وصفت صحيفة "هآرتس" نتيجة "المعركة" التي خاضها المستوطنون في المناطق المحتلة منذ 1967 من أجل عدم إخلاء بؤرة "عمونه" الاستيطانية تنفيذًا لقرار صادر عن المحكمة الإسرائيلية العليا، بأنها "انتصار مطلق" لهؤلاء المستوطنين.

وقد تمخضت هذه "المعركة" عن قيام رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير التربية والتعليم نفتالي بينيت (رئيس حزب "البيت اليهودي") في مطلع الأسبوع الحالي بطرح اقتراح جديد يُتاح لمستوطني البؤرة بموجبه إمكان مضاعفة عدد البيوت في قطعة الأرض البديلة التي سيحصلون عليها من 12 إلى 24 بيتًا.

وأشارت "هآرتس" أيضًا، في سياق افتتاحية أنشأتها بهذا الشأن أمس (الاثنين)، إلى أنه منذ بداية مشروع الاستيطان (تقصد في المناطق المحتلة منذ 1967) شكل المستوطنون "أقوى مجموعة ضغط" في السياسة الإسرائيلية. وهم ابتزوا بوسائل مختلفة جميع حكومات إسرائيل على مدار السنوات، وأرهبوا قادة الجيش الإسرائيلي أيضًا. لكن برأيها أدت "قضية عمونه" إلى وصول هذه الممارسات إلى الدرك الأسفل من الانحطاط. فتحت غطاء الحرص على 40 مبنى، نجح المستوطنون مرة أخرى في أن يسخروا من الدولة وأن يبتزوها من أجل الحصول على موافقة مسبقة على آلاف المباني الأخرى.

وأبدت الصحيفة دهشتها من قبول الجمهور الإسرائيلي بجميع هذه الخطوات بلامبالاة، وهو الذي سيدفع في نهاية المطاف الثمن حتى من الناحية الاقتصادية في ضوء تخصيص ما لا يقل عن 130 مليون شيكل من أجل إخلاء وإعادة إسكان 40 عائلة للمستوطنين سكنت عن علم وقصد على أراض خاصة مسروقة.

لا نعتقد أن ثمة مجالًا لإبداء الدهشة. فمستوطنو "عمونه" لا يمثلون "أعشابًا شاذة" في تربة السياسة الإسرائيلية، بل هم أصحاب القرار.

ويتفق الأديب الإسرائيلي البارز أ. ب. يهوشوع مع استخلاص "هآرتس" بشأن "الانتصار المطلق للمستوطنين"، كما تدل آخر تصريحات أدلى بها إلى وسائل إعلام إسرائيلية (اقرأ عنها في مكان آخر من هذه الصفحة).

وبحسب ما يعتقد هذا الكاتب، شأنه شأن غيره من صُنّاع الرأي العام في إسرائيل، فإن الفحوى الأعمق لـ"انتصار" المستوطنين الذي يقول به، يتمثل بتحويل ما يُسمّى بـ"حل الدولتين" إلى شبه مستحيل، من طريق "فرضهم حقائق في الميدان لا يمكن تغييرها".

لا شك في أنه لا يمكن التقليل من أهمية هذه النماذج من التحليلات التي تسعف في تشخيص آخر الوقائع والمستجدات المرتبطة بحيثيات الوضع الإسرائيلي الراهن وإحالاته في المستقبل المنظور على الأقل. لكن من الواضح أيضًا أنه لا يمكن عزو "انتصار" المستوطنين في مناطق 1967 إلى نفوذهم السياسي فقط بمنأى عن نفوذ القوى التي تؤججهم سواء في القاع أو في رأس هرم الحكم الإسرائيلي.

ولا بأس من تكرار أن ما بات يُعرف بـ"قضية عمونه" تشكل محطة مهمة في سبيل فهم التغيرات التي طرأت على السياسة الإسرائيلية خلال العقد الأخير، وتمثل حالة دراسية ملفتة لفهم ظاهرة تغلغل المستوطنين وتأثيرهم على المشهد السياسي الإسرائيلي الرسمي وغير الرسمي. فمنذ عقدين على إقامة هذه البؤرة الاستيطانية لم تنجح الحكومات الإسرائيلية المتتالية في إخلائها بل أخذت بالتجذر والتوسع. كما أن قرارات المحكمة العليا القاضية بتأجيل أو تسويف عملية إخلاء البؤرة، بناء على طلب الدولة، سبع مرات منذ العام 2008، تعتبر أبلغ دليل على تغلغل المشروع الاستيطاني بشخوصه وأفكاره ومشروعه في ما يسمى "دولة إسرائيل ضمن حدود عام 1948".

ولئن كان اقتراح الحل الجديد السالف بمثابة "آخر فصل" في هذه القضية فإن الاستنتاجات المطلوب استخلاصها هي التالية:


1- تمثل "قضية عمونه" ومسألة إخلائها برهانًا على ثبات المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، وعلى تحوله إلى مشروع عصيّ على الإخلاء؛
2- صراع اليمين والمستوطنين ضد إخلاء "عمونه" جاء ضمن استراتيجيا عامة تهدف إلى تجذير مشروع الاستيطان في الضفة الغربية، وبحيث تكون آخر نقطة استيطانية يتم إخلاؤها (هذا في حال إخلائها)؛


3- استغل اليمين هذه القضية لطرح مسألة هدم البيوت العربية الفلسطينية سواء داخل الخط الأخضر أو في الضفة الغربية وتحديدا في مناطق "ج"، من أجل الضغط على الأجهزة التنفيذية والتخطيطية لهدم هذه البيوت بزعم أن القانون لا ينفذ بشكل عادل بين البيوت غير المرخصة؛
4- كما استغل اليمين القضية لتسعير هجمته على الجهاز القضائي في إطار هجمة أوسع وأشد شراسة لكبح جماح كل من يخالفه الرأي.

ومع اقتراب نهاية عام آخر تراكمت مزيد من الوقائع على هذه الهجمة التي تتوسل بميل عام لدى الجمهور الإسرائيلي يرى أنه من أجل مواجهة المشاكل التي تعاني منها إسرائيل، فإن الدولة في حاجة إلى "زعيم قوي لا يأبه بالكنيست أو بوسائل الإعلام أو بالرأي العام"، وفق ما أظهر استطلاع "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية 2016" الذي نشرنا تقريرًا عنه في مكان آخر من هذه الصفحة.