"مبادرة" إجراء استفتاء في الذكرى الـ50 لاحتلال 67:

مقدمة
يشهد المجتمع الإسرائيلي حراكات سياسية واجتماعية مع اقتراب الذكرى الخمسين للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967. وتتباين هذه الحراكات بحسب الخلفية السياسية- الأيديولوجية للفاعلين السياسيين، ففي اليمين وخاصة اليمين الاستيطاني يتم التحضير للاحتفال بـ"تحرير" باقي "أرض

إسرائيل"، وعودة السيطرة اليهودية الكاملة عليها، أما "اليسار الصهيوني" المركزي فسيحتفل بالانتصار الكبير في حرب حزيران 1967 ("حرب الأيام الستة" في القاموس السياسي الإسرائيلي الرسمي) على اعتبار أن هذا "اليسار الصهيوني" المتمثل في حزب العمل هو من حقق هذا الانتصار الكبير لإسرائيل، وثمة أجزاء في "اليسار الصهيوني" تتجادل عبر حلقات نقاشية وفعاليات حول السبل لإنهاء الاحتلال بعد خمسين عاما من عمره.

وقد ظهرت في الآونة الأخيرة عدة مبادرات في هذا الاتجاه، أهمها مبادرة "نقرر في الـ50"، أي بعد مرور خمسين عاما على الاحتلال الإسرائيلي (تسميه المبادرة السيطرة) على الضفة الغربية، وتقترح هذه المبادرة إجراء استفتاء في العام 2017 حول مستقبل هذه السيطرة.

تهدف الورقة الحالية إلى عرض فكرة المبادرة ومن يقف وراءها، والنقاش الذي دار حولها في الشارع الإسرائيلي.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن فكرة الاستفتاء على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ليست جديدة في المشهد الإسرائيلي، فقد طرحها في السابق اليمين، واستطاع تشريع "قانون أساس الاستفتاء" في العام 2014، إلا أنه ينص على إجراء استفتاء على كل اتفاق تسوية فيه تنازل عن مناطق تقع تحت السيادة الإسرائيلية، أما المبادرة الحالية فهي مبادرة من شخصيات وحركات يسارية صهيونية تقترح إجراء استفتاء حول موقف الجمهور الإسرائيلي (عربا ويهودا) من مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بدون علاقة مع أي تسوية أو مفاوضات أو اتفاق قد يكون في الأفق.

على كل حال، يختلف الاستفتاء عن الانتخابات العامة في أمرين، الأول يتعلق بالبرامج الانتخابية، ففي الانتخابات العامة يكون التصويت على برامج سياسية واجتماعية واقتصادية وتطرح فيها مسائل ومشاكل كثيرة وعلى الناخب أن يصوت بناء على خياراته بين هذه البرامج والمسائل، بينما يكون التصويت في الاستفتاء على مسألة واحدة فقط. أما الأمر الثاني فيتعلق بخيارات الناخبين، ففي الانتخابات تكون أمام الناخب خيارات متعددة من الأحزاب والحركات السياسية والشخصيات القيادية، أما في الاستفتاء فيكون التصويت بنعم أو لا على سؤال محدد، وليست هناك خيارات أخرى، وتبقى مسألة صياغة السؤال أحد أهم المسائل التي يدور حولها الصراع في الاستفتاء لكون صيغة السؤال وتوجهه قد تعبران أيضا عن هدف الاستفتاء وجوهره.

مبادرة: "نقرر في الـ 50"- فكرة الاستفتاء

يقف وراء مبادرة "نقرر في الـ 50" لتنظيم استفتاء حول مستقبل "المناطق"، العديد من الشخصيات والمنظمات الإسرائيلية، مثل منظمة "السلام الآن"، وشخصيات عديدة مثل عضو الكنيست عن حزب العمل إيتان بروشي، والمحامي غلعاد شير رئيس ديوان رئيس الحكومة السابق إيهود باراك، والذي كان من الشخصيات التي تفاوضت مع الفلسطينيين في الماضي، ورجل الأعمال أورني بتروشكا، زميل شير في حركة "مستقبل أزرق أبيض"، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) السابق عامي أيالون، وأليك رون قائد الشرطة السابق في لواء الشمال، وعمرام متسناع رئيس حزب العمل سابقا، وعضو الكنيست السابق عن حزب العمل دانيال بن سيمون، وشاؤول أريئيلي من أعضاء مبادرة جنيف، والجنرال غيورا عنبار، ونوعا روطمان حفيدة إسحاق رابين. كما يدعم الفكرة وزراء سابقون عن حزب العمل مثل: يولي تامير، وعوزي برعام، وأوفير بينيس، وميخائيل ملكيور، وتؤيد الفكرة وتدعمها تسيبي ليفني. إلا أن صاحب الفكرة والمبادر لها كان تسالي ريشف من حركة "السلام الآن".

وقامت القناة 20، ذات التوجهات اليمينية، بفحص من يقف وراء الحملة وتبين أن موقع الحملة مسجل على اسم عميت يولزري (34 عاما)، وهو من قيادات حركة الاحتجاج الاجتماعي في إسرائيل في صيف 2011، ويسكن في لندن ويعمل في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى تسالي ريشف من منظمة "السلام الآن". والحقيقة أن أصحاب المبادرة لا يخفون أسماءهم كما يحاول اليمين الإسرائيلي تسويق ذلك عبر تغطية إعلامية دراماتيكية، وذلك بهدف نزع الشرعية الجماهيرية عن المبادرة بادعاء أن المبادرين لها هم يسار متطرف، كما أن قائمة الأسماء المبادرة والداعمة للفكرة لا تنتمي إلى اليسار المتطرف كما يحاول اليمين تسويق ذلك، بل هم التيار الصهيوني اليساري المركزي، رغم أن الأحزاب اليسارية الصهيونية لم تبد موقفا واضحا ومشتركا من الفكرة.

يهدف أصحاب المبادرة إلى أن تتحول مبادرتهم هذه إلى اقتراح قانون في الكنيست حول تنظيم استفتاء على مستقبل المناطق الفلسطينية، ويطمح أصحاب المبادرة بأن ينضم اليمين إلى هذه المبادرة، وبالذات اليمين الاستيطاني، لأنه يرغب أيضا في حسم هذه المسألة، حيث يعتقد أن الجمهور سيحسمها لصالحه، لذلك يراهن أصحاب المبادرة بأن أقطابا من اليمين قد تدعم المبادرة برغم الاختلاف الذي قد ينشأ حول صيغة سؤال الاستفتاء[1].

حول الخلفية والهدف من المبادرة جاء في الموقع الرسمي لها: "في حزيران 2017 نحيي ذكرى مرور 50 عاما لحرب الأيام الستة والسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، 50 عاما تسيطر خلالها إسرائيل على المناطق ولم تتخذ أبدا قرارا حول مصيرها. 50 عاما والمجتمع الإسرائيلي منقسم ومتصارع حول السؤال الأكثر مصيرية، 50 عاما ولا توجد لإسرائيل حدود رسمية معترف بها، لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بخمسين عاما أخرى كهذه"[2].

ويوضح الموقع الجهات والشخصيات التي بادرت إلى فكرة الاستفتاء، حيث جاء أن "مبادرة نقرر في الـ 50 هي ثمرة تعاون بين شخصيات هامة سابقا في الجهاز السياسي والأمني، وأدباء ومثقفين، ونشطاء سياسيين واجتماعيين، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، منها حركة السلام الآن، ومستقبل أزرق أبيض، ومواطنون من كل قطاعات المجتمع الإسرائيلي".

وحول الهدف من المبادرة جاء في الموقع:


"كل الموقعين على المبادرة يعتقدون أننا وصلنا إلى نقطة الحسم، ويطالبون الكنيست بتشريع قانون الاستفتاء على مستقبل المناطق بحيث يكون في العام 2017، العام الخمسين لحرب الأيام الستة والسيطرة الإسرائيلية على المناطق، ويناشدون شخصيات من اليمين واليسار، على حد سواء، العمل معا حول هذا المطلب. نحن نعتقد أنه حتى لو لم تكن هناك تسوية سياسية في الأفق، فالوقت قد حان لاتخاذ حسم تاريخي في المسألة الأكثر مصيرية التي تمزق المجتمع الإسرائيلي، وترسيم الحدود الرسمية للدولة واتخاذ القرار حول الاتجاه الذي ستتجه إليه إسرائيل في العقود القادمة، لا يمكن أن نسمح لأنفسنا خمسين عاما أخرى كهذه"[3].

وقد أرسل المبادرون رسالة إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حول الفكرة، جاء فيها: "إن الحسم من خلال الاستفتاء حول السؤال الأكثر مصيرية بشأن مستقبل إسرائيل، سيشكل تصريحا للعالم حول وُجهة إسرائيل، ويشكل مقولة لحكومات إسرائيل المنتخبة من أجل العمل على تنفيذ القرار، وحتى تنفيذ القرار يجب اتخاذ سياسات في كل المجالات، تشمل ترسيم الحدود ومناطق المستوطنات بحسب القرار الذي سيتم اتخاذه [في الاستفتاء]"[4].

واعتبر عامي أيالون، رئيس جهاز الشاباك السابق، وأحد المبادرين للاستفتاء، "أن كل يوم تستمر فيه سيطرتنا على مناطق يهودا والسامرة [الضفة الغربية] يقربنا أكثر إلى نهاية إسرائيل كدولة ديمقراطية للشعب اليهودي... يرى نتنياهو أن الكارثة تقترب، ولكنه لا يملك الشجاعة لفعل شيء، في ظل غياب قيادة، حقنا وواجبنا كمواطنين أن نحدد مستقبلنا، فقط من خلال قرار في استفتاء يمكن له أن يعبر بشكل حقيقي عن إرادة الأغلبية، ويُمكن من استمرارية بناء المشروع الصهيوني بدون عنف بيننا"[5].

في الاستفتاءات تكون مسألة بلورة سؤال الاستفتاء مسألة مركزية، إلا أن أصحاب المبادرة لم يقترحوا نصا لسؤال الاستفتاء، ويبررون ذلك بأن المهمة الأساسية في المرحلة الأولى هي الضغط على الكنيست لتشريع قانون الاستفتاء حول مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وبعدها يتم النقاش حول صيغة سؤال الاستفتاء.

تجدر الإشارة إلى أن الكنيست الإسرائيلي سنّ في العام 2014 "قانون أساس الاستفتاء"، إلا أن المبادرة الحالية تختلف عن قانون الأساس هذا، ففي الأخير ينص القانون على أن الحكومة الإسرائيلية تقوم بإجراء استفتاء على اتفاق سياسي تتنازل بموجبه إسرائيل عن مناطق تحت سيادتها، بمعنى أن المبادرة الحالية تطالب باستفتاء قبل التوصل إلى اتفاق سياسي، بينما ينص قانون الأساس على إجراء استفتاء بعد الوصول إلى اتفاق سياسي وقد سنّه اليمين من أجل إفشال كل اتفاق سياسي مع الفلسطينيين، على اعتبار أن الشعب سوف يرفض هذا الاتفاق[6].

وحول النقد الذي وجه للمبادرة كونها تستثني الشعب الواقع تحت الاحتلال من المشاركة في الاستفتاء، يرد أصحاب المبادرة، على النحو التالي: "مسألة مستقبل المناطق تمزق المجتمع الإسرائيلي من الداخل. لذلك فالاستفتاء الذي نريد أن نطرحه هو قبل كل شيء قرار داخلي إسرائيلي على مستقبل إسرائيل، ونتائجه لا تلزم الفلسطينيين بأي صورة. كنا نأمل في أن نسمع عن مبادرة شبيهة في الجانب الفلسطيني، ولكننا قبل كل شيء نحن نعتقد أننا كإسرائيليين علينا اتخاذ القرار حول وُجهتنا وكيف نريد أن نرى إسرائيل في الخمسين عاما المقبلة"[7].

النقاش حول مبادرة الاستفتاء


تباينت المواقف من مبادرة الاستفتاء في الذكرى الخمسين للاحتلال، بين مؤيد ومحافظ ومعارض، إلا أن غالبية قطاعات اليمين تعارض إجراء هذا الاستفتاء وتعتبره مبادرة من اليسار المتطرف من أجل تجاوز الحكومة اليمينية المنتخبة، وذلك رغم أن اليمين كان قد سن قانون أساس الاستفتاء عام 2014 لتقييد الحكومة في اتخاذ قرار حول أي اتفاق سياسي مع الفلسطينيين.

على سبيل المثال فإن الكاتب اليميني أفيشاي غرينسيغ يبدأ مقاله في اعتبار أن هذه المبادرة تمثل اليسار المتطرف في إسرائيل، ويشير إلى أن الأساس الذي قامت عليه المبادرة هو غير صحيح، فهي تنطلق من ادعاء أنه لا يمكن الحفاظ على الوضع القائم من دون الوصول إلى دولة ثنائية القومية، كما أنها تمثل حالة اليأس التي وصل إليها اليسار الإسرائيلي من إمكان حدوث تغيير سياسي في إسرائيل، حيث يعارض الجمهور الإسرائيلي فكرة إقامة دولة فلسطينية. لذلك فإنهم يقترحون في الاستفتاء إمكانيتين أمام الجمهور، إما ضم كل المناطق إلى السيادة الإسرائيلية وإما إقامة دولة فلسطينية. ويعتقد الكاتب أن الواقع اثبت أنه يمكن الإبقاء على الوضع القائم دون ضم فوري وكامل للمناطق الفلسطينية ودون الحاجة إلى الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية عام 1967. ويشير غرينسيغ إلى أن حزب العمل نفسه لا يطرح فكرة الانسحاب الكامل بل ينطلق من بقاء الكتل الاستيطانية والحصول على مقابل سياسي لأي اتفاق تسوية مع الجانب الفلسطيني، ويرفض الكاتب اليميني فكرة الاستفتاء لأنها تغيّب حقيقة أن الشعب الإسرائيلي ينتخب مرة تلو المرة حكومة وأحزابا ترفض الانسحاب من الضفة الغربية[8].

أما المعارضة الأخرى للفكرة فجاءت من ادعاء أن الاستفتاء يستثني الفلسطينيين وليس له أساس قانوني، خاصة وأن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ليست تحت السيادة الإسرائيلية من الناحية الدستورية. وكما أشارت الكاتبة الصحافية طال شنايدر، فإنها تعارض فكرة الاستفتاء وتعتبره أداة لتمزيق الشعب، وتنطلق معارضتها للاستفتاء من أن المبادرين يطالبون بإجراء استفتاء على مستقبل مناطق ليست تحت السيادة الإسرائيلية القانونية، لذلك تقول "إذا أردنا أن نعطي مصداقية للاستفتاء على مناطق ليست تحت سيادة الدولة، يجب أولا ضمها ومن ثم استفتاء الشعب عليها، هل هذا معقول؟ بادر اليمين الإسرائيلي لقانون الاستفتاء ليس من أجل سؤال السكان الفلسطينيين حول موقفهم، فقد شرعوا قانون أساس الاستفتاء من أجل تقييد كل إمكانية لعملية سياسية، وفي اقتراح الاستفتاء الحالي لا ينوي المبادرون سؤال السكان الفلسطينيين حول موضوع السيادة، فهم ليسوا مواطني الدولة"[9].

وفي مقال له في صحيفة "هآرتس" أشار الكاتب الفلسطيني عودة بشارات إلى أن المبادرين للاستفتاء تجاهلوا في إعلان مبادرتهم وجود الشعب الفلسطيني، ولم يتم ذكر كلمة "احتلال"، وإنما المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، حتى الأراضي الفلسطينية المحتلة سميت في المبادرة "المناطق"، وكأنها محمية طبيعية يقرر فيها الشعب الإسرائيلي مصيرها، وتساءل بشارات بأي حق يقرر الشعب الإسرائيلي مصير أرض ليست له، موضحا أنه إذا كانت معارضة الاحتلال تأتي على هذه الشاكلة فان عمر الاحتلال سيطول كثيرا[10].

وانتقدت الكاتبة والناشطة السياسية إيلانا همرمان المبادرة لإجراء استفتاء حول مستقبل الأراضي الفلسطينية، ووجهت النقد للمبادرين الذين يريدون أن يجروا استفتاء على مستقبل مناطق محتلة حسب القانون الدولي، ويعاني سكانها من قمع الاحتلال اليومي، مشيرة إلى أنه بدل أن يتجند هؤلاء حول معركة دولية لمقاطعة المستوطنات والاحتلال يبادرون إلى إجراء استفتاء حول الأراضي الفلسطينية المحتلة، في حين أن قضية الاحتلال هي مسألة دولية والقانون الدولي عنده الأجوبة لهذا الواقع، وقد وجهت نقدا إلى أصحاب المبادرة بأنهم خضعوا للمنظومة القانونية- الأيديولوجية التي منعتهم من التوجه إلى المؤسسات الدولية والقانون الدولي لمقاطعة الاحتلال ونزع الشرعية عن الاستيطان، واعتبرت الاستفتاء نكتة ليست في مكانها[11].

وفي مقال له حول فكرة الاستفتاء كتب عكيفا إلدار، أحد النشطاء الإسرائيليين الذي يعارضون الاحتلال، أن هذه المبادرة تؤكد اليأس الذي وصل له اليسار في إسرائيل، وقد أبدى إلدار معارضته للاستفتاء، وهو يمثل في مقاله موقف المعارضين من معسكر اليسار الإسرائيلي لسببين: الأول أن الاستطلاع يؤكد أن اليسار وصل إلى مرحلة اليأس في طريقه نحو التغيير السياسي في إسرائيل ويبحث عن طرق بديلة لتمرير أجنداته السياسية، فبدلا من العمل في الحقل وتجنيد الناس في الانتخابات وإقناعهم بصدق مواقفه من الصراع وحله، فإنه يحاول تجاوز الحكومة المنتخبة وفرض استفتاء عليها لكي تقرر وضع القرار حول مستقبل المناطق الفلسطينية في يد الشعب الإسرائيلي. أما السبب الثاني الذي يورده إلدار فيتعلق بالتوجهات السياسية في الشارع اليهودي تحديدا، فهو يشير إلى أن الشارع اليهودي يتماهى مع مواقف اليمين، وحتى اليمين المتطرف منه في مسألة مستقبل الأراضي الفلسطينية، بحيث أنه حتى لو نجح المبادرون في إجراء سن قانون الاستفتاء فإن المجتمع الإسرائيلي سوف ينقسم إلى فئتين، الأولى ترى في استمرار الاحتلال الإسرائيلي ضررا أخلاقيا على المجتمع الإسرائيلي، بينما سترى المجموعة الثانية أن المخاطر النابعة من الانسحاب الإسرائيلي أكبر من الضرر الأخلاقي للاحتلال، وذلك على الرغم من أنها لا ترى أي ضرر أخلاقي في استمرار السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية. وفي اعتقاد إلدار فإن المجموعة الثانية ستحصل على غالبية الأصوات في الاستفتاء، مستعينا بالاستطلاع الذي أجري على مواقف الشارع اليهودي من قضية الجندي القاتل في الخليل، حيث يؤيد سلوكه 65% من اليهود في إسرائيل.[12]

وقد أبدت شخصيات من اليمين تأييدها لفكرة استفتاء عام على مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، إلا أن هؤلاء يعتقدون أن السؤال يجب أن يكون بصيغة ضم المناطق إلى السيادة الإسرائيلية أم لا، فقد أبدت عضو الكنيست شولي معلم من حزب "البيت اليهودي" تأييدها لفكرة استفتاء عام لأنها واثقة من أن الجمهور الإسرائيلي سوف يؤيد ضم هذه المناطق للسيادة الإسرائيلية وإبقاء السيطرة الإسرائيلية عليها، لكنها تقترح صياغة سؤال مختلف عن السؤال الذي يقترحه المبادرون في الجملة المذكورة. وتقترح أن يكون سؤال الاستفتاء هو "هل توافق على فرض السيادة الإسرائيلية على مناطق يهودا والسامرة؟".[13]

وكان تسالي ريشف قد كتب مقالا حول فكرة الاستفتاء المقترحة، وناقش خلاله مواقف المعارضين للاستفتاء، مشيرا إلى أن قطاعات كبيرة من الجمهور الإسرائيلي تعارض الاستفتاء، لأنه سيضر بمكانة إسرائيل في الحالتين، حالة الموافقة على حل الدولتين، أو حالة استمرار السيطرة على الأراضي الفلسطينية، ففي حالة معارضة حل الدولتين وتأييد الجمهور لبقاء السيطرة الإسرائيلية فإن ذلك سيعرض إسرائيل بأنها معنية بإبقاء الوضع القائم، أما في حالة الموافقة على حل الدولتين، فان ذلك لن يتحقق لأن الحكومة الحالية غير معنية بهذا الحل، بل بإبقاء الوضع القائم، ولذلك لا فائدة من الاستفتاء.[14]

وأشار ريشف إلى أنه حتى في حال تصويت الشعب على إبقاء السيطرة الإسرائيلية، فان لذلك أهمية كبيرة. صحيح برأيه أن ذلك سيعزز نفوذ القوى اليمينية والاستيطانية، لكنه سيفرض على إسرائيل إعطاء أجوبة سياسية لهذا الواقع، تتعلق بطبيعة نظامها السياسي، وحقوق الفلسطينيين المدنية والسياسية في ظل السيطرة الإسرائيلية أو الدولة الواحدة، وذلك يضع إسرائيل أمام تحد حول هل هي دولة ديمقراطية أم نظام أبارتهايد، وفي الحالتين يشير ريشف إلى أن الاستفتاء يتحدى الوضع القائم.

وحول النقد الذي وجه إلى المبادرة كونها تستثني الجمهور الفلسطيني في الأراضي المحتلة من الاستفتاء، يشير ريشف إلى أن هدف المبادرة هو طرح موقف الجمهور الإسرائيلي، وفي الحالتين على الفلسطينيين أن يقرروا طريقة نضالهم بالطريقة التي يرونها مناسبة، فالاستفتاء لا يهدف إلى فرض الموقف الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني بل كشف هذا الموقف، بما يسمح للجانب الفلسطيني باختيار خياراته السياسية بناء على ذلك، فإذا قرر الجمهور الإسرائيلي أن حل الدولتين هو ما يريده سيتطلب الأمر إجراء مفاوضات مع الجانب الفلسطيني على هذا الحل، بينما إذا قرر الجمهور الإسرائيلي حل الدولة الواحدة، فان على الفلسطينيين فحص خياراتهم في تأييد ذلك عبر نضال على حقوقهم السياسية والمدنية في إطار الدولة الواحدة أو معارضة ذلك. ويوضح ريشف أنه في حالة اصطفاف اليمين ضد الاستفتاء فان ذلك يعتبر مقولة حول عدم ثقة اليمين بمواقف الجمهور الإسرائيلي، ويعتقد ريشف أن الاستفتاء سوف يشكل نقطة تحول تاريخية في الصراع.

إجمــال

تأتي مبادرة "نقرر في الـ 50" لتحريك الجدل داخل المجتمع الإسرائيلي حول الاحتلال في مناسبة مرور نصف قرن عليه. غير أن مجرّد طرح فكرة الاستفتاء على مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة قد يخدم اليمين في إسرائيل لكون مثل هذا الاستفتاء يوفر أداة لتسويغ عدم اتخاذ أي قرار حاسم فيما يتعلق بتسوية المسألة الفلسطينية.

كما تكشف هذه المبادرة عن أوضاع ما يسمى "اليسار الصهيوني" في إسرائيل الذي لم يعد منذ مدة قادرا على طرح أي خيار يشكل بديلا لسياسة اليمين، سواء داخل إسرائيل أو خارجها، ويكون خيارا يلبي مطالب الشعب الفلسطيني في الاستقلال والتخلص من الاحتلال.

1.
بن كسبيت: هل يؤيد اليمين إجراء استفتاء على مستقبل المناطق؟، موقع المونيتور، أنظر الرابط: http://www.al-monitor.com/pulse/iw/originals/2016/08/israel-peace-camp-pushes-referendum-on-west-bank.html 
2.
أنظر الموقع الرسمي للمبادرة، www.mishal50.org.il 
3.
أنظر الموقع الرسمي للمبادرة، www.mishal50.org.il 
4.
يوناتان ليس: وزراء وأعضاء كنيست سابقون أطلقوا حملة لتنظيم استفتاء على مستقبل المناطق، هآرتس، 5\9\2016، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politi/1.3058915 
5.
المصدر السابق 
6.
أنظر نص قانون أساس: الاستفتاء على الرابط التالي: https://www.knesset.gov.il/review/data/heb/law/kns19_4.pdf 
7.
أنظر الموقع الرسمي للمبادرة، www.mishal50.org.il 
8.
أفيشاي غرينسيغ: اللغم في الاستفتاء، موقع القناة السابعة، 13\9\2016، أنظر الرابط: http://www.inn.co.il/Articles/Article.aspx/15306 
9.
طال شنايدر: استفتاء الشعب على مستقبل المناطق هو فكرة سيئة، 6\9\2016، أنظر الرابط: http://www.talschneider.com/2016/09/06/referendum2016/ 
10.
عودة بشارات: أنا قلق على مصير الصهيونية، هآرتس، 12\9\2016، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3064840 
11.
إيلانا همرمان: الإسرائيليون الجيدون الذين يصمتون، هآرتس، 25\8\2016، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3049102 
12.
عكيفا الدار: حملة الاستفتاء تؤكد يأس اليسار، موقع المونيتور 13\9\2016، أنظر الرابط: http://www.al-monitor.com/pulse/iw/originals/2016/09/six-day-war-occupation-referendum-netanyahu-left-peace-camp.html 
13.
آفيا ريش: من يقف وراء مبادرة "نقرر فيالـ 50"، 5\9\2016، القناة 20، أنظر الرابط، http://www.20il.co.il 
14.
تسيلي ريشف، الشعب يقرر، هآرتس، 13\9\2016، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3066999 

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي