قال تقرير جديد لمنظمة "بتسيلم" (مركز المعلومات الإسرائيلي حول حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة) إن المسّ الرّوتينيّ والمنهجيّ بحقوق القاصرين الفلسطينيين في أراضي 1967 لا يزال مستمرّاً، في ظل انعدام أي رقابة قضائية جوهرية.

وأضاف التقرير، الذي نُشر تحت عنوان "شبيبة في خطر"، أن دولة الاحتلال أدخلت في العقد الأخير بعض التغييرات على الأوامر العسكرية المتّصلة باعتقال قاصرين وطرق معاملتهم في المحاكم العسكرية. ويبدو ظاهريّاً وكأنّ هذه التغييرات جاءت لتحسين الحماية الممنوحة للقاصرين في الجهاز القضائي العسكري، غير أنّ التغييرات التي أدخلتها إسرائيل لم يكن لها سوى تأثير هامشيّ على حقوق القاصرين. ويتّضح أنّ التغييرات الشكليّة لتحسين الصورة شيء والواقع شيء آخر. وتشهد المعطيات على أنّ المسّ الرّوتينيّ والمنهجيّ بحقوق القاصرين لا يزال مستمرّاً.

وجاء في التقرير: يجتاز مئات القاصرين الفلسطينيين كلّ سنة المسار نفسه: القبض عليهم في الشارع أو في منازلهم في منتصف اللّيل وعصب أعينهم وتكبيل أيديهم ثمّ اقتيادهم إلى التحقيق، ويندر ألا يرافق ذلك استخدام العنف. ويجري التحقيق مع هؤلاء القاصرين وهم وحيدون ومنقطعون تماماً عن العالم، لا شخص بالغ يعرفونه يقف إلى جانبهم ولا تعطى لهم فرصة التشاور مع محامٍ قبل التحقيق، وكلّ ذلك بعد اقتيادهم للتحقيق أصلاً وهم متعبون وخائفون حيث أن بعضهم اقتيد من الشارع وقد أمضى ساعات خارج منزله، وبعضهم أفزعوه من نومه في منزله، وبعضهم لم يتناول طعاماً أو شراباً طيلة ساعات، إلى حين التحقيق.
والتحقيق نفسه يرافقه في أحيان كثيرة التهديد والصراخ والشتائم، وأحياناً العنف الجسديّ أيضاً، والهدف من كلّ ذلك واحد: إرغام القاصرين على الاعتراف بارتكاب جُرم نُسب إليهم أو الإدلاء بمعلومات لتجريم آخرين. ويجري اقتياد القاصرين للمثول أمام المحكمة العسكرية لأجل تمديد اعتقالهم وهناك يلتقي معظمهم بمحاميه للمرّة الأولى. في معظم الحالات يقرّر القاضي تمديد اعتقالهم حتّى عندما تكون البيّنة الوحيدة ضدّهم اعترافهم الشخصي أو معلومات أدلى بها آخرون تجرّمهم زعماً، حتى وإن كانت هذه الاعترافات والمعلومات قد انتُزعت ضمن مسّ خطير بحقوقهم. وفي هذه الظروف وبالنظر إلى إدراكهم أنّ حكماً بالسجن ينتظرهم يوافق القاصرون على الاعتراف بالتهمة المنسوبة إليهم والتوقيع على صفقة يجريها محاميهم مع النيابة فقط لكي يتمكّنوا من العودة إلى حياتهم العاديّة بأسرع ما يمكن، بعد قضاء المحكوميّة المتّفق عليها في الصفقة، والتي صادق عليها قاضي المحكمة العسكرية للشبيبة.
وقال التقرير إن المحكمة العسكرية للشبيبة تعمل منذ عام 2009. وتنظر الدولة إلى إقامة محكمة خاصّة بالشبيبة كأبرز الخطوات الرّامية إلى الحفاظ على حقوق القاصرين في الجهاز القضائي العسكري. لكن هذه الخطوة لم تحصّن فعليّاً حقوق القاصرين الماثلين للمحاكمة. وتزعم الدولة أنّ التغييرات التي أدخلت على الأوامر العسكرية تتيح لوالدَي القاصر انخراطاً أكبر في الإجراء القضائي المتّخذ في حقّ ولدهما وحتّى أنها تمنحهما "دوراً مركزيّاً" فيه. وحدّدت التعليمات الجديدة واجب إبلاغ الوالدين عن اقتياد ولدهما للتحقيق وحقّهما أن يحضرا جلسات المحكمة وأن يقدّما باسمه طلبات إلى المحكمة وأن يشاركا في جلسات مناقشة خطّة تأهيل له. ولكن أيضاً هنا ليست هذه التعليمات سوى مرسوم رمزيّ لا قيمة فعليّة له.
وأشار إلى أنه في أعقاب التماسات عدّة رُفعت إلى محكمة العدل العليا تمّ تقصير بعض فترات الاعتقال المحدّدة في الأوامر العسكرية والتي تسري على سكّان الأراضي المحتلة لأجل الرقابة القضائيّة. وضمن ذلك حُدّدت للمرّة الأولى فترات اعتقال خاصّة بالقاصرين. وتمّ تقصير الفترة التي ينبغي خلالها جلب المعتقل للمثول أمام المحكمة وفترة الاعتقال لحين تقديم لائحة الاتّهام وفترة الاعتقال لحين انتهاء الإجراءات القانونية. لكن تقصير فترات الاعتقال في الحالات أعلاه لم يقلّل عدد القاصرين المعتقلين ولم يكن له تأثير على حقوق القاصرين الماثلين للمحاكمة أمام المحاكم العسكرية. فأولاً الفترات المحدّدة اليوم في الأوامر العسكرية يمكن إطالتها بسهولة نسبيّاً. وثانياً وأساساً: تقصير الفترة يمكن أن يكون ذا تأثير فقط في جهاز يقيم رقابة قضائيّة جوهرية على كلّ قرار اعتقال، جهاز يرى في أنّ اعتقال قاصر أمر ينبغي اللّجوء إليه فقط في حالات استثنائية وفقط إذا لم يوجد بديل. على عكس ذلك تنظر المحاكم العسكرية إلى اعتقال القاصرين على أنّه جزء روتينيّ من عملها وفترات التحفّظ على المتّهمين القاصرين التي يقرّرها القضاة تؤدّي إلى إبقائهم رهن الاعتقال لمدّة طويلة.

ولفت التقرير إلى أن التغييرات التي تقصدها الدولة تتمحور حول ما يجري في المحاكم العسكرية نفسها، وحين تسلّط الدولة الضوء كثيراً على هذا الجانب فهي لا تقصد سوى تحويل الأنظار عن المسألة الأساسية. فهذه التغييرات لا تتناول المرحلة الحرجة - الاعتقال الأوّلي والتحقيق الذي يجري بعد ذلك. وطريقة عمل الجهاز القضائي العسكري تحدّد مصير الملفّ بما يحدث في هذه المرحلة، وخاصّة انتزاع اعتراف من القاصر أو انتزاع إفادة تجرّمه من فم فتيان آخرين. وتنطوي الإجراءات في هذه المرحلة على مسّ خطير بالقاصرين الذين يجتازونها وحيدين تماماً دون مرافقة الوالدَين أو محامٍ ودون أن يكون إلى جانبهم أيّ بالغ يعتني بمصالحهم ويشرح لهم ما الذي سيحدث ويعرّفهم على حقوقهم. عوضاً عن ذلك يجد القاصرون أنفسهم محاطين ببالغين هم ممثّلو الدولة التي تحتلّهم وبعضهم حتّى لا يتحدّث بلغتهم، والغاية من ذلك إرغامهم على الاعتراف والإدلاء بمعلومات.

ومضى التقرير قائلاً: اختارت إسرائيل أن تقيم في الضفة الغربية جهاز محاكم عسكرية وأن تحاكم فيها القاصرين الفلسطينيين. وتبيّن الوثائق التي نشرتها جهات رسميّة أنّ الدولة تفهم أنّ القاصرين مستحقّون، نظريّاً على الأقلّ، لحماية خاصّة وأنّ جهاز القضاء الخاصّ بالشبيبة يُفترض أن يعمل وفق مبادئ مغايرة لتلك المتّبعة لدى محاكمة البالغين. لكنّ الفجوة بين فهم الدولة وواقع سياساتها تشهد على أنّ هذه المَصوغات كُتبت فقط لرفع العتب ولأغراض الدّعاية لا غير. فالتغييرات التي أدخلتها الدولة في الجهاز القضائي العسكري شكليّة لا غير. وأيضاً بعد إدخالها لا يزال هذا الجهاز يتجاهل مبادئ أساسيّة تميّز أجهزة القضاء الخاصّة بالشبيبة في القانون الدولي في دول كثيرة في العالم وفي إسرائيل، من ضمنها مبدأ مصلحة الطفل، مبدأ الملاذ الأخير بحيث لا تلجأ السلطات إلى اعتقال وحبس القاصرين إلّا إذا انعدم بديل آخر، ومبدأ التأهيل بحيث تعطى له الأفضلية على إخضاع القاصرين لإجراء قضائيّ.

وفي جهاز القضاء العسكري للشبيبة فإن التعليمات والأوامر العسكرية يكتبها إسرائيليون فقط. وهم يفعلون ذلك متجاوزين الفلسطينيين الذين لا يملكون قدرة التأثير على مضامين أوامر تُدار حياتهم وفقاً لها يطبّقها دائماً جنود وقضاة ومدّعون إسرائيليون وتمثّل مصالح دولة الاحتلال. إنّه جهاز يمْثل فيه الفلسطينيّ دائماً كمشتبه به. والمحاكم العسكرية لم تكن ولن تكون يوماً حَكَماً حياديّاً فهي إحدى الآليّات المركزية التي تستخدمها الدولة لاضطهاد السكّان الفلسطينيين وقمع أيّة بادرة لمقاومة السيطرة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.

وهذا هو السبب أيضاً في أنّ سعي جهات رسمية لعقد مقارنة بين جهاز القضاء العسكري وجهاز القضاء المدني الإسرائيلي محكومة بالفشل مسبقاً. ويقوم الجهازان على مبادئ مختلفة وغاية كلّ منهما حماية مصالح مغايرة. فجهاز المحاكم الفاعل داخل حدود الخطّ الأخضر يعكس مصالح المجتمع الذي أتى منه المتّهمون ويعمل على حمايتها. فيما المحاكم العسكرية التي تعمل في الضفة الغربية لا تعكس مصالح المجتمع الذي أتى منه المتّهمون وإنّما مصالح نظام الاحتلال وأوّلاً وقبل كلّ شيء رغبته في استمرار وجوده. من هذا الفرق الجوهريّ نشتقّ أيضاً الفجوة الفاصلة بين الجهازين: طريقة الاعتقال وأنواع المخالفات وسقف الأدلّة المطلوبة لأجل تقديم لائحة اتّهام وتعليل اعتقال المتّهمين والعقوبات التي تصدر في حقّهم. من هنا فإن مقارنة المعطيات بين هذين الجهازين باطلة كلّها والغاية الوحيدة منها إضفاء الشرعية على جهاز القضاء العسكريّ.

وتابع التقرير أن جهاز القضاء العسكريّ ليس الجهاز الوحيد الذي تسعى إسرائيل من خلاله لخلق صورة زائفة توهم بالأداء القانونيّ سعياً لإخفاء انتهاكات حقوق الإنسان الملازمة لإدارة نظام الاحتلال. هكذا تعرض إسرائيل أيضاً جهاز تطبيق (أو بالأحرى عدم تطبيق) القانون العسكري بعد أن أقامت جهازاً معقّداً غايته الظاهرية معالجة شكاوى الفلسطينيين المقدّمة ضدّ جنود لكنّه يعمل فعليّاً كجهاز لطمس الحقائق. وهكذا أيضاً تدّعي إسرائيل حين تهدم منازل الفلسطينيين بحجّة البناء غير المرخّص، بينما في الواقع لا يملك الفلسطينيون أيّ إمكانية لاستصدار رخص بناء وإقامة منازلهم وفقاً للقانون، وهذا واقع تدركه السلطات الإسرائيلية جيّداً لأنّها هي من أنشأته. كذلك تدّعي إسرائيل أنّها لم تضمّ الضفة الغربية في حين هي تتصرّف هناك كأنّها ضمن حدودها السياديّة وتطبّق قوانينها كما تشاء وتتجاهل احتياجات الفلسطينيين.

وختم التقرير: إن الصورة الزّائفة لا تُسهم في الحفاظ على حقوق الإنسان، بل إنّها تُسهم في إضفاء الشرعية على نظام احتلال يحرص من حين لحين على اتّخاذ إجراءات وإدارة مناقشات وإقامة لجان ووضع خطط ونشر تقارير. والصورة الزّائفة أيضاً تسهّل على الجمهور في البلاد والعالم هضم نظام الاحتلال حيث من الأسهل قبول اعتقال قاصر حين يبدو أنّ هناك قاضياً "نظر في جميع البيّنات". ومن الأسهل قبول هدم منزل أسرة بأكملها إذا نفّذ أحد أبنائها عمليّة داخل إسرائيل وبعد أن "نظر في الملفّ" قاضي المحكمة العليا. ومن الأسهل قبول توسيع مستوطنة حين يبدو أنّ الأرض التي أقيمت عليها أعلنت كـ"أراضي دولة" وفقاً لتعليمات منظمة حدّدتها السلطات. غير أنّه من وراء هذه الصورة الزّائفة يُدار منذ خمسين سنة نظام مسؤول عن المسّ العنيف بملايين الأشخاص كلّ يوم دون رقيب أو حسيب. وما من قانون أو أمر عسكري أو مرسوم أو قرار محكمة يمكنه تمويه ذلك. وعند نزع هذا القناع يتبدّى نظام الاحتلال مكشوفاً بكلّ قباحته أمام أعين الجميع.

 

الأربعاء, مايو 23, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية