رافق قضية الجندي إليئور أزاريا، منذ أن ارتكب جريمته يوم 24 آذار 2016 باغتيال الشهيد عبد الفتاح الشريف في البلدة القديمة في الخليل بعد أن كان مصابا وملقى على الأرض، الكثير من الصخب، الذي يعكس أوجها كثيرة للتطورات السياسة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص. لكن من ناحية أخرى، إذا عدنا إلى سلسلة من تقارير المراكز الحقوقية، مثل "يش دين" و"بتسيلم"، وتلك التي صدرت في العام المنتهي، لوجدنا أن جريمة أزاريا ليست أمرا خارجا عن المألوف في ممارسات جيش الاحتلال، وأن ما دفع الجيش إلى تقديمه للمحاكمة أكثر شيء كان شريط الفيديو الذي صوّره الفلسطيني الناشط في مركز بتسيلم عماد أبو شمسية.

وقرار المحكمة العسكرية بإدانته من المفترض ألا يكون مفاجئا لأي طرف. و"المفاجئ" في قرار الإدانة أنه أُدين بـ"القتل غير العمد"، رغم ما ظهر من إصرار في أقواله على إطلاق النار على الشهيد الشريف. والهدف من هذه الإدانة المخففة هو فتح الباب أمام إصدار عقوبة مخففة إلى أقصى الحدود. وحتى هذا لم يهدئ المستوى السياسي، ولا عصابات اليمين المتطرّف، التي هرعت إلى تنظيم تظاهرات وإطلاق التهديدات لرئيس أركان الجيش، وحتى للقضاة العسكريين الثلاثة الذين أجمعوا على قرار الإدانة، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى فرض الحراسة عليهم.

واللافت في المشهد السياسي في هذه القضية، أنه مع انتهاء المحكمة في هذه المرحلة اتسعت رقعة المؤيدين والمتفهمين وطالبي المساعدة للجندي أزاريا، ما بات يشمل الائتلاف الحاكم وكتلتي المعارضة البرلمانية "المعسكر الصهيوني" بما فيه حزب "العمل"، و"يوجد مستقبل"، فمن هاتين الكتلتين صدرت دعوات لمنح الجندي القاتل العفو، وهذا مؤشر آخر جديد للانجراف الحاصل نحو اليمين.

فمع تكشف الجريمة في ساعاتها الأولى، كان الفريق المؤيد والمتعاطف مع الجندي من الائتلاف الحاكم، وحتى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو كان تصريحه الأول رافضا للجريمة، ولكن بعد أقل من 24 ساعة انطلق مدافعا ومطالبا بالتخفيف عنه. وقد أحدثت تصريحات نتنياهو في تلك الأيام ضجة، كونها تعارضت مع توجهات قادة الجيش ووزيرهم في حينه موشيه يعلون. ولكن نتنياهو واصل الخط ذاته، حتى صدور قرار الإدانة، وإعلانه موافقته على منح العفو للجندي.

وأحد الأمور اللافتة في هذه القضية، هو أنه منذ أن تكشف اسم الجندي مرتكب الجريمة، جرى الحديث عن أنه مقرّب من الحركات التي انبثقت عن حركة "كاخ" الإرهابية، التي أسسها الإرهابي مئير كهانا، وهي حركة محظورة في العديد من دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، وأيضا إسرائيل، إلا أن هذا الحظر لا أساس له على أرض الواقع. وكان التيار الأكثر نشاطا ميدانيا دعما لهذا الجندي، مؤلفا من عناصر تلك الحركات الكهانية.

وتلاحظ الجرأة المتنامية لهذه الحركات في الظهور في الشارع وبمظاهرات عنيفة، كانت مليئة بالتهديدات حتى لقادة الجيش ورئيس الأركان. وعلى الرغم من الإعلان عن بعض الاعتقالات، إلا أن هذا عكس أجواء لم تكن مألوفة إلى هذا الحد في الشارع الإسرائيلي. وهذا انعكس كذلك في استطلاع الرأي العام الذي نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في عددها الصادر يوم الجمعة 6 كانون الثاني الحالي، فقد قال 58% إن رئيس الأركان غادي أيزنكوت وقادة الجيش منقطعون عن الشارع، بسبب موقفهم الانتقادي للجندي. وهذه النسبة من المفروض أن تكون أعلى إذا ما احتسبنا موقف اليهود وحدهم، لأن استطلاع الرأي شمل شريحة نموذجية ضمت نسبة تمثل العرب في إسرائيل. وطيلة الوقت كانت لموقف الجيش في كل القضايا مكانة خاصة في الرأي العام الإسرائيلي، وهذا ما لم يظهر في استطلاع الرأي هذا.

الحقائق عن جرائم الجيش

لكن القضية الأساس تبقى أنه بموجب الحقائق المثبتة على مدار عشرات السنين، فإن جريمة إليئور أزاريا ليست حدثا شاذا في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بل إن جرائم كهذه أو تلك ترتكب بوتيرة عالية.

وبحسب تقارير مراكز حقوقية، وأخرى تابعة للأمم المتحدة، فإن الجيش لا يلتفت إلى مئات الشكاوى التي تقدم له ضد جنوده وتصرفاتهم.

ويقول تقرير لجمعية "يش دين" صادر في الشهر الماضي كانون الأول 2016، "إنه في العام قبل الماضي 2015، وصلت إلى شرطة التحقيقات العسكرية سبعة بلاغات فقط، من قِبَل وحدات عسكرية يشتبه بضلوع جنود فيها بمخالفات بحق فلسطينيين (من أصل 187 بلاغًا). وفي العام 2014، وصل 15 بلاغا إلى شرطة التحقيقات العسكرية من الوحدات العسكرية التي يشتبه بضلوع جنود فيها بمخالفات. وهناك قوانين وأوامر وتعليمات في الجيش تلزمه بإبلاغ شرطة التحقيقات العسكرية بالحالات التي يشتبه بأنه تم خرق تعليمات القانون الدولي خلالها. وتشمل هذه الحالات أيضا مخالفات نهب وتنكيل وإطلاق للنار بشكل مخالف للقانون. وتدل النسبة المنخفضة من الحوادث التي قام جنود وضباط بإبلاغ شرطة التحقيقات العسكرية بها، على عدم تطبيق الأوامر والتعليمات المتعلّقة بواجب الإبلاغ الملقى على الجيش".

وتقول صحيفة "هآرتس"، في عددها الصادر يوم الجمعة 6 كانون الثاني الجاري، إنه منذ تشرين الأول 2015 وحتى الآن، "فتح الجيش الإسرائيلي ملفات تحقيق في أكثر من 20 حالة إطلاق نار على الفلسطينيين. وفي إطار هذه التحقيقات تم جبي شهادات من الجنود، وجمع أفلام ومواد توثيق أخرى، وفي بضع حالات أيضا توجه الجيش إلى منظمات حقوق الإنسان، بما فيها بتسيلم كي يسلط الضوء على الحدث. ولم يصل أي من هذه الملفات إلى لائحة اتهام حتى اليوم، باستثناء أزاريا. ولم يعتقل في أي من التحقيقات أي جندي مشبوه ولم تلتقط له الصور وهو يقتاد بالقيود إلى المحكمة".

وتقول الصحافية غيلي كوهين، في تقرير "هآرتس"، إنه أحيانا، ورغم أشرطة الفيديو التي توثق الحالة، فإن ملفات التحقيق تطول لدرجة أن المشاركين يكونون خرجوا من نطاق قانون القضاء العسكري. هكذا حصل في حالة موت سمير عواد في قرية بدرس في كانون الثاني 2013. فشريط الفيديو الذي وثق الحالة، والذي مصدره كاميرات المراقبة العسكرية، وثق فقط جزءا مما حدث. وتحقيق الشرطة العسكرية أرسل لمزيد من استكمال التحقيق ومرة تلو الأخرى، إلى أن تسرح الجنديان المشاركان في إطلاق النار. وبعد ثلاث سنوات من بدء التحقيق اتهما، في محكمة مدنية، بأنهما عملا "بتهور وإهمال". وقضاة المحكمة العليا، وفقط في أعقاب التماس رفعه أبو سمير مع بتسيلم، أمروا النيابة العسكرية العامة والنيابة العامة للدولة باتخاذ القرار في ملف التحقيق.

ويقول المراسل والمحلل العسكري في صحيفة "معاريف" ألون بن دافيد إنه في السنة ونصف السنة الأخيرتين قتل 169 فلسطينيا من بينهم العشرات بعد جريمة أزاريا. ويضيف بن دافيد: "وهناك 8 فلسطينيين قتلوا خطأ. وكانت هناك حالات عمل فيها الجنود بشكل غير مهني واستخدموا القوة الزائدة أو أخطأوا في التقدير. وفتح أيضا أكثر من 20 تحقيقا في الشرطة العسكرية، لكن في جميع الحالات حصل الجنود على الغطاء حتى في ظل الأخطاء التي ارتكبوها لأنها كانت في المجال المعقول. لم تكن هناك حادثة أخرى فيها قرر الجندي على مسؤوليته بدم بارد إعدام مخرب. ومن جميع التحقيقات هناك تحقيق واحد فقط تحول إلى لائحة اتهام: قضية أزاريا".

وتستذكر الصحافية عميرة هس، في تقرير لها في صحيفة "هآرتس"، عددا من حالات القتل بدم بارد لفلسطينيين في السنوات الأخيرة. ومن بينها في يوم 11 حزيران 2011، حين أطلق الجندي مكسيم فاينغوردوف النار على الشاب الشهيد زياد جيلاني، حينما كان ملقى على الأرض مصابا بالرصاص، في وادي الجوز في القدس، لتأكيد قتله. وحينها قررت النيابة تقديمه للمحاكمة، بعد أن قبلت بادعائه غير المنطقي بأن القتيل كان يشكل خطرا عليه.

ومثل هذه الجريمة تكررت بظروف أخرى، يوم 4 تشرين الأول 2015، في مقتل الشهيد فادي علون من العيساوية، الذي أطلق عليه جندي النار، فقط لأن عابري سبيل طلبوا منه أن يفعل ذلك. وبقي اسم الجندي محظورا للنشر.

وفي يوم الأول من تموز 2016، أطلق جندي النار على الشهيدة سارة حجوج، حينما كانت وحدها في حجرة صغيرة (كابينا) للجنود، عند حاجز في الخليل، دون أن تشكل أي خطر على الجنود.

وفي نهاية شهر أيار 2016، أعلنت منظمة بتسيلم الإسرائيلية الحقوقية، في بيان غير مسبوق للمراكز الحقوقية الإسرائيلية، أنها توقفت عن توجيه الشكاوى إلى جهاز تطبيق القانون العسكري الإسرائيلي، حتى لا تساهم المنظمة في المزيد من إساءة تمثيل عملها. وأوضحت بتسيلم أن هذا القرار تم اتّخاذه في نهاية عملية تفكير طويلة أدارتها المنظمة، واستنادا إلى المعرفة المكتسبة من مئات الشكاوى المقدمة من قبل بتسيلم إلى جهاز تطبيق القانون العسكريّ والعشرات من ملفات شرطة التحقيقات العسكرية.

وقالت بتسيلم: لقد أدت هذه التجربة بالمنظمة إلى الاعتراف بأنه لم يعد من المجدي تعزيز العدالة وحماية حقوق الإنسان من خلال جهاز يُقاس أداؤه في قدرته على مواصلة التستّر بنجاح على انتهاك القانون وعلى حماية المتسببين بالأذى. وسوف تواصل منظمة بتسيلم توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل في الأراضي المحتلة والإبلاغ عنها ولكنها ستتوقف عن تقديم الشكاوى وتنسيق اللقاءات بين محققي شرطة التحقيقات العسكرية والضحايا وشهود العيان الفلسطينيين والحصول على وثائق مختلفة لصالح سلطات التحقيق.

وقالت بتسيلم إنه منذ "اندلاع الانتفاضة الثانية في أواخر العام 2000، توجهت إلى النيابة العسكرية للمطالبة بالتحقيق في 739 حالة قُتل فيها فلسطينيّون أو أصيبوا أو تعرضوا للضرب من قبل الجنود أو تضررت ممتلكاتهم أو استخدمهم الجنود كدروع بشرية. وتحليل الإجابات التي حصلت عليها بتسيلم بشأن معالجة جهاز تطبيق القانون العسكري في 739 حالة يبيّن أنّه في ربع الحالات (182 حالة) لم يجر تحقيق على الإطلاق، وفي ما يقارب نصف الحالات (343 حالة) تم إغلاق ملف التحقيق دون نتيجة، وفقط في حالات نادرة (25 حالة) تم تقديم لوائح اتهام ضدّ الجنود المتورطين. وتم نقل 13 ملفًا إضافيًا للمحاكم التأديبية كما تتواجد 132 حالة في مراحل مختلفة من المعالجة، 44 حالة أخرى لم تتمكن النيابة العسكرية من تتبع وضعها".

"العفو" بات مؤكدا

لم تبق ذرة شك عند أي جهة بشأن الشكل الذي سيغلق فيه ملف إليئور أزاريا، فأمام هذا الدعم شبه الجارف من الائتلاف والمعارضة لمنحه العفو، من منطلقات متعددة، فإن مسألة العفو باتت تحت سؤال: متى؟ هل قريبا وقبل النطق بالعقوبة أم بعد النطق بها؟. وهذا قرار يجب أن يوقع عليه قائد الجيش صاحب الصلاحية، كون أن المحكمة العسكرية تحت سلطة الجيش.

وتقول صحيفة "هآرتس" في كلمة أسرة التحرير، إن قضية الجندي أزاريا تشكل "نقطة تطرف في الخطاب الإسرائيلي، سواء في أوساط الجمهور الغفير أم في أوساط أصحاب المناصب في سلطات الحكم في كل ما يتعلق بمكانة القضاء في المجال الإسرائيلي في العصر الحالي ومسألة ما هو الأولى، حكم الحشود أم سلطة القانون".

وتابعت الصحيفة أن "عمل المحكمة العسكرية لم ينتهِ. فبعد قرار الحكم بالإدانة تأتي مرافعات العقاب، وبعدها يصدر النطق بالحكم. ويجدر بالقيادة الأمنية والسياسية أن تحافظ على مسافة من المحكمة وألا تقف هناك لمناشدة قلب القضاة كي يكتفوا بعقاب رمزي وغير رادع. كما ينبغي صد الدعوات التي بدأت تنطلق من اليمين ومن اليسار، للعفو عن أزاريا فور إدانته، والاكتفاء بالرسالة الرمزية لقرار الحكم بالإدانة من المحكمة العسكرية. أزاريا ليس "ابننا جميعنا"، فهو جندي قاتل، ومنح العفو سيكون خطوة لا يقبلها العقل. سيكون هذا بمثابة احتقار لسلطة القانون وللرسالة الجماهيرية التي يفترض أن تغرس في الجمهور في أعقاب القضية، والقصد رسالة بموجبها دولة إسرائيل لا تغض النظر عن جرائم الإماتة، حتى لو تمت فيما كان القاتل يلبس البزة العسكرية".

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي