اكتفت إسرائيل الرسمية، والإعلامية عامة ـ باستثناءات هامشية ـ بشن هجوم على "المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط"، الذي انعقد في العاصمة الفرنسية باريس يوم الأحد، أمس الأول، وواصلت التمسك بموقفها الرفضي القاطع لهذا المؤتمر، منذ الإعلان الأول عن النية لعقده، بزعم أن "المؤتمرات الدولية والقرارات الأممية تُبعد السلام، لأنها تشجع الفلسطينيين على التشبث بموقفهم الرافض للدخول في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل، من غير شروط مسبقة" وأن "السبيل الوحيد لتحقيق السلام هو عبر التفاوض المباشر بين الطرفين، كما حصل مع مصر والأردن".

وحاولت إسرائيل الرسمية، جاهدة، إبراز مدى حجم وأهمية "الإنجاز" السياسي ـ الدبلوماسي الذي حققته الحكومة وأذرعها، وفي مقدمتها رئيسها شخصيا (المتورط في فضائح فساد تجري بشأنها تحقيقات جنائية مختلفة!)، وذلك بالتركيز على ما يلي: 1ـ "عدائية" المؤتمر ومنطلقاته ومقاصده من جهة أولى؛ 2 - إحباط اعتماد المسودة الأولى للبيان الختامي التي كانت "أشد وطأة" حيال إسرائيل وانتهاء المؤتمر دون أن يطالبها باتخاذ إجراءات عينية محددة ودون أن يضع جدولا زمنيا واضحا لخطوات لاحقة تتخذها الدول المشاركة فيه من جهة ثانية؛ 3- التعاون والتنسيق الوثيقين مع الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، إدارة الرئيس دونالد ترامب، بما سيضمن تحييد أي ضغط جانبي من أي طرف ثالث ويضمن الدعم الكلي المطلق ليس لدولة إسرائيل فقط، وإنما لحكومتها اليمينية وسياساتها أيضا.

لكن المؤكد، من جهة أخرى، أن مجرد انعقاد مؤتمر باريس شكّل هزيمة سياسية ـ دبلوماسية لنتنياهو وحكومته، بعد الجهود الحثيثة جدا التي بذلها في إطار محاولته إفشال عقده. وهي محاولات بلغت إحدى ذراها بالتعميم الذي وزعته وزارة الخارجية الإسرائيلية الأسبوع الماضي على مختلف دول العالم، وطالبت فيه دول العالم "بمقاطعة المؤتمر"! ويشكل المؤتمر دليلاً على عزلة إسرائيل الدولية، التي تجلت في عقد مؤتمر باريس وبيانه الختامي، رغم معارضتها المستميتة، وفي قرار مجلس الأمن الأخير من قبل حول الاستيطان والمستوطنات.

والملاحظ أن هذا المؤتمر، ببيانه الختامي ومداخلات المشاركين فيه، لم يحظ بأي تعاط يذكر من جانب الأحزاب والحركات السياسية في إسرائيل والتي بدت كأنها لم تسمع به مطلقا (!). وقد تُفسر هذه الحقيقة حقيقة أخرى هي أن المؤتمر لم يحظ بتغطية إعلامية لائقة في إسرائيل، كما لم يحظ ولو بجزء يسير، نسبيا، من كم التعليقات والتحليلات التي تُفرَد في وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة، في العادة، لمثل هذه النشاطات/ المحطات الدولية، ولا حتى على ضوء استقطابه اهتمام ومشاركة 70 دولة و5 منظمات دولية مركزية. وقد اقتصرت القراءات الإعلامية لهذا المؤتمر ومخرجاته، بصورة كلية تقريبا، على التوجه الذي أرساه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بقوله إن هذا المؤتمر "من السكرات الأخيرة في عالم الأمس، بينما الغد سيكون أفضل. والغد قريب جدا"، في إشارة إلى انتهاء عهد الرئيس باراك أوباما ("عالم الأمس") وبدء عهد الرئيس دونالد ترامب ("عالم الغد")، الذي سيبدأ يوم العشرين من الشهر الجاري ("الغد قريب جدا"). وشذّت عن هذا "الإجماع"، في هذا السياق، صحيفة "هآرتس" التي أفردت مقالها الافتتاحي، أمس الأول الأحد (يوم انعقاد المؤتمر، قبل بدء أعماله وقبل صدور بيانه الختامي!)، لموقف المقاطعة الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية ورئيسها، نتنياهو، من المؤتمر، معتبرة إياها "مقاطعة عبثية ولا طائل منها"!

"بيان مُخفَّف"!

رأت "مصادر سياسية مسؤولة" في إسرائيل أن نص البيان الختامي الذي صدر عن مؤتمر باريس كان "أخفّ وطأة" على إسرائيل، مقارنة بالمسوّدة الأولية التي وزعها المضيفون الفرنسيون في وقت سابق. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية مختلفة عن هذه "المصادر السياسية المسؤولة" ذاتها قولها إن هذا النص المخفف جاء "بفضل الضغوط التي مارسها الأميركيون"! وأضافت: صحيح أن البيان الختامي (لمؤتمر باريس) أيّد قرار مجلس الأمن الأخير (حول المستوطنات)، لكن النص الذي دعا الدول المشاركة إلى التمييز بين إسرائيل والمستوطنات، والذي اعتبرته إسرائيل "بوابة للمقاطعة"، قد تم إسقاطه وشطبه! ودللت "المصادر السياسية الإسرائيلية" على تخفيف حدة البيان الختامي بالقول، أيضا، إن "المؤتمر قد أزال التخوف من احتمال اتخاذ قرار إضافي آخر ضد إسرائيل في مجلس الأمن لدى انعقاده بعد بضعة أيام، كما شُطبت من البيان الختامي بنود إشكالية بالنسبة لإسرائيل، من ضمنها المساواة بين الاستيطان والعنف، إضافة إلى عدم التمييز بين إسرائيل والمناطق" المحتلة.

وأُسقط من البيان الختامي للمؤتمر، أيضا، أي ذكر لحدود الرابع من حزيران 1967 باعتبارها أساساً للمفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، كما أُسقط البند الذي يدعو رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو، والرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إلى "التنصل من أوساط في حكومتيهما تعارض حل الدولتين"!

وقالت وسائل الإعلام الإسرائيلية، أيضا، إن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، "كان على اتصال دائم من باريس" مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إذ "كان يطلعه، أولاً بأول، على المساعي التي تبذلها الولايات المتحدة للتخفيف من حدة البيان الختامي"، كما أبلغه بأنه "لن تكون ثمة أية نتائج استمرارية لمؤتمر باريس"، لأن الولايات المتحدة "ستعارض أي اقتراح قد يتم طرحُه في مجلس الأمن لاحقا". وقال موقع "واي نت" الإسرائيلي، نقلا عن "المصادر السياسية" ذاتها، إن "نتنياهو قال لكيري إن الضرر على إسرائيل قد حصل وأصبح ناجزا، بمجرد أن الولايات المتحدة لم تعارض قرار مجلس الأمن السابق ولم تتصدّ له"! ورد كيري "بتأكيد تعهده أمام رئيس الحكومة"(!) بـ"أن لا يكون أي استمرار للمؤتمر، لا في مجلس الأمن وفي في المؤتمر ذاته، في غضون الفترة المتبقية حتى انتهاء ولاية إدارة الرئيس باراك أوباما، في العشرين من الشهر الجاري"!! أما إذا حصل وجرت أية محاولة لطرح مشروع قرار في مجلس الأمن على أساس بيان المؤتمر "فستعارضه الولايات المتحدة وتستخدم حق النقض (الفيتو)"، وفق المصادر الإسرائيلية نفسها!

وقد أكد وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، نفسه، ما نشرته وسائل الإعلام الإسرائيلية في هذا الصدد، إذ أوضح للصحافيين في باريس، عقب اختتام أعمال المؤتمر، أن "الولايات المتحدة سعت في مؤتمر باريس للسلام في الشرق الأوسط للحيلولة دون معاملة إسرائيل بشكل غير منصف"! وأضاف أنه "لم يتم التوصل إلى هذه النتيجة الإيجابية إلا بعد إصرار دبلوماسيين أميركيين على تضمين البيان لغة قوية تدين التحريض والهجمات الفلسطينيين على الإسرائيليين"!! كما أكد كيري حقيقة اتصاله، من باريس، برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو "لطمأنته"!!

ترامب ... المنقذ من محاولات التأثير الأوروبية

تبني الحكومة الإسرائيلية موقفها المذكور آنفا على الآمال العريضة التي تعلقها على إدارة الرئيس الأميركي المنتخب، ترامب، وما تبعثه تصريحات (وبعض تعيينات) ترامب في مواقع مفتاحية في إدارته المرتقبة من "طمأنينة" في قلوب الساسة الإسرائيليين الرسميين.

وهي تسعى، في بنائها هذا، إلى مواصلة تحييد دول القارة الأوروبية خصوصا، ودول العالم أجمع عموما، عن كل ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني والمساعي لحله، خاصة وأن أوروبا هي أول وأكثر المتضررين المباشرين من استمرار هذا الصراع في الدائرة الأوسع من دائرتيه المحلية والإقليمية. وهو ما يشكل، بين أشياء أخرى، دافعاً مركزيا وجوهريا يشدّ بأوروبا نحو لعب دور، وجيه قدر الإمكان، في مساعي حل الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني وإنهائه. وفي المقابل، تبذل إسرائيل جهودا كبيرة من أجل إبقاء الصراع "ثنائياً فقط"، ليكون حلّه بالتالي "ثنائيا فقط"، أيضا، من خلال ما تسميه "مفاوضات ثنائية مباشرة" لا راعي لها ولا وسيط فيها سوى الطرف الوحيد الأوحد ـ الولايات المتحدة الأميركية، الحليف الأكبر والأهمّ، استراتيجيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا، لإسرائيل.

ويتيح هذا "الإطار الثنائي" لإسرائيل مواصلة تنفيذ سياستها الرسمية القاضية بـ"إدارة الصراع" وفق موازين القوى الراجحة لصالحها بوضوح، من خلال الرفض العملي لمبدأ "حل الدولتين" وتكثيف كل ما من شأنه إجهاضه و/ أو جعله غير قابل للتحقق على الأرض، إطلاقا، سواء في مواصلة نهب الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وتكثيف البناء الاستيطاني عليها أو في أية ممارسات وإجراءات أخرى على أرض الميدان.

وانطلاقا من هذه الرؤية، تحديدا، اتخذ رئيس الحكومة الإسرائيلية موقف الهجوم الفظ على مؤتمر باريس معتبراً أنه "يعيد عجلة السلام إلى الوراء"، وواصفا إياه بأنه "خدعة فلسطينية برعاية فرنسية، تهدف إلى اعتماد مواقف أخرى معادية لإسرائيل"! وأضاف نتنياهو، في مستهل الجلسة الأسبوعية للحكومة الإسرائيلية صباح أمس الأول الأحد، أنه "لا شك في أن هذا المؤتمر يعقد بتنسيق بين الفرنسيين والفلسطينيين وهدفه هو محاولة إملاء شروط على إسرائيل لا تنسجم مع احتياجاتنا القومية".

وشنت نائبة وزير الخارجية الإسرائيلية، تسيبي حوتوبيلي (نتنياهو هو الذي يشغل منصب وزير الخارجية)، هجوما شخصيا على الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، وقالت إن "المساواة بين الإرهاب وبناء المستوطنات تعبر عن تشوّه أخلاقي"! وأضافت: "بينما تبعث إسرائيل الحياة من خلال البناء، يقدّس الإرهاب الفلسطيني موت الأبرياء.... إن من لا يندد بالإرهاب ضد إسرائيل ويساوي بينه وبين الاستيطان فإنما يسحب البساط من تحت المعركة العالمية ضد الإرهاب الإسلامي الراديكالي"!

كما شن وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، هجوما على مؤتمر باريس واعتبره "محاكمة درايفوس بطبعتها الحديثة، مع فارق بسيط ـ أن الذي يجلس في قفص الاتهام هذه المرة كل شعب إسرائيل وكل دولة إسرائيل وليس شخصا يهوديا واحدا فقط"!
وشدد مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، على أن إسرائيل ستعمل مع الإدارة الأميركية الجديدة "لإزالة آثار الأضرار الناجمة عن القرار الأممي في مجلس الأمن الدولي وباقي الإجراءات أحادية الجانب، مثل مؤتمر باريس"!!

ويفيد ما نقله مراسل صحيفة "هآرتس" للشؤون السياسية، باراك رفيد (16/1)، نقلاً حياً، من مداولات المؤتمر والاتصالات على هامشه، بأن تصريحات الرئيس الأميركي المنتخب، ترامب، ومستشاريه حول نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وتعيين ديفيد فريدمان المؤيد للاستيطان الإسرائيلي سفيرا جديدا للولايات المتحدة في إسرائيل، ورد ترامب على قرار مجلس الأمن الأخير بشأن الاستيطان وعلى خطاب كيري، إضافة إلى زغاريد الفرح في إسرائيل في الحكومة وفي المستوطنات في أعقاب فوز ترامب في الانتخابات الأميركية ـ كل ذلك هو "جزء فقط من الأسباب التي تثير مخاوف كبيرة لدى كثيرين من وزراء الخارجية الذين شاركوا في مؤتمر باريس"!

وأضاف رفيد أن "نتنياهو يتخيّل لقاءه القريب، الأول، مع ترامب، في المكتب البيضاوي، والذي سيعقد خلال الأسبوع الأول من شباط القريب، على ما يبدو". وقال: "لكن المتخوفين من ترامب والمحتفلين به، على حد سواء، قد يصابون بخيبة أمل، ولو طفيفة"، وذلك على ضوء ما دار في جلسات الاستماع التي عقدتها اللجان المختصة في الكونغرس الأميركي مؤخرا لكل من وزير الخارجية ووزير الدفاع المقبلين، ريكس تيلرسون وجيمس ماتيس، والتي تبين خلالها أن "سياسة إدارة ترامب في مختلف القضايا والمواضيع، بما فيها القضية الفلسطينية، ليست متبلورة تماما" بعد وأنه قد يتبين أن احتفالات نتنياهو وجمهور المستوطنين "كانت سابقة لأوانها"!

تجدر الإشارة، في المقابل، إلى أن السلطة الفلسطينية حيت مؤتمر باريس واعتبرته "فرصة أخيرة لتطبيق حل الدولتين" وأنه "أكد وثبت جميع المرجعيات الدولية، بما فيها مبادئ وركائز القانون الدولي، وأعلن رفضه لجميع الإملاءات والاستيطان، وفرض الوقائع على الأرض وبما فيها في القدس". وأكد الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، عقب مؤتمر باريس، استعداده لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، وفق ما أفاد بيان خاص نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا". وأكد البيان الاستعداد لـ "استئناف المفاوضات حول جميع قرارات الوضع النهائي لصنع سلام شامل، ودائم في إطار آلية دولية، وجدول زمني محدد، ووفق المرجعيات الدولية، ومبادئ مدريد ومبادرة السلام العربية، وقرار مجلس الأمن 2334 وبيان باريس".

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي