودة".

في الإجمال، بقيت النسبة بين غير اليهود واليهود في دولة إسرائيل (بمن فيهم المستوطنون في المناطق الفلسطينية) ثابتة على حالها، كما كانت في سنوات خلت: 79% من اليهود مقابل 21% من غير اليهود. وتشمل مجموعة اليهود، أيضا، الأشخاص الذين لا يمتلكون المساكن و"المنخرطين اجتماعيا وثقافيا في مجتمع الأكثرية"، لكن بدونهم كانت النسبة: 74% من اليهود مقابل 26% من غير اليهود.

يذكر أن عدد السكان في دولة إسرائيل تجاوز الـ 9 ملايين في شهر آذار الأخير، للمرة الأولى.

بقي عدد اليهود في الولايات المتحدة (وهم الجالية اليهودية الأكبر في العالم، خارج إسرائيل طبعاً) ثابتاً كما كان عليه من قبل: 7ر5 مليون إنسان، علما بأن ثمة تقديرات أخرى تشير إلى أن عدد هؤلاء قد وصل إلى 7ر6 مليون أو 7 ملايين حتى.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الجمعة, ديسمبر 13, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية