لم تُثر القمة العربية التي عُقدت في البحر الميت في الأردن، يوم الأربعاء الماضي، اهتمام السياسيين الإسرائيليين الذين امتنعوا عن التعقيب عليها لسبب ما، وربما يلجأون إليها في خطابات في المستقبل. لكن محللين إسرائيليين تطرقوا إليها، في اليوم التالي، الخميس الماضي، وتناولوها من زاويتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالقضية الفلسطينية، بينما تتعلق الثانية بإيران وبالبيان الختامي، "إعلان عمان"، الذي جاء معتدلا.

القضية الفلسطينية أم إيران؟

رأى محلل الشؤون العربية في موقع "واللا" الالكتروني، أفي سخاروف، أن "القمة التي اختتمت في الأردن أشارت إلى اتجاهات بارزة يمكن أن تكون لها انعكاسات بعيدة المدى على إسرائيل". وأردف أن "القضية الفلسطينية، لأسف قادة دولة إسرائيل، عادت هذه المرة إلى مركز الحلبة. وبعد شهور طويلة شرح خلالها لنا خبراء وسياسيون من اليمين (الإسرائيلي) أن الدول العربية لا تأبه بالفلسطينيين، غيرت فجأة الدول التي أظهرت اشمئزازا علنيا من الانشغال بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني توجهها. وذلك، على ما يبدو، في أعقاب تغير الإدارة في الولايات المتحدة. حتى أنها استعرضت جبهة موحدة بخصوص هذه القضية".

وأضاف سخاروف أن "الخلاصة التي وصلت إلها جامعة الدول العربية في القمة كانت: فلسطين أولا، Palestine First. أولا يجب حل هذه المسألة الفلسطينية الهامشية وغير المهمة (برأي إسرائيل)، وبعد ذلك بالإمكان التحدث عن تسوية إقليمية واسعة. وهذه هي الرسالة العلنية التي تعتزم الدول العربية التي شاركت في القمة نقلها إلى الإدارة الأميركية".

وتابع سخاروف أن "وحدة الصف العربية – السنية ليست أمرا عاديا، وخصوصا في السنوات الأخيرة"، مشيرا إلى الخلافات بين مصر والسعودية، وإلى المصالحة بين الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، والملك السعودي سلمان، بوساطة الملك الأردني عبد الله الثاني، وعودة السيسي والملك السعودي إلى "وصف إيران كعدو مشترك".

وأشار سخاروف إلى تقارير تحدثت عن أن السيسي والرئيس الفلسطيني، محمود عباس، والملك عبد الله الثاني سيستعرضون خلال لقاءاتهم مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سبل حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني بالاستناد إلى مبادرة السلام العربية. وكتب سخاروف أنه "إذا كانت هذه التقارير صحيحة، فإن الحديث هنا عن انتصار هام للرئيس الفلسطيني أبو مازن. فبعد نصف سنة من إدارة القاهرة ظهرها له بسبب خصمه محمد دحلان، تصالحت مصر مع رئيس السلطة وتُظهر الآن اهتماما واضحا بأن تكون جزءا من مفاوضات مستقبلية مقابل إسرائيل".

واعتبر سخاروف أن "هذه التحركات في الساحة العربية، إلى جانب الحراك المكشوف للمبعوث الأميركي، جيسون غرينبلات، تقود إلى الاستنتاج الحتمي بأن الحلبة السياسية استيقظت. ورغم أن الإدارة الأميركية لم تعلن بعد عن مطالب عينية وتجري اتصالات مع إسرائيل حول البناء في المستوطنات بهدوء وبعيدا عن الإعلام، إلا أن التصريحات الأخيرة لغرينبلات، خلال لقائه مع وزراء الخارجية العرب عن أن اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني سيكون له تأثير إيجابي على الشرق الأوسط والعالم كله، تحيل إلى أن الإدارة الحالية قد تدفع أجندة مقلقة بالنسبة لحكومة إسرائيل".

وتطرق إلى القمة العربية الصحافي والكاتب بنحاس عنباري، في مقال نشر في الموقع الالكتروني لـ"المركز المقدسي للشؤون العامة والدولة"، وهو مركز دراسات يميني يرأسه دوري غولد، المستشار السياسي لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وسفير إسرائيلي سابق في الأمم المتحدة. وبحسب عنباري، فإن القضية الفلسطينية "ليست المشكلة الحارقة بالنسبة للعالم العربي".

واعتبر عنباري أن "ما أرادت جامعة الدول العربية تحقيقه هو استعراض صورة وحدة عربية، وكأن العالم العربي هو جهة المجتمع الدولي مُرغم على أخذها بالحسبان. ولأن الموضوع الفلسطيني يوحدهم، بينما الموضوع الإيراني يقسمهم، فقد فضل الزعماء العرب إبراز العامل الموحد وطمس العامل المقسم... ولذلك تهربت دول الخليج من إلقاء خطابات، كي لا تعرض على الملأ ’الغسيل الوسخ’. فعُمان تؤيد إيران، وقطر شريكة إيران في حقول الغاز، لا تريد التحدث ضدها، بينما باقي الدول، والبحرين بالأساس، ضد إيران".

دور ملك الأردن

اعتبر الصحافي والإعلامي المتخصص بالشؤون العربية، يوني بن مناحيم، في مقال في موقع "المركز المقدسي"، أنه "لم يكن هناك أي جديد في قرارات القمة العربية"، ودعا إلى الانتباه للدور الذي لعبه الملك عبد الله الثاني. وكتب "من خلال نشاط دبلوماسي شخصي نجح الملك عبد الله في إدخال معظم زعماء العالم العربي المنقسم والمشرذم تحت سقف واحد وإحداث انطباع بوحدة وتضامن عربي، وبالأساس حول القضية الفلسطينية".

وأشار بن مناحيم في هذا السياق إلى وساطة ملك الأردن في المصالحة بين عباس والسيسي. وأضاف أن الملك عبد الله سيلتقي في وقت لاحق من الشهر الحالي مع ترامب "وسيطلعه على نتائج القمة والسبيل الذي بالإمكان، في تقديره، الدفع من خلاله بالمواضيع التي تهم الإدارة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط".

وتابع بن مناحيم أن القمة عززت مكانة ملك الأردن لدى ترامب "كجهة معتدلة وهامة من أجل تحقيق استقرار في الشرق الأوسط. فقد أظهر الملك عبد الله في الأسابيع الأخيرة قدرة مثيرة للإعجاب على المناورة السياسية وتحول إلى قائد الزخم السياسي بكل ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. واتضح بصورة غير متوقعة أنه نجح بإقامة علاقات وثيقة جدا مع الرئيس ترامب وتحول إلى ما يشبه ’مقاول تنفيذي’ للسياسة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط. والدليل الأبرز على ذلك كانت مشاركة غرينبلات كمراقب في مؤتمر القمة العربية" ولقاءاته مع الزعماء العرب على هامشه.

وأضاف بن مناحيم أن عباس كان أول من لاحظ قدرات عبد الله الثاني، وتعاون معه "من أجل الحصول على اعتراف الإدارة الجديدة بالسلطة الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للفلسطينيين"، وأن الملك نجح في إقناع ترامب بأن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس سيشكل خطرا على المصالح الأميركية في المنطقة، "والرئيس ترامب اقتنع وجمّد ’بنعومة’ هذه الخطوة كي لا يثير غضب إسرائيل".

كذلك فإن "الملك أقنع الرئيس الأميركي بأهمية استمرار حكم السلطة الفلسطينية في الضفة، الأمر الذي جلب المحادثة الهاتفية بين ترامب وعباس ودعا الرئيس الأميركي خلالها رئيس السلطة إلى لقاء في البيت الأبيض في شهر نيسان".

وعزا بن مناحيم أداء الملك عبد الله إلى صعوبات اقتصادية يعاني منها الأردن مؤخرا، نتيجة لوقف مساعدات دول الخليج، وخصوصا السعودية. وأشار إلى أن الملك نجح في الحفاظ على استقرار الأردن رغم تهديدات تنظيم "داعش" على أمنه، "لكنه قلق من التطورات الأخيرة في الموضوع الفلسطيني ومن إمكانية انهيار السلطة الفلسطينية، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على حالة الاستقرار في المملكة الهاشمية. وهذا هو السبب الرئيس الذي جعله يدفع المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين إلى الأمام على أساس حل الدولتين... ويخشى من عودة إسرائيل إلى طرح الادعاء بأن ’الأردن هي فلسطين’".

ووفقا لبن مناحيم، فإن "ما يوجه الملك عبد الله هو بالأساس مصالح المملكة الهاشمية واستقرارها الاقتصادي والأمني والسعي إلى تهدئة ما يجري بالقرب من حدودها، عند الحدود مع إسرائيل والحدود مع سورية والعراق. ولذلك، فإنه سيفعل كل ما هو مطلوب من أجل منع تغلغل مشاكل وأزمات إلى الأراضي الأردنية، وهو ينجح في ذلك بشكل جيد مثلما نجح من قبل والده الملك حسين".

سورية وإيران

أشار محلل الشؤون العربية في صحيفة "هآرتس"، تسفي بارئيل، إلى أن البيان الختامي للقمة العربية لم يذكر اسم رئيس النظام السوري، بشار الأسد، ولم يتطرق إلى طبيعة النظام المطلوب تأسيسه في سورية في المستقبل. لكن البيان ذكر قرارات محادثات جنيف حول مستقبل سورية وقرار الأمم المتحدة رقم 2254، الصادر في العام 2015، والذي يقول إن الشعب السوري هو من يقرر مستقبل البلاد.

واعتبر بارئيل أن "بالإمكان أن نرى في ذلك تغييرا في الموقف العربي الذي يلائم نفسه للواقع الميداني، وللتدخل النشط لروسيا التي تواصل دعم الأسد، واعتراف بأن إيران ستكون جزءا من الحل".

ورأى بارئيل أن "هذا يعني أن التطلع الإسرائيلي إلى الانضمام إلى كتلة عربية معتدلة، معادية لإيران ومؤيدة لأميركا، ليس واقعيا بالضرورة، لأن الدول العربية لا ترى علاقة بين الصراع العربي – الإسرائيلي والموقف تجاه إيران، وأيضا بسبب خلافات حول مسألة العلاقات مع إيران".

وأضاف بارئيل أنه "بصورة متناقضة، يوجد حتى اتفاق بين الدول العربية وإيران، وبين إيران والولايات المتحدة، فيما يتعلق بالحرب ضد داعش والمنظمات الإسلامية الراديكالية مثل جبهة فتح الشام، جبهة النصرة سابقا، التي تصفها إيران والولايات المتحدة كمنظمات إرهابية".

وتابع بارئيل أنه "بإمكان السعودية أن تخفض في هذه الأثناء مستوى الهلع من إمكانية أن تتبنى إدارة ترامب إيران على حسابها، مثلما تشككت بأن إدارة أوباما ستفعل ذلك. وفي المقابل، فإن الائتلاف الذي شكلته، وفي عضويته تركيا التي تقيم علاقات تجارية متشعبة مع إيران، لا يمكنه ضمان اجتثاث إيران، خاصة عندما أصبحت روسيا، التي حصلت على إذنٍ باستخدام قواعد إيرانية من أجل مهاجمة أهداف في سورية، تعتبر أكثر فأكثر كمن تسيطر في الشرق الأوسط".