أعادت العملية العسكرية الإسرائيلية التي قام بها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة الأسبوع الماضي وأطلق عليها اسم "الحزام الأسود" قضية القطاع وما قد ينتظرها من تطورات سواء في المدى القريب أو المدى البعيد إلى صدارة جدول الأعمال الإسرائيلي.

ووفقاً للمحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل، تم تحديد أهداف هذه العملية من طرف الجيش الإسرائيلي كما يلي: توجيه ضربة قاسية إلى حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وإيجاد شرخ بين هذه الحركة وحركة "حماس" التي تحكم القطاع منذ العام 2007 (وذلك عبر امتناع "حماس" عن المشاركة في إطلاق النار)، والسعي الى انهاء سريع للقتال من خلال "تشكيل واقع أمني جديد في الطريق الى تسوية بعيدة المدى".

وخلصت التحليلات الإسرائيلية التي تناولت العملية بالقراءة والاستشراف إلى عدة استنتاجات، كان أبرزها الاستنتاجان التاليان:

أولاً، أنها انطوت على رسالة تتجاوز الجهة التي استهدفتها، والمقصود حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، والتي تحدّدت العملية باغتيال قائد اللواء الشمالي في جناحها العسكري- سرايا القدس- بهاء أبو العطا الذي تحمله إسرائيل المسؤولية عن عدة هجمات صاروخية في اتجاه الأراضي الإسرائيلية؛ أما العنوان الأبعد لهذه الرسالة فهو إيران باعتبار الحركة مرتبطة بها على نحو وثيق، بموجب جلّ القراءات الإسرائيلية.

ثانياً، أن توقيت العملية جاء أيضاً ليخدم الأجندة الشخصية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو المحددة باستمرار بقائه في منصب رئيس الحكومة بغية مواجهة احتمال تقديم لوائح اتهام ضده بشبهات فساد، وذلك عبر محاولة استقطاب تحالف "أزرق أبيض" لتأليف حكومة وحدة وطنية من ناحية، وقطع الطريق على احتمال إقامة حكومة أقلية بزعامة التحالف المذكور تحظى بدعم الأحزاب العربية من خارج الائتلاف الحكومي من ناحية أخرى.

رسالة إلى إيران

أشار اللواء احتياط عاموس غلعاد، الرئيس السابق للقسم السياسي- الأمني في وزارة الدفاع الإسرائيلية، إلى أن عناصر الجهاد الإسلامي هم أشخاص قرروا تصعيد "الإرهاب" ضد إسرائيل وهم مرتبطون بحبل سرتهم بإيران. وبرأيه فإن الفارق بينهم وبين "حماس" هو أنه ليست لديهم أي مسؤولية سلطوية لا على الجمهور ولا على الأرض ("يديعوت أحرونوت"، 13/11/2019). ويؤكد اللواء احتيط عاموس يدلين، رئيس "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، أنه تحوم فوق الأحداث في القطاع، مثلما في كل ساحة أخرى حول إسرائيل، السحابة الإيرانية. وحتى لو لم تكن إيران مشاركة تكتيكياً في قرار حركة الجهاد الإسلامي في الأشهر الأخيرة ممارسة القوة ضد إسرائيل، فإن المقدرات التي استثمرتها في تنظيم هذه الحركة على مدى الزمن هي التي تسمح لها اليوم بأن تهدد سكان إسرائيل حتى مدى 80 كيلومتراً من قطاع غزة. ولهذا السبب أيضاً استغل الجيش الإسرائيلي الفرصة لتوجيه ضربة كبيرة إلى قدرات الجهاد وتعاظم قوتها، كرسالة واضحة إلى طهران ("يديعوت أحرونوت"، 14/11/2019).

هنا لا بُدّ من الإشارة إلى أن عدة تحليلات إسرائيلية أخرى لمحت، مثلها مثل تحليل يدلين، إلى أن أبو العطا لم يكن ذراعاً لإيران فقط. وفي هذا الشأن جاء في ورقة "تقدير موقف" صادرة عن "معهد السياسة والاستراتيجيا" في مركز هرتسليا متعدد المجالات (13/11/2019) أنه غالباً ما تُصوَّر حركة الجهاد الإسلامي كأنها "ألعوبة" إيرانية في القطاع، نظراً إلى حصولها على مساعدة من إيران في التمويل والمعلومات والتدريب العسكري، بحجم أكبر من المساعدة التي تحظى بها "حماس" من طهران. ومع ذلك، أثبتت أحداث العام الأخير مرة أُخرى أن دوافع الجهاد الإسلامي لها علاقة باعتبارات تتعلق بغزة ومكانة الحركة وتأثيرها في القطاع (في مواجهة "حماس"، ومصر وإسرائيل، وحصتها من فوائد التهدئة، ومبادرات محلية لناشطيها.. إلخ). وحوادث الاحتكاكات المباشرة بين إسرائيل وإيران، وخصوصاً إحباط هجوم بالمسيّرات في سورية في آب الماضي، ولم تتحرك الجهاد الإسلامي خلالها، تؤكد "أنه لا يوجد في طهران زر يمكن أن تضغط عليه لتشغيل الحركة ضد إسرائيل".

ويؤكد عاموس هرئيل ("هآرتس"، 15/11/2019) أنه فيما يتعلق بمستوى علاقات أبو العطا مع قيادة الجهاد في دمشق ومن خلالها مع إيران فقد سمع تقديرات متناقضة من الجهات الأمنية الإسرائيلية المعنية. وأضاف أنه من جهة حافظ أبو العطا على الاستقلالية ورفض أن يوافق على سلطة فوقه، وأحياناً اتخذ خطوات كانت مخالفة للتوقعات في دمشق وطهران. ومن جهة أخرى فإن الرواتب والمواد الخام والوسائل القتالية وصلت في معظمها الى القطاع من الخارج. ولكن هذا المحلل شدّد على أن أبو العطا اعتبر في إسرائيل عقبة أمام تسوية بعيدة المدى في القطاع، ولذا تقرر اغتياله. ومنذ ذلك الحين انتظروا في الأجهزة الأمنية حدوث تقاطع بين نافذتين للفرص: الأولى تتعلق بانخفاض ما في التهديد الفوري لعملية انتقام إيرانية ضد إسرائيل. والثانية مرتبطة باحتمال اغتياله في الوقت الذي لا يكون فيه مُحاطاً بحزام بشري مكثف حوله. وبرأي هرئيل جاءت النافذة الأولى في الأسبوع الماضي بسبب انشغال إيران المتزايد بالاضطرابات الجماهيرية في العراق ولبنان، والتي تهدد بضعضعة سلطة الحكومتين المقربتين من طهران. وفتح أبو العطا النافذة الثانية التي منها جاء الصاروخ الذي قتله، بعد أن نام في شقة سرية مع زوجته. وأشار هرئيل إلى أنهم قرروا في إسرائيل أن إمكانية موت مواطنة واحدة فقط والقدرة على تصفية قائد بارز في سرايا القدس من دون هدم مبنى كامل تبرران المصادقة على عملية التصفية.

التوقيت

ذكر هرئيل أن أيام التصعيد في غزة عقب اغتيال أبو العطا وضعت التطورات السياسية المرتبطة بتأليف حكومة جديدة في الظل، لكن لا يمكن فصل العلاقة بين المجالين. وأضاف أنه طوال فترة التصعيد في الجنوب بدا أن نتنياهو لا يصرف انتباهه عن الهدف الآخر الماثل أمامه وهو ضعضعة إمكانية تظهر احتمالاتها ضعيفة أصلاً وهي أن يقوم عضو الكنيست بيني غانتس وتحالف "أزرق أبيض" بتشكيل حكومة أقلية بدعم من القائمة المشتركة. ولفت إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه الصواريخ لا تزال تحلّق في سماء سديروت وعسقلان كلّف رئيس الحكومة نفسه وعقد جلسة خاصة للكنيست بعد أن أنهى زيارة مشتركة مع وزير دفاعه الجديد نفتالي بينيت ورئيس هيئة الأركان العامة الجنرال أفيف كوخافي الى فرقة غزة، وسرعان ما تبينت القيمة المضافة من ناحيته. وهاجم نتنياهو في خطابه أعضاء الكنيست العرب واتهمهم بشكل مباشر بـ"جرائم حرب" الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة. والرسالة ذاتها يكررها المتحدثون بلسانه والمتملقون له في الشبكات الاجتماعية منذ بضعة أيام ومؤداها أن جميع أعضاء الكنيست العرب هم مؤيدون لـ "الإرهاب"، ولذلك حتى دعمهم من الخارج لائتلاف برئاسة "أزرق أبيض" سيكون مرفوضاً وممنوعاً.

في المقابل شكّك المحلل العسكري رون بن يشاي في احتمال وجود دوافع سياسية- انتخابية من وراء تحديد توقيت عملية اغتيال أبو العطا. وكتب يقول: "بحسب معلوماتي، فإن المبادرة إلى العملية والإلحاح في تنفيذها جاء من المستويين العسكري والاستخباراتي. فالمسؤولون في هذين المستويين، أي رئيس هيئة الأركان ورئيس جهاز الشاباك ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، منعوا تنفيذ العملية خلال فترة المعركة الانتخابية السابقة، حينما كان نتنياهو يخطب في أشدود وحاول أبو العطا منعه، وعندما كان الخطر الشمالي من إيران شديداً، وهم الذين ألحّوا على التنفيذ في النقطة الزمنية الحالية عندما أصبح الخطر الإيراني أقل مباشرة، وعندما استُكملت عملية جمع المعلومات الاستخباراتية لعملية الاغتيال وسمحت بتنفيذ دقيق من دون ضرر اعتباطي" (موقع واينت، 14/11/2019).

ومع ذلك يتفق كل من هرئيل وبن يشاي وسائر المحللين العسكريين على أن نتائج هذه الجولة من التصعيد انطوت على نجاح نسبي بالنسبة إلى إسرائيل، ولا سيما في مجالين: الأول، تحييد حركة "حماس"؛ الثاني، إثبات نجاعة منظومة الدفاع الجوية.

وهذا ما شدّد عليه الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي هدي زيلبرمان الذي قال في مؤتمر صحافي عقده يوم 13/11/2019 إنه حتى الآن لم تنضم حركة "حماس" إلى القتال، وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي حريص على إبقاء هذه الحركة خارج المعركة، وذلك من خلال تجنب مهاجمة مواقعها ومحاولة الحد من أي أضرار جانبية من شأنها أن تجبر "حماس" على الرد.

وقال زيلبرمان: "نحن لا نهاجم ’حماس’، وأهداف الجهاد الإسلامي التي نقصفها ليست في وسط مدينة غزة، لأننا ندرك أننا نسير على حبل مشدود. ولدينا المئات من الأهداف الأُخرى التي يمكننا مهاجمتها".

وبحسب هرئيل، بخلاف الجولات السابقة كان بإمكان إسرائيل أن تلخص الأحداث كنجاح نسبي، حتى لو كان الثناء الذي يوزعونه الآن على الجيش يبدو مبالغاً فيه (بالأساس يتجاهلون أن حركة الجهاد هي "العدو الأصغر" في القطاع). وبرأيه فإن الشريك الرئيس للجيش في هذه النتيجة هو حركة "حماس" التي قررت، لاعتباراتها الخاصة، عدم الانضمام، هذه المرة، الى المعركة ضد إسرائيل. وهذه الخطوة من طرف "حماس" بأنها اختارت عدم إطلاق أي صاروخ حتى بعد قتل 34 فلسطينياً في هجمات سلاح الجو الإسرائيلي، فريدة ومهمة، ويبدو أنها تعكس انعطافة استراتيجية لقيادة الحركة في القطاع، وأنها معنية بالتقدم نحو وقف طويل المدى لإطلاق النار مع إسرائيل.

أما بن يشاي فيرى أن النجاح في منع تدخّل "حماس" في القتال، على الرغم من الضغوط الهائلة التي مورست على الحركة من داخل القطاع وخارجه، يُعدّ إنجازاً يستطيع جهاز الشاباك والجيش بالتأكيد أن يقولا إنهما هما من حققاه بسبب استخدام سياسة النار الانتقائية التي ركزت فقط على القوة القتالية للجهاد الإسلامي وعلى بناه التحتية، وامتنعت، بحرص كبير، عن إلحاق الأذى بالمدنيين الذين لا علاقة لهم.

كما رأى هذا المحللان أنه ثبت في عملية "الحزام الأسود" أن منظومة الدفاع الجوية تتحسن من دون توقف. والدليل على ذلك معدلات النجاح في اعتراض الصواريخ الذي وصل إلى نسبة 93 بالمئة.

ولكن كليهما أكدا في الوقت نفسه أنه يجب وضع الأمور في حجمها وأن الطرف الذي دخلت إسرائيل في مواجهة معه هو فصيل فلسطيني صغير نسبياً، لا يمكن مقارنة قدراته العسكرية بتلك الموجودة لدى "حماس" وحزب الله.

 ماذا بعد "الحزام الأسود"؟

بالرغم من هذا كله رأت صحيفة "هآرتس" في سياق افتتاحيتها يوم 14/11/2019 أن عملية "الحزام الأسود" برهنت على تحوّل قطاع غزة إلى غلاف لإسرائيل لا أقل من تحوّل إسرائيل إلى غلاف للقطاع.

ومضت قائلة: "اضطر كثيرون من سكان إسرائيل إلى التوقف عن الدراسة والعمل وخافوا من الإصابة بالصواريخ، كما أنهم تخوفوا أيضاً من مشاركة ’حماس’ في المواجهة مع الجهاد الإسلامي، ومن تحوُّل المواجهة إلى حرب شاملة بين غزة وإسرائيل. وهذا الخطر لا يزال قائماً. ويوجد بين إسرائيل وقطاع غزة توازن ردع هش، وأي خرق له يمكن أن يتطور إلى حرب مستمرة وغير مجدية".

وتطرقت الصحيفة إلى سياسة الاغتيالات الموضعية التي عادت إسرائيل إلى استخدامها عبر اغتيال القيادي في الجهاد الإسلامي بعد أن امتنعت عنها فترة طويلة، فقالت: لقد أثبت الشاباك والجيش فعلاً قدرة مدهشة على تحديد مكان أبو العطا وزوجته واغتياله في عملية وُصفت بـ"الجراحية"، ولكن الثمن الاقتصادي والمعنوي المرتفع لها يفوق كثيراً مسألة الجدوى من هذه الاغتيالات.

كما أشار عاموس يدلين إلى أنه في الأعوام الأخيرة ثمة تشوّش في الساحات المختلفة التي تتصدى فيها إسرائيل لأعدائها بين حدث ذي مغزى استراتيجي وحدث تكتيكي. وأكد أنه في الرؤية الاستراتيجية لا يدور الحديث في حالة تصفية أبو العطا حول تغيير جوهري للوضع الأساس في غزة. وبرأيه فإن المنظمات في القطاع لا تزال تواصل تشكيل تهديد عسكري ذي مغزى على نمط الحياة في إسرائيل وعلى أمن سكانها، واستمرار تعاظم قوة هذه المنظمات سيستوجب في نهاية اليوم معركة عسكرية وسياسية واسعة أكثر بكثير مما تقوم به الحكومة الإسرائيلية اليوم.

وخلص يدلين إلى أن الجولة الحالية ليست معركة استراتيجية. وبناء على ذلك فإن مسألة قطاع غزة بشكل خاص ومسألة الحرب التي يخوضها وكلاء إيران من كل جهات إسرائيل بشكل عام، ستكونان مطروحتين على طاولة حكومة إسرائيل الجديدة، بغض النظر عمن يشكلها.

ولخّص عاموس هرئيل المسألة بقوله: عملياً غزة لا تنفك بمثابة عقدة لا يعرف نتنياهو ولا خصومه في "أزرق أبيض" كيفية حلّها، وذلك على الرغم من الأقوال البليغة التي تسمعها المعسكرات السياسية المتخاصمة من حين لآخر.

 

التقارير الخاصة تصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى التقارير لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

السبت, ديسمبر 07, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية