لم يتوقف الإعلام الإسرائيلي بصفحاته وأقسامه الثقافة بما يكفي أمام عرض الأعمال العربية المسروقة في تل أبيب، بالرغم من إرادة أصحابها. بل إن أحد النقّاد في صحيفة "هآرتس"، التي تملك صوتاً رزيناً مختلفاً عن سائر الإعلام المهيمن، ركّز في مقالة تناولت المعرض "القرصاني" على السبل البديلة الكفيلة بعرض الأعمال كفعل لاسلطوي بدلا من الظهور بمظهر السارق. وقدّم الناقد بعض النصائح كي تكون السرقة متماهية مع الفعل الفني الذي يتجاوز الحدود والمعايير. وهو نفسه لا يدرك أنه يتحدث من داخل حيّز الهيمنة.

لكن عدداً قليلا من المواقع والمجلات الفنية المستقلة خرج بمواقف واضحة تدين فعل السرقة ومحاولة الاستعراض بأن ما حدث هو إقدام على فعل سياسي راديكالي. ولعل أحد أبرز الردود كان للمجلة الفنية الإلكترونية "توهو"، التي نشرت مقالا وقعته هيئة تحريرها قالت فيه إن "فنون عربية مسروقة" هو "معرض ملوث بالفظاظة، الجهل، السّخف والخداع. ومنظموه يدوسون بجلافة إرادة الفنانين المعروضين بعدم عرض أعمالهم في إسرائيل" وأكدت أن "عضوات وأعضاء هيئة تحرير توهو يرفعون صوتهم ضد هذه الفعلة الانتهازية التي تجري تحت قناع التنوّر والحوار".

محاولة سابقة لفرض عرض أعمال لفنانين عرب بالرغم من إرادتهم

المجلة الفنية المستقلة التي تستقر في تل أبيب وتصدر بثلاث لغات: العبرية، العربية والانجليزية كتبت: نشهد في السنوات الأخيرة ظاهرة: أشخاص ينشطون في حقل الفن وسط دوس حقوق فنانين ومواطنين، تحت قناع التنور والحوار. نحن ندعو أفراد المجتمع الفني في إسرائيل إلى عدم التعاون مع مثل هذه الأفعال. ونجد أنفسنا ملزَمات بتناول هذه الظاهرة مرة أخرى اليوم، في ضوء معرض "فنون عربية مسروقة"، الذي افتتح مؤخرا في "مركز الفن والسياسة".

المجلة تستعيد محاولة سابقة لفرض عرض أعمال لفنانين عرب دون موافقتهم بل بالرغم منهم، فتكتب: "قبل سنة واحدة فقط افتُتح البينالي المتوسطي الثالث في سخنين. هناك أيضاً سعى القيّمون إلى عرض أعمال لفنانين من العالم العربي، بدون علمهم ولا موافقتهم، انطلاقا من رؤية مفادها أن مثل هذا العرض لا يشكل إمكانية واردة لفنانين كثُر، سواء بسبب الظروف السياسية في مكان سكناهم، أو بسبب النظام الإسرائيلي المحتل والقمعي، أو بسبب قيَم المجتمعات التي ينتمون اليها. هناك أيضا حاول المنظمون استخدام حملة الـBDS (المقاطعة الاقتصادية والثقافية الدولية لإسرائيل) لغرض إنتاج علاقات عامة للمعرض، فعرضوا أنفسهم كضحية لوضعية عشوائية ليست متعلقة بهم، وبرروا أفعالهم بنواياهم الحسنة. يومها أيضاً ثارت معارضة جماهيرية حادة وغضب شديد على هذه الفعلة الحقيرة".

وفي مقارنة مع المعرض قيد البحث، تقول افتتاحية التحرير: "لكن هناك (في بينالي سخنين) على الأقل لم يفاخر المنظمون بفعلة السرقة وعرضها كخطوة ثورية ولا بالتجاهل الفظ لإرادة الفنانين كفعل "تعزيز واقع من التعاون والحوار في الشرق الأوسط، واقع بدون حروب واحتلال، عالم بدون حدود"، على حد قول منظمي معرض "فنون عربية مسروقة". في حالة سخنين تم استعارة الأعمال من مجموعة FRAC وتم إنزالها حين طلبت المجموعة الفرنسية ذلك، وفي ضوء طلب الفنانين إلغاء الإعارة حين علموا بعرض اعمالهم في إسرائيل خلافا لإرادتهم وبدون علمهم. بل إن أحد الفنانين ذهب إلى حد الادلاء بمقابلة لصحيفة "هآرتس" شرح فيها الأضرار التي قد يتعرض لها نتيجة لهذا التلاعب بالعقول. يومها كتبنا، وكتب كثيرون آخرون، حول الأضرار الممكنة التي قد تلحق نتيجة هذه الفعلة بفنانين ومبدعين وكذلك بنشاطات رفض، بحوارات، بأشكال تعاون، وبإمكانيات تضامن أساسي، قائمة على مستويات جماهيرية مختلفة، وأكدنا على واجب المجتمع الثقافي بالتنصل من هذه الفعلة الخطيرة وبإدانتها".

"بماذا يختلف موقف منظمي المعرض عن موقف حكومة اليمين في إسرائيل؟"

المجلة توقفت أيضاً عند محاولة منظمي معرض "فنون عربية مسروقة" عرض أنفسهم كمن يحملون رسالة راديكالية، وتقول عنهم: "يبدو أن منظمي المعرض في تل أبيب لم يتعلموا شيئاً من ذلك. واعتقدوا أن مجرد وعيهم المشكلة (فعلا – توزّع في المعرض أوراق تشمل الحقوق الفكرية وقائمة مراجع حول الحيّز العام) والإعلان عن ذلك، لا يعفيهم من المسؤولية فحسب، بل يضيف طبقة من الراديكالية المزعومة لأفعال الخداع والنصب المهينة التي أقدموا عليها. بدلا من إنزال الأعمال واصلوا المحاججة وكأنهم محامون أنه "اخترنا عدم نشر أسماء الفنّانين لعلمنا بعدم رغبتهم بعرض أعمالهم في إسرائيل كجزء من المقاطعة الثقافية العربية والعالمية لدولة ‏إسرائيل، وكي لا نفرض عليهم تعاوناً لا يرغبون به، وبهدف عدم تعريضهم لسيف الانتقاد واتهامات الخيانة‎."‎ فعلا بوسع الفن إنتاج وتطوير حوار، ولكن ليس بواسطة فعل اغتصاب، حتى لو أرفقت به اقتباسات لفوضويين من العام 1840 ودعوة إلى "حوار مفتوح" (المنظمون هم من يحددوا قواعده). إن من يمارس الاحتلال يسرق ثم يأمر ضحية الاحتلال بالتكلّم. عملياً، النقاشات من النوع الذي يذهب اليه المعرض تجري طوال الوقت، من دون حاجة للفرض والإكراه، الخداع والترويج الشخصي العدواني".

إن مثل هذه الأفعال التي قام بها البينالي في سخنين والمعرض في فضاء العرض الجديد في جنوب تل أبيب "تدوس بفظاظة جلفة إرادة الفنانين المعروضين بعدم عرض أعمالهم في إسرائيل، انطلاقا من موقف يطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ويعارض التطبيع الذي يتعاطى مع الطرفين كمتساوي المسؤولية ومع الاحتلال كـ"صراع". هذا ليس فعلا عنيفا فقط بل ينطوي على جهل، سخافة وخداع" تؤكد مجلة "توهو" وتتعاطى مباشرة مع الجذور السياسية لهذا المسلك إذ تكتب: "فوق كل شيء، يبدو أنه يتغذى من المزاج السياسي السائد في دولة إسرائيل والذي لا يمكن فصله عن السياسة الإسرائيلية العنيفة، العنصرية، الاستغلالية والمحتلة، والتي يمكن ملاحظة آثارها على امتداد الطيف السياسي كله تقريبا، وفي كل نقطة من الحيز العام. إلى ذلك يجب أن يُنسب الاستعراض الذاتي المستهجن، إن لم نقل المعيب، للمنظمين وكأنهم ضحايا الوضع السائد، وليس أنهم يقومون بفعل سرقة ودوس غير أخلاقي بحكم مكانة القوة والاستعلاء. ولا يهم كم سيقومون بقفزات أكروباتيكية، وما اذا كان المعرض يقع في سخنين أو في شارع هشارون في تل أبيب. ويجب أن ننسب إلى ذلك المزاج السائد ذاته، محاولة استملاك كل رد فعل على الحدث (بما يشمل هذا الرد طبعا) وكأنه ناتج ايجابي للحدث نفسه، ولم يكن ليتم لولاه. إن رد الفعل المستعلي والمستخف ومكمّم الأفواه من قبل المنظمين على أقوال الفنانة والممثلة رائدة أدون خلال حفل افتتاح المعرض، شكل بالضبط مثالا دقيقا لما يقف خلف تلك "النوايا الحسنة" التي يتشدقون بها. من المهم التأكيد: كي تكون فنانا أو قيّماً لا يكفي أن تعلن هذا عن نفسك. هناك حاجة لأن يتم قبولك بهذه الصفة. ونحن نرفض. نحن نراكم على حقيقتكم: فلاسفة مزعومون ومنظرّون مزيفون، وشخوص إعلام وعلاقات عامة تفتقرون إلى عمود فقري أخلاقي. ما الذي يتبقى من "الفن والسياسة" إذا كانت النتيجة استخداما انتهازياً للفن؟ بماذا يختلف موقف منظمي المعرض، الذين يدّعون اليسار الجديد، عن موقف حكومة اليمين في إسرائيل؟".

 

الثلاثاء, مارس 19, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية