خلف شتى المواجهات السياسية بما في ذلك تجلياتها العسكرية، سواء على حدود غزة المحتلّة أو على حدود الجولان المحتلّ مع عمقه السوري شمالاً، شهد غاليري إسرائيلي في أواسط تموز المنتهي حدثاً يمكن القول إنه جسّد في العمق صورة مكثّفة جداً لفعل وفكرة السيطرة والتملّك عنوة بقوّة الذراع والبندقية والدبابة على ما ليس لك! لم تكن في الغاليري أسلحة لكنه اشتمل على كامل العدة التفكيرية- العقائدية للقيام بفعل سيطرة وتملّك قسري وعنيف مماثل في الماهيّة.

تعود القصة الى إعلان خرج به غاليري يطلق على نفسه اسم أو صفة الـ "مركز للفن والسياسة" في مدينة تل أبيب، بشأن تنظيم معرض عنوانه "فنون عربية مسروقة". للوهلة الأولى يظن المرء أن هناك تلاعباً ذكياً ما خلف هذا العنوان، أو صياغة تحمل غمزة نقدية مخبّأة ما. ولكن قراءة النص المرافق والداعي لذلك المعرض، تكشف أن المقصود حرفياً هو سرقة لأعمال فنية عربية وعرضها.

وقد جاء في الدعوة التعريفيّة حرفياً: "يُقدم المعرض للجمهور الإسرائيلي مجموعة مختارة من أعمال الفيديو لفنّانين من العالم العربي والمعروضة في أرجاء العالم، لكنها لم تُعرض في إسرائيل بعد. يلقي هذا المعرض الضوء على العالم الفنّيّ في الدول العربية المجاورة، الغائب والمخفي عن المشهد الفنّيّ والثقافيّ المعاصر في إسرائيل. تسعى الإشارة إلى الحدود السياسيّة والجغرافيّة إلى لفت الأنظار إلى مكانة إسرائيل الشاذة في أسرة الشرق الأوسط".

حتى هنا أيضاً قد يخطر بالبال أن هناك مَن يسعى الى توجيه حزمة استثنائية من الضوء على ما ينتج من أعمال فنية عربية يتم حجبها عن الجمهور الإسرائيلي، قاصداً نقد الانغلاق الاسرائيلي في مقابل المحيط الجغرافي والثقافي القريب، والذي يتم الهرب منه نحو الانخراط المفتعَل في حيّزات أوروبا سواء في الغناء (يوروفيجن، مثلا) أو الرياضة (دوري كرة السلة، مثلا) أو التصوّر الذاتي بل التوهّم الذاتي (إسرائيل دولة غربيّة في الشرق). لكن هذا أيضاً يتضح كخطأ متسرّع: لا يوجد أي نقد لإسرائيل الرسمية. فالمنظمون يصارحون في بيانهم باللغات الثلاث، العبرية والإنجليزية والعربية، بما يلي: "تُعرض هذه الأعمال في إسرائيل دون عِلم الفنّانين، ومن خلال الإدراك الكامل لعملية سلب ممتلكاتهم هذه"، ويفسّرون إقدامهم على فعل السلب هذا بالقول إنه: "بواسطة هذه المعرض نسعى إلى تعزيز واقع من التعاون والحوار في الشرق الأوسط، واقع بدون حروب واحتلال، عالم بدون حدود؛ الواقع الصحيح المرغوب بنظرنا". ومن المغري جداً التفكير في التناقض الهائل بين الإقدام على فعل سلب أعمال لفنانين وبين الحديث عن تعاون وحوار. السلب كفعل عنيف لا يقيم أي وزن لإرادة المسلوب منه، هو فعل يساهم في التعاون والحوار مثلما تساهم رصاصة بندقية في تقريب القلوب. بشيء من السخرية الجادّة قد يُقال إن هذا ما يجري، إسرائيلياً، في خصوص كثير من الممتلكات والمنتَجات التي تُسلب وتُدمغ بالأزرق والأبيض ويُعلن عنها "وطنية إسرائيلية" ثم يُقال: هذا جزء من القاسم المشترك الذي يجمعنا مع جيراننا. هذا ما حدث لزيت الزيتون ولأطباق شعبية عديدة.

فَرضٌ للأمر الواقع بهدف كسر المقاطعة الثقافية لإسرائيل الرسمية

لا يخفي المنظّمون المجاهِرون بالسّلب أنهم اختاروا "عدم نشر أسماء الفنّانين لعلمنا بعدم رغبتهم بعرض أعمالهم في إسرائيل كجزء من المقاطعة الثقافية العربية والعالمية لدولة إسرائيل، وكي لا نفرض عليهم تعاوناً لا يرغبون به، وبهدف عدم تعريضهم لسيف الانتقاد واتهامات الخيانة". أي أن هناك بالإضافة إلى السّلب فَرضٌ للأمر الواقع بهدف كسر المقاطعة الثقافية لإسرائيل الرسمية، والتي يقوم بها أصحابها لأسباب سياسية وبدوافع أخلاقية. وهكذا فلا يتم سلب ممتلكات أولئك الفنانين، بل تُنتهك كرامتهم الذاتية من خلال تهشيم موقفهم الداعي للمقاطعة.

لا يمكن التخلّص من صورة تلحّ على الذاكرة حين فرضت السلطات الاسرائيلية على قسم من أهل قرية كفر قاسم لقاءً على مأدبة طعام لفرض "صُلحة" عليهم قبل أن تجف دماء شهداء المجزرة الوحشية التي اقترفتها قوات الأمن الاسرائيلية في قريتهم في العام 1956. دوس الإرادة الشخصية وممارسة العنف ضد الكرامة الذاتية للإنسان وجرّه الى ما يناقض وجدانه، هو نهج واحد في الحالتين. هذا الإرث البشع يجد له تجليات في هكذا معرض، أبرز ملامحه العميقة الغطرسة والوقاحة والتبلّد المطبق نحو من يزعم بالسعي للتقرّب منه.

وحتى تكتمل صورة القتامة يتفنّن منظّمو استعراض "الفنون العربية المسروقة" في التفلسف، بالمفهوم السلبي للتفلسف المبتذل المُفرغ من مضمونه، إذ يدّعون أنهم اختاروا البدء بهذا المعرض في مركزهم "احتجاجاً على الوضع الراهن، ومن خلال الإيمان بقدرة الفن على توسيع الآفاق، وتغيير وجهات النظر، وإحداث التغيير الاجتماعي والسياسي وسعياً إلى الحرية والديمقراطية في المنطقة بين النهر والبحر، وفي العالم كله". على من يحتجّ بالضبط هذا المُنعَم بالترف خلف الجدار الحديدي المحروس بأحدث الأسلحة الموجهة إلى الفلسطينيين خصوصاً والعرب عموماً؟ من هو عنوان سهامه النقدية؟ ليس المؤسسة السياسية والعسكرية التي تفرض هذا كله، بل ليس هناك تحديدا لأي عنوان، بل مجرد ثرثرات متخففة من أي التزام أخلاقي ومن أي استعداد لدفع الثمن الواجب: واجب المعارضة وتبعاتها؛ ثرثرات عن "توسيع الآفاق" و"تغيير وجهات النظر" و"إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي" والسعي الى "الحرية والديمقراطية". هكذا تمارس هذه الغايات المؤسسة الإسرائيلية نفسها؛ سعي الى "تغيير وجهات النظر" بفرض العقوبات على المدنيين في قطاع غزة، مثلا، لينسوا الاحتلال الاسرائيلي ويقوموا على السلطة هناك سعياً الى "إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي" وتحقيق "الحرية والديمقراطية". عقليّة صمغُها العُنف والإملاء والتجاهل التام لإرادة الطرف الآخر وكرامته الإنسانية. وهو بالضبط ما يقوم به من يسلب أعمالا فنية لمبدعين عرب ويعرضها دون إرادتهم وخلافا لموقفهم السياسي والأخلاقي المنسجم مع المقاطعة الثقافية. هذا هو التجلّي الأبشع للعنف، فهو لا يتم بالسلاح، بل بمزاعم استخدام الفن والإبداع لنشر الحريّة.

يكفي التمعّن في هذا الانقطاع الجاهل الهائل عن كُنه القيم التي يثرثر بها منظمو المعرض، من خلال الأوصاف التي يسبغونها على مشروعهم: إن "مركز الفن والسياسة" هذا "يعمل على تشجيع إعادة النظر بالقيم الأساسية والمؤسسات المفاهيمية للفنون الحديثة المستقلة، مثل المُلكية، التأليف، المشاهدة. المركز هو منارة لحرية التعبير والالتزام السياسي المدني، ومحور للفكر والعمل على تعزيز قيم استخدام القدرات الفنية، ويبحث في الاقتصاد والتمدن الجديد، وينقش على رايته حب الآخر والمختلف، وشجاعة وشغف التجدد، واحترام كل إنسان". فعلا، لا يوجد أرفع من احترام الإنسان بواسطة دوس إرادته والسيطرة على ممتلكاته والتصرف بها كملك خاص!

لعب الدور الأحبّ على القلب الاسرائيلي الشائع: دور الضحية

هذا النص الذي يكشف العديد من طبقات تفكير وتوجّه وعقليّة الغطرسة لدى أصحابه احتوى على التصريح المقتضب التالي: "غالباً ما يتطلب من الفن تخطي الحدود الأخلاقية والقانونية والمعيارية بغية التقدم إلى الأمام"..

هنا يتقدمون خطوة للأمام في معرض تملّك ما ليس لهم، في السّلب، وهو تملّك للفن حين يقوم بدور مقاوِم للهيمنة بمختلف تجلياتها، فتراه يسلك كمقاوِم لاحتلال أو عدوان يضطر اضرارا لرفع سلاح. لكن هذا لا ينطبق أبداً على من يتحرّك في حيّز القوي المهيمن العدواني، فيسلب الآخرين ممتلكاتهم ويتصرّف بفظاظة بها ناسباً لذاته صفة من يتخطى الحدود لتحقيق غرض نبيل. هناك نوع من الغطرسة التي تبعث على الحماقة لدى ممارسيها بدرجات غير قابلة للتخيّل.

وكأن هذا كله لا يكفي، فقد أدلى بعض منظمي المعرض بتصريحات لعبوا من خلالها الدور الأحبّ على القلب الاسرائيلي الشائع: دور الضحية. أحدهم قال بحسب صحيفة "هآرتس" إن "المعرض المشار إليه يمثل نوعاً مختلفاً من الأداء، حيث يثير أسئلة عن العلاقة بين الفن ومؤسساته، وعن كيفية التعامل مع القانون، ومع الواقع، ومع الاتفاقات السياسية، ومع حملات مثل حملة مقاطعة إسرائيل (بي. دي. إس)، ومع الحكومة الإسرائيلية... فكرة المعرض نشأت عندما حاولنا إقامة معرض عادي يضم أعمالاً عربية برضى أصحابها، ولكننا لم نستطع أن نحصل على موافقتهم، حيث إنهم إما تجاهلونا أو رفضوا". وقالت أخرى "نحن نحتاج إلى سلام في وقت لا يتقدم السلام... وقد مددنا أيدينا، لكن مبدعيها رفضوا وأعطونا ظهورهم، نحن نعرف أن هذا فعل أحادي الجانب". الطريق التي يقترحها هؤلاء لتحقيق السلام المفقود هو المزيد من سلب الضحايا وتملّك ممتلكاتهم. وهو ما تفعله المؤسسة الحاكمة في إسرائيل بجميع مركباتها. ومن هنا القول إن هذا المعرض لـ"الفنون العربية المسروقة" قد جسّد في العمق صورة مكثّفة جداً لفعل وفكرة السيطرة والتملّك عنوة، من إنتاج مؤسسة إسرائيل الرسمية.

إمكانية مقاضاة الجانب الإسرائيلي في المحاكم الدولية

ركز عدد (قليل) من وسائل الإعلام العربية على الحدث، ونقل أن بعض الفنانين العرب وبينهم وليد رعد (لبنان) ووائل شوقي (مصر)، ممن سرقت أعمالهم، سارعوا إلى إدانة المعرض سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي تصريحات صحافيّة. وتحدث بعضهم عن مشاورات يجرونها مع جهات قانونيّة بشأن مقاضاة منظمي المعرض والغاليري في محاكم دوليّة. وهم يقولون إن هذه السرقة العلنيّة للأعمال الفنيّة العربيّة ليست ظاهرة معزولة عن سياق تاريخي منذ مئة عام على الأقل يقوم على مبدأ سرقة حقوق الآخرين في التاريخ والجغرافيا والثقافة بكل تجلياتها لمصلحة مشروع استيطاني عنصري يقوم على إلغاء الآخر.

الفنان وائل شوقي قال في تصريح إعلامي: "ما الهدف من كونك لصاً وفخوراً بفعلك هذا؟ على أيّ حال هذا لن يغير من الأمر شيئاً، كل هؤلاء الفنانين الذين عرضت لوحاتهم بمن فيهم أنا، ضد عرض أعمالهم في إسرائيل. لقد جعلتم هذه النقطة أكثر وضوحاً". وقال شوقي إنه بلّغ وكلاءه في لندن وفي بيروت، بإمكانية مقاضاة الجانب الإسرائيلي في المحاكم الدولية.

 

الخميس, سبتمبر 20, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية