يشهد مجتمع اليهود الحريديم (المتشددون دينياً) تحولات عميقة في الأعوام الأخيرة، وخاصة في العقدين الماضيين. وتحديداً فإن مكانة ودور المرأة الحريدية يشهدان في الآونة الأخيرة تحولات يمكن اعتبارها جوهرية.

وتتمثل أبرز هذه التحولات في المحاور التالية:
أولاً، تعليم المرأة الحريدية واندماجها في التعليم الأكاديمي سواء في الكليات أو في الجامعات، حيث يتم تخصيص مسارات تعليم منفصلة للنساء المتدينات من المجتمع الحريدي، وذلك لتمكينهن من التعليم وتسيير مسارهن الأكاديمي.

ثانياً، خروج المرأة الحريدية إلى العمل في مهن أكاديمية وغير أكاديمية، وقد شمل ذلك انخراط المرأة الحريدية أيضاً في مجال الهايتك (التقنية العالية).

ثالثاً، صعود أصوات نسوية في المجتمع الحريدي تطالب بالانخراط في العمل السياسي، سواء في السياسة المحلية، أو في السياسة القطرية- البرلمانية، ومطالبة قسم منهن بالانخراط في قوائم الأحزاب الحريدية، فضلا عن انخراط بعضهن في الأحزاب الصهيونية غير المتدينة.

 معطيات أساسية

بداية لا بد من التنويه بأن هذا التقرير يعالج تحولات المرأة اليهودية المتدينة من المجتمع الحريدي، وليس المرأة اليهودية المتدينة من تيار الصهيونية الدينية، والتي قطعت مشواراً أطول في انخراطها في المجالات المذكورة آنفاً.

تشير أغلب التقديرات الإحصائية إلى أن اليهود الحريديم يشكلون حوالي 10% من مجمل سكان إسرائيل، وترتفع النسبة إذا اقتصرنا ذلك على المجتمع اليهودي فقط. ويتميز المجتمع الحريدي على اختلاف مجموعاته بتكريس الرجال لحياتهم في تعلم التوراة، بينما تساعد المرأة في توفير الدخل المادي، علاوة على ما يحصل عليه الطالب الحريدي من مخصصات حكومية ومساعدات من مؤسسات ومنظمات يهودية. وبحسب معطيات مكتب الإحصاء المركزي تصل نسبة الطلاق في المجتمع اليهودي إلى 26%، بينما تشير تقديرات إلى أن نسبة الطلاق في صفوف الحريديم لا تتجاوز 3%، مما يدل على تماسك الأسرة الحريدية أو على خضوع النساء في هذا المجتمع. وبموجب المعطيات التي أوردها مركز المعلومات والبحث التابع للكنيست، فإن عدد الحريديم من الفئة العمرية 25-64 عاماً تصل إلى حوالي 313 ألف نسمة، ويشكلون حوالي 7% من هذه الفئة العمرية من مجمل السكان في الدولة، في حين يصل عدد النساء الحريديات من نفس الشريحة العمرية إلى 152 ألف امرأة حريدية.

وتشير معطيات عرضت في الكنيست إلى أن 90% من النساء المتدينات من المجتمع الحريدي يكملن تعلميهن في مسارات مهنية بعد المرحلة الثانوية، كما تصل نسبة العاملات من النساء الحريديات إلى حوالي 75% وهي نسبة أعلى من نسبة العاملين في صفوف الرجال المتدينين من المجتمع الحريدي والتي تصل إلى 50% فقط. وتدرس 8000 امرأة حريدية في مسارات مهنية كل عام، وبحسب توقعات وزارة العمل الإسرائيلية فإن هذا الرقم سوف يتضاعف بـ16 مرة خلال سنوات قليلة، وأغلب النساء يتوجهن إلى العمل في مجالي التربية والتعليم والخدمات الاجتماعية، كما أن 700-800 امرأة حريدية يدرسن مجالات البرمجة.

وفي مجال الهايتك، أطلق المعهد الحريدي لأبحاث السياسات، بالتعاون مع مجموعة من شركات الهايتك، وشخصيات بارزة في هذا المجال من المجتمع الحريدي، في بداية العام 2019، منتدى كبار موظفي الهايتك، والذي يهدف للعمل على دمج الحريديم في صناعة الهايتك، وتحديدا دمج النساء في هذا المجال، حيث وضع المنتدى هدفا له بتأهيل 2500 امرأة حريدية كل عام في برامج تعليمية في مجال علوم الحاسوب لدمجهن في سوق العمل في الهايتك، وذلك لتحسين مكانتهن الاقتصادية من جهة، ومن جهة أخرى لسد النقص الحاصل في المجال والذي يحتاج إلى 15 ألف مهندس. وتشير المعطيات إلى أن نسبة الموظفين الحريديم في مجال الهايتك تصل إلى 3% فقط، أي ما يعادل 9100 موظف، 5200 منهم من النساء، و44% من النساء المتدينات اللاتي يعملن في هذا المجال يحصلن على راتب شهري أعلى من 10000 شيكل، وحوالي 25% منهن يحصلن على راتب شهري يقدر بين 8000-10000 شيكل.

جدول (1) انخراط الحريديم في سوق العمل

  رؤية الحكومة لنسبة التشغيل عام 2020 معدل المشاركة في العمل عام 2009 معدل المشاركة في العمل في الربع الثالث من عام 2018
السكان عموماً 76.3 70.7 78.2
رجال حريديم 63 40.2 47.8
نساء حريديات 63 59.1 75.5

في هذا السياق، استمرت التحولات في أنماط عمل المرأة الحريدية في الأعوام الأخيرة، والتي تدل على تعمق انخراطها في سوق العمل؛ حيث تراجعت نسبة النساء الحريديات اللاتي يعملن في مجال التربية والتعليم بحوالي 25% خلال السنوات 2001-2017، من 60% إلى 45%. وخلال هذه الفترة ارتفعت نسبة النساء الحريديات العاملات من 52% إلى 75%، وتساوت مع معدل العمل لدى النساء اليهوديات غير الحريديات. وهذا يدل على أن النساء الحريديات يتوجهن إلى مجالات عمل أخرى بالذات في الهندسة والتكنولوجيا والأعمال، حيث تشكل النساء الحريديات حوالي 10% من طلاب الهندسة، أي حوالي 2750 امرأة في 22 مسارا تعليميا.

يُشار إلى أن التحولات التعليمية في صفوف النساء الحريديات بدأت قبل المسار الأكاديمي، حيث تنهي أكثر من نصف النساء الحريديات شهادة التوجيهي الثانوية (البجروت)، بينما لم تتجاوز هذه النسبة 30% قبل عشرة أعوام.

جدول (2) تحولات في مشاركة المرأة الحريدية في سوق العمل

  لا يعملن  يعملن في مجال التعليم   مجالات أخرى
1979   58.1%  17.1%  24.8%
 2011  42.3%  34.7%  23%

تحديات المرأة الحريدية

هناك العديد من التفسيرات لهذه التحولات في دور ومكانة المرأة الحريدية. أولاً يجب التفريق بين دورها ومكانتها، فلا شك أن دور المرأة الحريدية كما تشير المعطيات أعلاه قد تقدم في مجال التعليم من المرحلة الثانوية إلى التعليم الأكاديمي، حيث تزداد أعداد النساء اللاتي ينخرطن في المؤسسات الأكاديمية ومسارات التعليم المهني المتنوعة. كما أن انخراطها في سوق العمل ازداد كماً ونوعاً، كماً من حيث تضاعف عددهن في سوق العمل، ونوعاً من حيث تعدد المجالات التي يعملن فيها، من التربية والتعليم مروراً بالهندسة وإدارة الأعمال وانتهاء بمجال صناعات الهايتك. ولا شك أيضاً أن المرأة الحريدية تقدمت في ذلك على الرجل الحريدي، ووصلت في معدل انخراطها في سوق العمل إلى مستوى معدل انخراط النساء اليهوديات غير الحريديات.

ولكن يبقى السؤال: هل غيّر هذا الدور من مكانة المرأة الحريدية في المجتمع الحريدي؟ للإجابة على هذا السؤال ربما لا بد من الإشارة بادئ ذي بدء إلى أن المجالين المهميّن الذي لم تحرز فيهما المرأة الحريدية تقدما ملموسا، هما المجال السياسي والمجال الديني. بالنسبة للمجال السياسي فإن الأحزاب الحريدية لا تزال ترفض إدراج نساء في قوائمها وفي هيئاتها القيادية العليا، وبالرغم من أن نساء حريديات حاولن كسر هذا الأمر، لا بل إن بعضهن توجه للمحكمة العليا لإلزام القوائم الحريدية بتخصيص أماكن للنساء، غير أن جهودهن باءت بالفشل، فضلا عن أن المحكمة قررت عدم التدخل في هذا الشأن. فظل المجال السياسي حكرا على الرجال. وعلى الرغم من أن بعض النساء الحريديات انخرطن في صفوف الأحزاب الصهيونية غير المتدينة، لا سيّما في تحالف "كحول لفان (أزرق أبيض)"، ولكن تم اعتبارهن متمردات على التقاليد في المجتمع الحريدي.

تجدر الإشارة أيضا إلى أن امرأة حريدية فازت في الانتخابات المحلية في مدينة بيت شيمش وهزمت مرشحين متدينين لأحزاب دينية، الأمر الذي اعتبر خطوة مهمة نحو انخراط النساء الحريديات في السياسة والحكم المحليين.

أما في المجال الديني، فما زالت المؤسسات الدينية حكرا على الرجال، الذين يشكلون السلطة الدينية الحصرية في المجتمع الحريدي، كما أن حضور المرأة في الحيز العام في المجتمع الحريدي محدود، فما زال هناك فصل للرجال عن النساء في المناسبات العامة، لا سيّما الترفيهية منها، وتجلس النساء في الصفوف المتأخرة في المواصلات العامة، ويُمنع تعليق صور النساء في الأحياء الحريدية. كما أن نسبة التكاثر الطبيعي عند المرأة الحريدية لا تزال مرتفعة، وهي من المعدلات العالية في العالم، لذلك فهموم الأسرة وتربية الأولاد لا تزال مهمة تقوم بها النساء، إضافة إلى التعليم والعمل، والاهتمام بشؤون البيت والزوج وتوفير دخل شهري للأسرة.

ما هو التفسير المنطقيّ لهذه التحولات؟

لعلّ التفسير الأساسي الذي يجب الانطلاق منه لفهم هذه التحولات الكبيرة الآخذة بالتعمق أفقياً وعمودياً، هو أن هناك موافقة من طرف الرجل عليها. أي أن المجتمع الحريدي، بما يحمل من بنى اجتماعية، وتقاليد دينية، وسلطة ثيولوجية مطلقة، منح مشروعية لهذه التحولات، بمعنى أنه سمح للمرأة بالانخراط في التعليم العالي وسوق العمل، بداية في مجالات عمل داخل المجموعة، مثل التعليم والخدمات الاجتماعية والرفاه، ثم سرعان ما وسّع حدود عملها لتشمل مجالات عمل خارج المجموعة الحريدية، مثل الصناعات المختلفة وإدارة الأعمال والهايتك. وتنبع هذه المشروعية من احتياجات مستجدّة طرأت على المجتمع الحريدي، منها احتياجات اقتصادية في أعقاب تقليص مخصصات الأولاد وخدمات أخرى، مما استدعى خروج النساء إلى العمل للتعويض عن ذلك، ومنها احتياجات مجتمعية تتعلق بتوسع التعليم والخدمات الاجتماعية في المجتمع الحريدي مما استلزم إنتاج قوى عاملة من داخل المجموعة، وبما أن الرجال يكرسون حياتهم لدراسة التوراة في المدارس الدينية، فقد أنيطت هذه المهام بالنساء.

أما السبب الثاني فيعود إلى تحولات متعلقة باندماج الحريديم في التجربة الإسرائيلية، فالأسرلة ضربت جذوراً لها في هذا المجتمع، بالرغم من انكفائه في الغالب عن المجتمع اليهودي العام. صحيح أن الأسرلة لم تزعزع هوية الحريديم ولكنها غيّرت نظرتهم إلى مفهوم الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، نحو القدرة على الاندماج ولو جزئياً مع الحفاظ على هويتهم الدينية وخصوصيتهم الثقافية. فكانت المعادلة عند المجتمع الأبوي- الديني هو دمج النساء في سوق العمل، في حين يحافظ الرجال على هوية المجتمع ومكانة النساء معاً، من خلال حصر حضورهن في التعليم والعمل.

أما السبب الثالث فيعود على ما يبدو إلى ضغوط المجتمع اليهودي غير المتدين، الذي لا ينفكّ يطالب الحريديم بالاندماج أكثر في الحياة الإسرائيلية، لا سيّما في التعليم والعمل والخدمة الإلزامية في الجيش، حيث أن المؤشرات الاقتصادية تشير إلى أن اندماج الحريديم في سوق العمل سوف يعزّز مكانتهم الاقتصادية من جهة، ويؤدي الى استمرار نمو الاقتصاد الإسرائيلي من جهة أخرى.

 

التقارير الخاصة تصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى التقارير لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, يناير 29, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية