ثمة حقيقتان تؤثران سلباً على تحصيل الطلاب العرب في إسرائيل، الأولى تمييز منهجي ومفصّل بالمعطيات في تخصيص الميزانيات لمدارسهم، والثانية تأثير المكانة الاقتصادية على التحصيل، وهذه مسألة لا يمكن تجاوزها بأي طريق التفافيّ.

 

وقد كتب ليئور ديتل في صحيفة "ذي ماركر" أواسط آب الجاري انه في فترة ولاية وزراء التعليم جدعون ساعر، شاي بيرون ونفتالي بيينت بين الأعوام 2012- 2016 دفعت وزارة التعليم الميزانية المخصصة للطلاب في المدارس الثانوية الدينية بأعلى نسبة من بين سائر قطاعات التعليم، فوصلت الذروة حتى 33 ألف شيكل للطالب الواحد سنويا.

وهذا المبلغ هو أكثر من 22% من الميزانية المخصصة لطلاب المدارس الثانوية الرسمية، وأكبر بـ 67% من الميزانية المخصصة لطلاب المدارس الثانوية العربية.

هذه المعلومات مصدرها وزارة التعليم نفسها. ففي هذه الأعوام ارتفعت ميزانية وزارة التعليم بمليارات الشواكل. وقد دل تحليل معطيات الوزارة على كيفية توزيع إضافات الميزانية. وتم في السابق كشف انعدام المساواة في ميزانيات المدارس الثانوية عام 2013 من خلال تحقيق صحافي أجرته الصحيفة نفسها، وعلى الرغم من ذلك ما زالت الفجوات تتسع بشكل ملموس سنويا وبما فيها سنة 2016 التي تتوفر بخصوصها معطيات عن الموضوع نفسه. مع ذلك فإن وزارة التعليم بدأت للمرة الاولى بفحص امكانية تطبيق برنامج تفضيل تصحيحي للميزانيات في المدارس الثانوية. وفي حال تم تطبيق هذه الخطة فسوف يمكن ان تتقلص في السنوات القريبة القادمة بالتدريج فجوات تخصيص الميزانيات. وعلى سبيل المقارنة فقد نجحت خطة مشابهة تطبق في المدارس الابتدائية والاعدادية منذ العام 2014 بتقليص قسم من الفجوات. وحتى اليوم تم استثمار نحو 600 مليون شيكل في اطار الخطة المطبقة في المدارس المذكورة من اصل نحو مليار و200 مليون شيكل. وتم من خلالها نقل ميزانيات مرتفعة أكثر للطلاب من خلفية اقتصادية ضعيفة.

وهكذا تشكل عمليا ما يمكن اعتباره اعترافا متأخرا بالنقد الذي أكد دائما على أن الفجوات تعود إلى اسباب اقتصادية والعلاجات يجب ان تتم بإلغاء الفجوات التحصيلية والتدريسية بواسطة معالجة اصول المشكلة، وليس الاكتفاء بالحديث عن القدرات الفردية فقط للطلاب ما يعني بالضرورة النظر إلى مكانتهم الاقتصادية الاجتماعية، والانتماء الذي يحدد في كثير من الاحيان ان لم يكن في معظمها مصير الطالب التحصيلي في المدرسة نفسها، ولاحقا الإمكانيات المتاحة أمامهم سواء في التعليم العالي او في سوق العمل، سواء من حيث نوع العمل، مكانته والنظرة المجتمعية إليه.

رفع الميزانية المخصصة لكل طالب ثانوي في مدرسة دينية كان الأعلى!

وتفصل الصحيفة كالتالي: في العام 2012 لوحظ وجود فجوات بين طلاب المدارس الثانوية في جهاز التعليم. منذ ذلك الحين فان الميزانية التي خصصت لكل طالب ثانوي في مدرسة دينية والتي كانت اصلا ميزانيات عالية نسبيا ارتفعت بنسبة 27% أكثر من سائر القطاعات في جهاز التعليم. وهكذا فان فجوات تخصيص الميزانيات ارتفعت أكثر بشكل جدي. وفي الفترة نفسها كانت الميزانية المخصصة بالمعدل لطلاب المدارس الثانوية في جهاز التعليم الرسمي قد ارتفعت بنسبة 19% فقط بما يعادل 27 ألف شيكل سنويا للطالب. بينما الميزانية المخصصة بالمعدل لطالب المدرسة الثانوية العربي ارتفعت في الفترة نفسها بنسبة مشابهة حوالي 20% وهي تصل اليوم لقرابة 21 ألف شيكل سنويا. ويتلقى طلاب المدارس الثانوية العرب الميزانية الأكثر انخفاضا في جهاز التعليم العام اليوم. وطلاب المدارس الثانوية الحريدية لا يتعلمون في جهاز التعليم العام لكن يتم تخصيص نحو 20 ألف شيكل سنويا كميزانية للفرد في المعدل.

إن فجوات التحصيل العلمي في جهاز التعليم في إسرائيل هي الأكبر في العالم الذي يعرف كمتطور، ومن اعلى الفجوات في دول تم فحصها في اطار امتحانات بيزا (هو امتحان دولي يفحص تحصيل الطلاب أبناء الخامسة عشرة في ثلاثة مجالات: القراءة في لغة الأم، الرياضيات والعلوم). فطريقة تخصيص الميزانيات في وزارة التعليم تشكل احد العوامل المركزية في نشوء تلك الفجوات. ان فجوات التعليم في إسرائيل من شأنها تكريس وتعزيز التقاطب في المجتمع، بين من يندمجون في الاقتصاد والعمل العصري وبين من يخرجون من جهاز التعليم من دون الأدوات المطلوبة لذلك. وهذا الوضع يشير إلى عدم تشجيع الحوارات والانخراط الاجتماعيين من قبل وزارة التعليم. هذه الفجوات تبرز بشكل خاص على خلفية الوضع الاقتصادي للطلاب العرب اذ ان غالبيتهم من خلفية اقتصادية منخفضة جدا، وفقا لمؤشر يعرف بمؤشر الرعاية والتطور في وزارة التعليم بالمدارس، والذي يفحص الخلفية الاجتماعية الاقتصادية بالمعدل للطلاب في مؤسسة التعليم وفقا للتحصيل العلمي للأهل ومدخولهم، ويأخذ بالاعتبار ايضا المنطقة التي تقع فيها المدرسة. وهي نسبة متدنية قياسا بالطلاب اليهود عموما.
هناك نحو 40% من طلاب المدارس الثانوية اليهود يأتون من خلفية اقتصادية متينة بشكل خاص (العنقود الخامس بين خمسة عناقيد تتدرج من الأفقر في الأسفل حتى الأغنى في الأعلى). مقابل هذا فان 1% فقط من طلاب المدارس الثانوية العربية يأتون من خلفية اقتصادية مشابهة، بينما 65% منهم يأتون من الخلفية الاقتصادية الاضعف (العنقود الأكثر انخفاضا من بين خمسة عناقيد). وطريقة تخصيص الميزانيات في وزارة التعليم في المدارس الثانوية تمس بالطلاب الأكثر اضعافا في المجتمع ولا تمكنهم من احراز التقدم. وفقا لوزارة التعليم فقد خصصت منذ العام 2014 ساعات تعليم اضافية للمدارس الثانوية الدينية لأجل الصلوات وميزانية لتعيين حاخامين للمدارس وهكذا ارتفعت الميزانية المخصصة لهم بـ 40 مليون شيكل سنويا.

وكلما كانت الميزانية التي تحولها وزارة التعليم لكل طالب في المدارس الثانوية اعلى، هكذا يمكن ان يتم تعليمهم ساعات أكثر او بواسطة معلمين ذوي اقدمية أكبر وتحصيل اعلى، واقتراح مسارات تعليمية مرموقة أكثر وتوفير خدمات أفضل مثل المختبرات ، المكتبة ومراكز الحوسبة.

المدارس التي لا تعرض خدمات ومساقات كهذه لا تتلقى ميزانيات اضافية، وقد ينشأ وضع تعلق فيه في حلقة التخصيص المنخفض للميزانيات. ان طريقة تخصيص الميزانيات الحالية في المدارس الثانوية تشجع عدم المساواة لكونها تخصص ميزانيات اعلى للمدارس الثانوية التي تعرض على الطلاب امكانيات أكثر وفيها طواقم المعلمين أكثر نوعية وجودة.

مع ذلك فان وزارة التعليم ليست الطرف الوحيد المسؤول عن فجوات تخصيص الميزانيات القائمة بين المدارس. فكلما كان المجلس المحلي اقوى اقتصاديا سيكون بوسعه اضافة ميزانيات للمدارس، بما يتجاوز الميزانية التي تخصصها وتحولها وزارة التعليم. بالإضافة إلى ذلك، فان الاهالي في البلدات القوية اقتصاديا يجبون مدفوعات ورسوما من الاهل وهي تخصص لدروس الاثراء واقتناء الحواسيب والتجهيزات الحديثة للطلاب، وهكذا فإن الفجوات بين الطلاب تكبر أكثر.

ميزانية مشابهة للطالب من الخلفية الاقتصادية الأضعف وزميله من الخلفية الاقتصادية الأقوى!

وفقا لمعطيات وزارة التعليم يتلقى الطالب الذي يتعلم في مدرسة ثانوية وهو من الخلفية الاقتصادية الاضعف ميزانية مشابهة بالمعدل لما يتلقاه طالب من الخلفية الاقتصادية الاقوى، بينما سائر الطلاب من الخلفية المتوسطة بالمعدل يتلقون ميزانيات أكبر. ولكن الوضع ازداد سوءا في الأعوام الاخيرة حين رفعت وزارة التعليم ميزانيات طلاب المدارس الثانوية القوية بنحو 22% بينما رفعت ميزانيات الطلاب المستضعفين بـ 14% فقط. وفي الوضع الحالي تقوم وزارة التعليم بفحص تخصيص الميزانيات النسبية للمدارس الثانوية، ويوجد عمليا في قسم من الحالات تخصيص ميزانيات أكبر لبلدات واحياء مستضعفة حيث يتلقى الطلاب فيها ميزانيات أكبر بـ50% من البلدات القوية اقتصاديا، ولكن هذه الطريقة تطبق فقط لدى الطلاب اليهود.

طالب المدرسة الثانوية العربي من الخلفية الاضعف اقتصاديا في البلاد يتلقى ميزانية أكثر انخفاضا بشكل جدي من طالب يهودي من الخلفية الاقتصادية نفسها: 3ر21 الف شيكل للطالب العربي مقابل 6ر35 ألف شيكل للطالب اليهودي (أي اعلى بـ67%). والطالب اليهودي من الخلفية اليهودية المتوسطة يتلقى ميزانيات أكثر بـ 35% من الطالب العربي من الخلفية الاقتصادية الاضعف وحتى من الطالب العربي من خلفية اقتصادية مشابهة أي المتوسطة. وهكذا لو فحصنا المعدل لدى الطلاب اليهود فقط تنخفض الفجوات بشكل كبير مما لو فحصنا المعدل لجميع الطلاب بما يشمل الطلاب العرب.

عقب وزير التعليم نفتالي بينيت على هذه الوقائع وهذا التحليل بالقول: "إن نشر معطيات الشفافية لجهاز التعليم هو خطوة اضافية لتوفير المعلومات للجمهور، الاهالي والعاملين في التعليم في الدولة. جهاز التعليم يقوم في السنوات الاخيرة بتطوير خطط اصلاح قطرية كبيرة ومنها تعليم الظهيرة ومساعدات اضافيات في الروضات وتقليص عدد الطلاب في الصف وتطوير ودفع دروس الرياضيات. نحن نعترف بوجود الفجوات القائمة وننوي معالجتها مثلما نقوم في المدارس الابتدائية والاعدادية".

لا تزال في المدارس الابتدائية فجوات بين الأوساط المختلفة ولا يزال هناك تفضيل أكبر للطلاب المتدينين. فالميزانية التي تحولها وزارة التعليم لطلاب المدارس الابتدائية الدينية تصل إلى 4ر17 ألف شيكل سنويا وهذا اعلى بـ 5ر18% من الميزانية التي يتم تحويلها إلى طلاب المدارس الابتدائية الرسمية (6ر14 ألف شيكل) وبـ 4% مما يحول بالمعدل للطلاب العرب (7ر16 ألف شيكل).

مع ذلك فقد بذلت وزارة التعليم منذ 2014 جهودا لتقليل وتقليص فجوات تخصيص الميزانيات بين الطلاب في المدارس الابتدائية والاعدادية بواسطة تعميق طريقة تخصيص الميزانيات النسبي القائمة. وتجسد ذلك ايضا في المجتمع العربي مع انه لا تزال هناك فجوات.

لربما انه نتيجة لذلك ظهر في امتحانات الميتساف الاخيرة وللمرة الاولى منذ سنوات عديدة ان مؤشر تقلص الفجوات إلى حد معين في التحصيل العلمي للطلاب صار ملموسا. ووفقا لوزارة التعليم فان خطة تقليص الفجوات سوف تطبق بشكل كامل تقريبا في السنة التعليمية القريبة وتتوقع كما تقول ان يتم سد الفجوات تماما خلال عامين.

بالإضافة إلى الخطة المذكورة وضع الوزير بينيت خطة لتقليل الاكتظاظ في المدارس الابتدائية وساهمت هي الاخرى بشكل غير مباشر في تقليص الفجوات. وتم تطبيق الخطة بشكل نسبي وأدت إلى تقليص عدد الطلاب في الصفوف في المناطق الطرفية خصوصا وهكذا فان الميزانيات المخصصة لكل صف دراسي تقسم بين عدد اقل من الطلاب.

ويقول مدير عام وزارة التعليم شموئيل أبوآف ان خطة الإصلاح لاعتماد تخصيص ميزانيات نسبي في المدارس الابتدائية والإعدادية تؤتي ثمارها، فالمعطيات الحالية تشير برأيه إلى تقليص فجوات الميزانيات لصالح الطلاب من الخلفية المستضعفة.