"انتصار المستوطنين: التعيين الإشكالي لإيلي بن دهان نائبا لوزير الدفاع" ـ تحت هذا العنوان، كتب المعلق لشؤون الأمن والاستخبارات، يوسي ميلمان، في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية (وهو معلق سابق للشؤون نفسها في صحيفة "هآرتس" سنوات طويلة) عن قرار تعيين الحاخام إيلي بن دهان، ممثلا عن حزب "البيت اليهودي" (بزعامة نفتالي بينيت) نائبا لوزير الدفاع الإسرائيلي وتفويضه المسؤولية الكاملة والحصرية عن كل ما يتعلق بـ "الإدارة المدنية" في الضفة الغربية، مضيفا، في العنوان الفرعي ("معاريف" ـ 16/5/2015): "رجل البيت اليهودي سيكون مسؤولا عن الإدارة المدنية، وهو ما يزيد القلق من أن القدس قد تخطو نحو سياسة الأبارتهايد"!


و"الإدارة المدنية" تشكل إحدى أذرع "وحدة تنسيق أعمال الحكومة (الإسرائيلية) في المناطق". وهي، وفق التعريف الرسمي، الذراع التي تدير مختلف جوانب الحياة المدنية (غير العسكرية ـ الأمنية) في المناطق التي احتلتها إسرائيل ولا تسري عليها أنظمة الإدارة والقضاء الإسرائيليين. ففي الأشهر التي أعقبت "حرب سيناء" (العدوان الثلاثي في العام 1956) في قطاع غزة، ثم "حرب الأيام الستة" (عدوان حزيران 1967) وحتى العام 1981، تم إخضاع المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، رسميا وفعليا، لسلطات الحكم العسكري الإسرائيلي. وفي تشرين الثاني 1981، قرر وزير الدفاع آنذاك، أريئيل شارون، فصل "الإدارة المدنية" عن جهاز الحكم العسكري ونقلها إلى سلطة وزارة الدفاع وإخضاعها إلى مسؤوليته المباشرة، وقام بتعيين البروفسور مناحيم ميلسون رئيسا لـ"الإدارة المدنية في يهودا والسامرة". وكان هدف شارون من هذه الخطوة، تيسير ودفع أجندته الاستيطانية، وفي مقدمتها تسريع وتوسيع مصادرة الأراضي الفلسطينية، إحكام السيطرة الإسرائيلية على مصادر المياه والموارد والبنى التحتية الأساسية الأخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلا عن تسهيل، تعجيل وتكثيف البناء الاستيطاني.


وقد تم تعريف وتحديد ماهية "الإدارة المدنية" هذه في الأمر العسكري رقم 947، الذي تنص المادة الثانية منه على: "تقام، بهذا، إدارة مدنية في المنطقة (هي التسمية القانونية الإسرائيلية للمناطق الفلسطينية المحتلة). الإدارة المدنية تتولى إدارة الشؤون المدنية للمواطنين في المنطقة، وفقا لتعليمات وأحكام هذا الأمر، لما فيه رفاهية السكان ومصلحتهم ومن أجل توفير وتزويد الخدمات العامة وتفعيلها، طبقا لما تقتضيه ضرورة ضمان الإدارة السليمة والنظام العام".


وفي الممارسة، تتولى "الإدارة المدنية" مسؤولية الجوانب المدنية في منظومة الاحتلال الإسرائيلي على المناطق الفلسطينية، في مجالات الحياة اليومية المختلفة، بما فيها التخطيط، التنظيم والبناء والبنى التحتية، التعليم، المعابر، تصاريح الدخول إلى إسرائيل، سواء للزيارة أو للتجارة وللعمل أو للعلاج الطبي، وما إلى ذلك من مجالات تمس حياة المواطنين الفلسطينيين بصورة يومية، بل ساعة بساعة.


وجاء في تعريف جهاز "الإدارة المدنية" ومهامه ومجالات عمله وتدخله، كما ورد على الصفحة الرسمية لـ"وحدة تنسيق أعمال الحكومة (الإسرائيلية) في المناطق" على الشبكة: "الإدارة المدنية هي جزء من جهاز تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، الذراع المسؤولة عن تطبيق سياسة الحكومة في أراضي يهودا والسامرة وتطوير المنطقة في المجالات المدنية، حسب توجيهات المستوى السياسي وبالتنسيق مع الوزارات المختلفة، جيش الدفاع الإسرائيلي وجهاز الأمن. وبذلك، فإن الإدارة المدنية هي جزء لا يتجزأ من نشاط جيش الدفاع وقيادة المنطقة الوسطى في الحالات العادية وحالات الطوارئ".


ثم: "للإدارة المدنية دور مركزي آخر هو التنسيق والارتباط المدني والأمني إزاء العناصر الفلسطينية. في هذا الإطار، تشغّل الإدارة المدنية ممثليات إقليمية في الألوية المختلفة (مديريات التنسيق والارتباط الإقليمية). كذلك، تعتبر الإدارة المدنية مالكة الصلاحية في مناطق ”C“ في مجالات التخطيط، البناء والبنى التحتية إزاء السكان في المنطقة. وإضافة إلى ذلك، الإدارة المدنية مسؤولة عن الاتصال مع العناصر الدولية في مجالي المساعدة الإنسانية ودفع المشاريع في أراضي يهودا والسامرة"!

التعيين يثير اهتماما  إعلاميا واسعا

وكان تعيين بن دهان لهذا المنصب، ضمن تشكيلة الحكومة الإسرائيلية الجديدة (رقم 34 منذ قيام الدولة والرابعة برئاسة بنيامين نتنياهو) التي أدت اليمين الدستورية أمام الكنيست يوم 14 أيار الأخير، قد أثار اهتماما إعلاميا واسعا جدا، نسبيا، نظرا لشخصية بن دهان، آرائه ومواقفه السياسية العنصرية والدينية المتشددة والصلاحيات الممنوحة له في إطار منصبه الجديد هذا. وقد غلب على تناول هذا التعيين في وسائل الإعلام المختلفة، في الأعمّ، التحذير الشديد من الممارسات التي قد يلجأ إليها بن دهان هنا وما قد تثيره من ردود فعل، محلية فلسطينية وإسرائيلية، وعالمية، ثم الدعوة إلى تشديد المراقبة على أدائه وأداء أجهزة "الإدارة المدنية" في الفترة المقبلة.


وفي المقابل، احتفلت إذاعة المستوطنين واليمين المتطرف في إسرائيل ("قناة 7") بهذا التعيين فأجرت مقابلات عديدة حول الموضوع وكتبت، على موقعها على الشبكة، مقالات وتعليقات مختلفة تشيد بالرجل وتحتفي بتسلمه المنصب.
وفي هذا الإطار، نشر موقع القناة (يوم 13 أيار) نصا لمقابلة أجرتها الإذاعة مع بن دهان حول تعيينه لهذا المنصب، رؤيته وبرامجه، تحت عنوان "للمرة الأولى ـ حاخام في إسرائيل نائبا لوزير الدفاع"!


واعتبرت الإذاعة، في مقدمتها لنص المقابلة، أن "تاريخا صغيرا يُسَجّل في إسرائيل هذه الأيام، إذ سيتسلم منصب نائب وزير الدفاع، خلال أيام قليلة، الحاخام إيلي بن دهان"!


ونظراً لما تتمتع به "الإدارة المدنية" من صلاحيات في مجال التخطيط، التنظيم والبناء في الضفة الغربية، فقد حذر بعض المعلقين الإسرائيليين من أن تعيين بن دهان مسؤولا عنها يحمل في طياته خطرا جسيما يتمثل في إتاحة الفرصة أمام المستوطنين لإحداث تغييرات جوهرية في خارطة الاستيطان ومشروع البناء الاستيطاني في الضفة الغربية: "وضع السلطة عما يجري في المناطق بين يديّ حزب بينيت وممثليه يشكّل دفعة فعلية قوية للبرنامج السياسي الذي يطرحه حزب المستوطنين"! بينما اعتبر معلق آخر أن "هذا التعيين بمثابة توكيل القط بحراسة اللبن"!!، كما جاء في تعليق مركز "مولاد ـ المركز لتجديد الديمقراطية في إسرائيل" حول هذا التعيين.

من مواليد المغرب... عنصري متطرف سياسيا ودينيا!

ولد إيلي بن دهان في مدينة الدار البيضاء في المغرب في العام 1954 وهو الأكبر بين إخوته الخمسة. هاجر مع عائلته إلى إسرائيل في العام 1956 وهو لا يزال ابن سنتين، حيث استقرت عائلته في مدينة بئر السبع في جنوب البلاد. درس في مدارس دينية يهودية (ييشيفوت) وأدى الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي في سلاح المدفعية، حيث وصل إلى رتبة رائد.


انضم بن دهان إلى حزب "المتدينين الوطنيين" (المفدال)، ثم كان من بين المتطرفين المتشددين الذين انشقوا عنه في آذار 1999 وأسسوا حزب "هئيحود هليئومي ـ تكوماه" برئاسة أوري أريئيل، ثم عادوا وائتلفوا معه في إطار حزب "البيت اليهودي"، عشية انتخابات للكنيست الـ 19 في يناير 2013، ولا يزال عضوا فيه. كان من مؤسسي مستوطنة "حيسبين" الدينية في هضبة الجولان المحتلة في العام 1978، ثم انتقل مع عائلته إلى مستوطنة "بيت إيل" في الضفة الغربية في العام 1983. عمل مديرا لمكتب الحاخام الرئيسي لإسرائيل، مردخاي بن إلياهو (1983 ـ 1987)، الذي عُرف بآرائه ومواقفه العنصرية المتطرفة، ثم أصبح مديرا عاما للمحاكم الحاخامية (الدينية اليهودية) في إسرائيل واشغل هذا المنصب طوال 21 عاما ـ من العام 1989 حتى العام 2010. ثم أشغل منصب مدير عام وزارة الأديان، ثم مدير "الحاخامية الرئيسية"، ثم رئيس مجلس إدارة "المركز القطري لتطوير الأماكن المقدسة" وعضو إدارة "صندوق تراث حائط المبكى" (حائط البراق).


انتخب بن دهان عضوًا للكنيست، للمرة الأولى، في الكنيست الـ 19 (كانون الثاني 2013) ممثلا عن حزب "تكوماه" في المكان الرابع في قائمة حزب "البيت اليهودي". وفي آذار 2013، عُيّن نائبا لوزير الأديان في الحكومة الإسرائيلية الـ 33، بينما كان زعيم حزبه، نفتالي بينيت، وزير الأديان بصورة رسمية، لكن بن دهان هو الذي تولى إدارة هذه الوزارة بصورة فعلية. وفي كانون الأول الأخير (2014)، عشية الانتخابات للكنيست الـ 20 (الحالي)، تنافس في الانتخابات التمهيدية الداخلية (برايميرز) في إطار حزب "البيت اليهودي"، وليس "تكوماه"، واحتل المكان الرابع في قائمة هذا الحزب الانتخابية.


يمثل بن دهان الأوساط الدينية المتشددة واليمين الاستيطاني المتطرف ويحمل آراء عنصرية واضحة ضد العرب عامة، والفلسطينيين خاصة. وقد عبر عن هذه الآراء والمواقف جهاراً في أكثر من مرة، كان أبرزها وأوقحها ما قاله إبان إشغاله منصبا حكوميا رسميا هو نائب وزير الأديان في الحكومة الإسرائيلية، يوم الأول من آب العام 2013، حيال استئناف المفاوضات السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين. ففي مقابلة إذاعية معه في محطة إذاعية إسرائيلية تدعى "راديوس"، قال بن دهان: "الفلسطينيون، في نظري، ليسوا آدميين، بل حيوانات آدمية/ بشرية"!! وأضاف، في المقابلة ذاتها: "الشعب الفلسطيني لم يتربّ على السلام... إنه لا يريد السلام"!! وفي "تفسير وتعليل"(!) موقفه هذا، قال: "ماذا يعلّمونهم في مخيمات الأطفال؟ ... عندنا يأخذون الأطفال إلى مراكز الألعاب. وماذا عندهم؟ ... أسلحة وتدريبات على الحرب"!!
وفي مقابلة أخرى معه في العام ذاته، أجراها الصحفي شالوم يروشالمي ونشرتها صحيفة "معاريف" يوم 27 كانون الثاني 2013، قال بن دهان إن "المفاوضات السياسية لن توصل إلى أي مكان"! وقال إنه يعتبر نفسه "من حماة الوجه اليهودي لهذه الدولة" و"أنا أحافظ على أن تكون هذه الدولة يهودية... أي شيء يتعارض مع القيم، الثقافة أو التقاليد لن يحظى بأية مشروعية قانونية"!


وردا على سؤال الصحافي حول موقفه من زواج المثليين جنسيا، قال بن دهان: "لا يمكننا قبول ما يتعارض مع اليهودية... مثلما أن اليهود لا يستطيعون الزواج من الأغيار"!! وحينما سأله الصحفي: "هل تساوي بين هذا وذاك؟"، أجاب قائلا: "نحن لا نعترف لا بهؤلاء ولا بأولئك. ومع ذلك، فإن لليهودي، دائما، روحا أكثر سموّاً من روح غير اليهودي، حتى لو كان (اليهودي) مثليّا جنسياً"!!

 

وفي مقاله المذكور آنفا، يقول يوسي ميلمان إن بن دهان كان قد صرح، في حديث معه شخصيا، بالقول: "لا آتي إلى هذا المنصب لحل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، بل إن مهمتي الأولى والأساسية، كما أراها، هي تحسين حياة المستوطنين اليهود اليومية وتطويرها وحل ما يعترضهم من مشاكل... فثمة مشاكل كثيرة جدا تواجههم ينبغي حلها"!


ويعلق ميلمان على هذا فيقول: "من أقوال بن دهان هذه يمكن أن نستنتج إنه لكي يستطيع تنفيذ مهمته كما يراها وكما وصفها، سيكون من الضروري، عمليا، تقسيم "الإدارة المدنية" إلى وحدتين اثنتين: واحدة تهتم بالفلسطينيين وأخرى بالمستوطنين. وإذا ما حصل هذا، حقا، فسيشكل تجسيدا جديدا آخر لسياسة الفصل والتمييز على خلفية الدين والقومية المتبعة في الضفة الغربية منذ عشرات السنين... وهي سياسة تدفع بإسرائيل نحو هاوية الأبارتهايد على الطراز الجنوب أفريقي"!

 

ويضيف ميلمان: "لا شك في أن بن دهان، عضو حزب البيت اليهودي، سيكون الممثل المخلص للمستوطنين والمنفذ لإرادتهم ورغباتهم، ذلك بأن رؤيته هي رؤيتهم، وهو جزء حي منهم. ويبدو أن مهمته المركزية الأولى ستكون شرعنة البؤر الاستيطانية غير القانونية... وفي سياق أوسع، يمكن القول إن نتنياهو يضع سياسة الأمن والخارجية الإسرائيلية، في الضفة الغربية على الأقل، بين يدي البيت اليهودي"!

الخميس, نوفمبر 15, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية