لا تزال المدارس العربية الرسمية في إسرائيل تعاني من ظلم في الميزانيات حتى في حين أن وضعها الاقتصادي صعب ويتطلب استثمارا اقتصاديا اضافيا. وهكذا، وفقاً لتحقيق "ذي ماركر" المذكور في هذه الصفحة، فان الطالب من خلفية اجتماعية منخفضة جدا تلقى ميزانية بالمعدل بمبلغ 2ر17 ألف شيكل سنويا أي اقل بـ 16% من طالب يهودي من خلفية مشابهة. هذه المعطيات تتجسد في تقسيم ساعات التعليم في المدارس الابتدائية حيث انه في حين تلقى الطالب العربي المستضعف 84ر1 ساعة تعليم أسبوعية (بموجب حساب يتم فيه تقسيم عدد ساعات التعليم في الصف على عدد الطلاب فيه) فان الطالب اليهودي من خلفية اقتصادية مماثلة تلقى 22ر2 ساعة تعليم اسبوعية. وغالبية الطلاب العرب في المدارس الابتدائية ونسبتهم 62% يتم تعريفهم كمن جاؤوا من الخلفية الاجتماعية الاقتصادية الاكثر انخفاضا ولا يوجد أي طالب عربي في العنقود الاعلى.

 

مقابل ذلك فان غالبية الطلاب اليهود في المدارس الابتدائية ونسبتهم 73% ينتمون إلى العنقود الأعلى. في الأعوام 2014- 2016 في ختام ولاية الوزير بيرون وفي فترة الوزير بينيت الذي واصل تطبيق الخطة كان رفع تخصيص الميزانيات للطلاب العرب في المدارس الابتدائية اعلى مما هو في المدارس اليهودية - (9% مقابل 5%)، ومنذ 2012 كانت نسبة زيادة الميزانيات للطلاب في المدارس الابتدائية العربية اعلى – 22% مقابل 13% للتعليم اليهودي بحيث ان الفجوات تأخذ منحى التقليص. كذلك ففي المدارس الاعدادية يوجد اتجاه نحو تقليص الفجوات نتيجة لخطط وزارة التعليم في السنوات الاخيرة لكنها ابطأ مما هي في المدارس الابتدائية. فالارتفاع الاكبر في المدارس الاعدادية بخصوص الميزانيات في السنوات الاخيرة كان لصالح الطلاب المستضعفين ولكن لا تزال هناك فجوات ميزانيات بين الطلاب اليهود والعرب ولصالح الطلاب المتدينين اليهود.

 

الدراسات تربط المكانة الاقتصادية بالتحصيل

تشير دراسة علمية نشرتها وكالات الأنباء قبل ثلاث سنوات إلى أن الطلاب الفقراء يعانون من التأخر الدراسي بفارق يصل إلى عامين مقارنة بنظرائهم الأغنياء. وعكف الدكتور جون جيريم، الخبير في معهد التعليم في بريطانيا، على دراسة البيانات التي توافرت من ثلاث وعشرين دولة في شأن طلاب يبلغ متوسط أعمارهم الخامسة عشرة، قبل أن يخلص إلى تلك النتيجة. وأوضحت النتائج أن الهوة بين التلاميذ الأذكياء من البيئات الفقيرة والغنية في إنجلترا واسكتلندا، تبلغ ضعفي حجمها في معظم الدول المتقدمة.

ودعا الباحث إلى اتخاذ التدابير الكفيلة بمساعدة الأطفال الأذكياء المنتمين لبيئات فقيرة على النجاح في مجال التحصيل الدراسي. ويظهر تحليل البيانات الإحصائية "لمعيار مهارات القراءة الدولي" للعام 2009 وجود هوة بين الطلاب الأكثر غنى والأشد فقرا تبلغ عامين ونصف العام في إنجلترا وثلاثة أعوام إلا ربع العام في اسكتلندا. وتزيد هذه الفجوة بمقدار الضعفين في ألمانيا وفنلندا وأيسلندا، حيث لا يتقدم الطلاب الأغنياء سوى بمقدار عام واحد عن أقرانهم الفقراء. واستند جيريم في دراسته على بيانات العام 2009 لبرنامج تقييم الطلاب الدولي. ويتم الحصول على بيانات هذه الدراسة كل ثلاث سنوات لدراسة تطور تحصيل الطلاب في أعمار الخامسة عشرة في الدول المتقدمة. وكتب جيريم في عدد خاص من مجلة "الدراسات المالية": إن تأثير عدم العدالة في المستوى الاقتصادي والاجتماعي على التحصيل الدراسي ربما يكون قد انخفض في إنجلترا واسكتلندا خلال العقد الماضي، ولكن هذا التأثير لا يزال أعلى من مثيله في دول كثيرة.

وقال إنه كان يقارن بالأساس بين مستوى مهارات القراءة لدى أبناء العمال من ناحية وأبناء المحامين والأطباء، وشدد على أنه بات من الضروري تقليص هذه الفجوة. وقال جيريم "ركزت سياسات التعليم على مدار العقد الماضي على تحسين التحصيل لدى الطلاب الأقل قدرة ذوي الخلفيات الفقيرة وقد أبلت هذه السياسات بلاء حسنا وحققت بعض النجاح". لكنه استدرك قائلا "على صانعي السياسات الآن تحويل دفة الاهتمام للحد من التفاوت بين التحصيل الدراسي لدى الأطفال الأكثر ذكاء لضمان عدم ترك أبناء الأسر محدودة الدخل في المؤخرة".

مقاييس رصد الميزانيات غير معلنة وغير واضحة

المكانة الاقتصادية المتدنية للطلاب العرب، كجزء من شعبهم ومجتمعهم، ناجمة عن التمييز الحكومي الإسرائيلي. هذا أمر تؤكده التقارير الرسمية نفسها. وصدر قبل نحو سنة ونصف السنة تقرير حكومي أقر بأن الحكومة ومؤسسات التعليم تمارس سياسة متعمدة ضد العرب، وفي إطار هذه السياسة توسع الفجوة بين العرب واليهود، فترسخ الجهل والفقر في المجتمع.

التقرير صدر بعنوان "خطة مؤسساتية لدمج اقتصادي للمجتمع العربي"، ووضع بطلب رئيس دائرة الميزانيات في وزارة المالية، لفحص التمييز ضد العرب، ووقعت عليه أيضا وزارة المساواة الاجتماعية ومكتب رئيس الحكومة.

وحسبما كتبت المحللة الاقتصادية ميراف أرلوزوروف فهو يحتوي على مئات الأمثلة على التمييز في رصد الميزانيات ضد المواطنين العرب. وكتبت: كل الوزارات، وفي كل واحد من بنود ميزانياتها تقريبا، تمارس سياسة تمييز ضد العرب. وهذا التمييز جارف وواسع ومنتشر، إلى درجة أنه لا مفر من الاعتراف بأن الحديث يدور عن نهج، والأمر المزعزع أكثر هو أن هذا النهج يحكم على مواطني إسرائيل العرب بالفقر والجهل والإقصاء منذ سن الطفولة المبكرة. وهي ترى أن التمييز يبدأ أولا من ميزانية التعليم، ولا يترك للطفل العربي أي أمل بتقليص الفجوات بينه وبين الطفل اليهودي.

تشير معطيات التقرير إلى أن الطلاب العرب ذوو تحصيل متدنٍّ في علامات الامتحانات التقييمية مثل بيزا وميتساف في كافة المواضيع وكافة الصفوف، قياسا بالتلاميذ اليهود وبضمنهم التلاميذ في جهاز التعليم الحريدي، الذي يعتبر مجتمعا ضعيفا.

وتفوق نسبة التسرب من المدارس العربية بـ50% النسبة في المدارس اليهودية، ويبرز عدم نجاح الطلاب العرب حتى لدى الذين ينجحون في إنهاء المدرسة الثانوية، إذ أن 23% منهم فقط يحصلون على شهادة بجروت بعلامات نوعية تمكنهم من الالتحاق بالجامعات، بينما النسبة تصل إلى 47% لدى اليهود.

والتمييز ضد الطلاب العرب يظهر في كافة المؤشرات. فهناك نقص بنسبة 30% في الغرف الدراسية، أما في الحضانات وروضات الأطفال فيصل النقص بالغرف إلى الثلثين. كما أن قسما من التلاميذ العرب لا يزال يتعلم بغرف متنقلة والاكتظاظ في الصفوف بالغ.

الوضع أصعب في مؤسسات التعليم العالي، حيث أن 13% من طلاب الجامعات هم عرب، بينما نسبتهم بين المواطنين 22%. وتتراجع النسبة بين طلاب الماجستير إلى 10% و5% بين طلاب الدكتوراه. ويعني ذلك أن احتمال وصول العرب إلى وظائف نوعية، ذات دخل مرتفع، هو أمر شبه مستحيل، "ما يعني عمليا، أن دولة إسرائيل لا تمنح الشاب العربي فرصة متساوية في أية مرحلة"، وفقا لأرلوزوروف. فإسرائيل تحتل المكان الثاني بين 65 دولة من حيث عمق الفجوات فيها، بعد الولايات المتحدة.

وفقا للمعطيات يحصل الطالب اليهودي في المدرسة الابتدائية على ميزانية أعلى بنسبة 30% من الميزانية التي يحصل عليها الطالب العربي. وتتسع الفجوة في المدارس الإعدادية، حيث يحصل التلميذ اليهودي على ميزانية أعلى من التلميذ العربي بـ50% وفي المدارس الثانوية بـ75% (معطيات أواسط 2016). أي أن الميزانية التي يحصل عليها الطالب اليهودي ضعفا ما يحصل عليه الطالب العربي. ميزانية وزارة التعليم ليست شفافة وبشكل مقصود، فمقاييس رصد الميزانيات ليست معلنة وليست واضحة.

وعند إضافة الميزانيات التي تحصل عليها السلطات المحلية ودفعات الأهالي لسلة التعليم، فإن الميزانية التي يحصل عليها الطالب العربي تصبح أقل بنسبة تتراوح ما بين 78% - 88% قياسا بالطالب اليهودي، ما يعني أنه بالنسبة لجهاز التعليم العام في إسرائيل، يساوي الطالب العربي تُسع الطالب اليهودي!