منذ التوقيع على اتفاقيات أوسلو في أيلول 1993، جرت عمليا ثلاث جولات ونصف الجولة من المفاوضات حول التسوية الدائمة (قمة كامب ديفيد الثلاثية في العام 2000، والتي استندت إلى معايير الرئيس بيل كلينتون، وعملية- مؤتمر- أنابوليس 2007 - 2009، ومبادرة وزير الخارجية الأميركي جون كيري 2013 - 2014).

وقد مُنيت جميع هذه الجولات بالفشل في ضوء فجوات غير قابلة للجسر بين مواقف الطرفين في القضايا الجوهرية المتعلقة بالتسوية الدائمة، ونظرا لانعدام التناظر في أهداف المفاوضات. ولم تجدِ أيضا جميع المحاولات الهادفة إلى تخطي المشكلة عن طريق اللجوء إلى توجهات مختلفة لدفع المفاوضات قدما.

وقد أفضى كل ذلك إلى اندلاع موجات عنف وإلى جمود عميق في المفاوضات وتقويض آمال الطرفين بالتوصل إلى تسوية.

يسعى هذا المقال إلى تفحص مسألة ما إذا كانت خيارات وإمكانات التسوية الدائمة قد سقطت من جدول الأعمال، وذلك عن طريق بعدين مختلفين: القضايا الجوهرية وأهميتها في القدرة على التوصل إلى تسوية، وتطور التوجهات المختلفة إلى حالة إلتفاف على، أو معالجة للقضايا الجوهرية والتقدم في العملية السياسية.

بعد هذا التفحص يتناول المقال الحل المقترح والذي ينبثق عن تحليل وتفحص دروس وعبر المفاوضات، وذلك استنادا إلى فرضيتي عمل، الأولى: أن حل الدولتين هو الإمكانية الأفضل، والثانية: أنه لا مفر من أجل تطبيق هذا الحل من وجود سلطة فلسطينية قوية ومسؤولة وتؤدي عملها كما يجب.

إن الطريق المقترح هنا يتمثل في تدشين عملية انتقالية من دون تطلعات لحل سريع وموحد لكل الخلافات بين الطرفين، ولكن على أن تسعى هذه العملية لخلق واقع دولتين.

مراجعة لجولات المفاوضات

تحول إعلان المبادىء والاتفاقية الانتقالية اللذان تم التوصل إليهما في أوسلو إلى حجر الزاوية في العلاقات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وما زالت هذه المبادىء تشكل في عدد من المجالات أساسا لتنظيم شبكة العلاقات بينهما.

إن المساهمة الرئيسة التي قدمتها اتفاقيات أوسلو هي إعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود وتعهد المنظمة بالامتناع عن القيام بأية أعمال مقاومة عنيفة ضدها، جنبا إلى جنب مع اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني وكشريك في المفاوضات.

إضافة الى ذلك فقد رسمت عملية أوسلو وجولات المفاوضات التي جرت في أعقابها، ومن ضمن ذلك القرارات الدولية، نموذج الحل المتمثل في دولتين قابلتين للحياة، تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وأمن بين النهر والبحر.

أما الحلول النظرية الأخرى، مثل دولة واحدة ثنائية القومية، أو دولة جميع مواطنيها، وإمكانية "ثلاث دول" (تشمل الضفة الغربية وإسرائيل وقطاع غزة ككيانات مستقلة تحت إدارة ذاتية)، وكونفدرالية أردنية – فلسطينية، أو كونفدرالية إسرائيلية – فلسطينية (حيز جغرافي واحد لدولتين)، فلم تُبحث بصورة رسمية من جانب الطرفين.

الفجوات في القضايا الجوهرية

تعمقت بمرور السنوات الفجوات التي ظهرت في القضايا الخلافية الجوهرية، ولا سيما عقب فقدان الثقة بين الطرفين وتغير البيئة الإستراتيجية. ففي هذه المسائل ثمة موتيف – عنصر رئيسي – راسخ وعاطفي يكبح أي تقدم.

ففي موضوع الحدود والأراضي قضى الموقف الإسرائيلي الذي عرض في معظم جولات المفاوضات بأن حدود العام 1967 ليست قابلة للدفاع (وفق تفسيرها - أي إسرائيل- لقراري مجلس الأمن 242 و338) وأنه يجب أن يؤخذ بالحسبان عند رسم خط الحدود المستقبلي بين الدولتين، الوضع الذي نشأ في المنطقة - على الأرض - منذ العام المذكور، بمعنى وجود الكتل الاستيطانية.

في المقابل، يقول الفلسطينيون - بعدما تخلوا عن مطالبتهم بحدود التقسيم - إن قبولهم بقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة (حدود ما قبل حرب حزيران 1967) يشكل تنازلا كبيرا ومؤلما عن معظم أرض وطنهم، إذ إن دولتهم هذه ستقوم فقط على 22 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية. ولذلك فإن حدود 1967 تشكل، حسب رؤيتهم، نقطة البداية الدنيا في المفاوضات، وبالتالي فإنهم لا يستطيعون إبداء مرونة والموافقة على مساحة أقل من ذلك. هذا بينما يرى الجانب الإسرائيلي أن حدود العام 1967 تشمل مساحة أكبر من المساحة القصوى التي ستعطى للدولة الفلسطينية العتيدة.

وعلى الرغم من قبول إسرائيل بمبدأ أن المناطق التي احتلت في حرب حزيران 1967 هي الأساس لحساب مساحة أراضي الدولة الفلسطينية، فإن الطرفين يواجهان صعوبة في الموافقة على الحجم والتناسب في كمية ونوعية تبادل الأراضي. وقد طرح، في هذا السياق، على امتداد الجولات التفاوضية، موقف فلسطيني ثابت ملخصه تبادل أراضٍ متساوٍ في الكمية والنوعية، لا يزيد حجمه عن 9ر1 في المئة من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. في المقابل فقد تغير موقف إسرائيل تبعا لهوية رئيس الحكومة الفعلي، وقد ازدادت المرونة الإسرائيلية بمرور السنوات فيما يتعلق بالتنازلات الإقليمية. فقد عرض رئيس الحكومة السابق إيهود أولمرت، الصيغة الرسمية الأكثر سخاءً تجاه الفلسطينيين: ضم الكتل الاستيطانية بحجم 5ر6 في المئة إلى حدود إسرائيل، وتعويض الفلسطينيين في المقابل بإعطائهم أراضي من داخل إسرائيل بحجم 8ر5 في المئة، على أن تحول مساحة الفجوة المتبقية (7ر0 في المئة) إلى الممر (الآمن) الذي يربط بين قطاع غزة والضفة الغربية.

هذه الديناميكية أوجدت حافزا قويا لدى الفلسطينيين لعدم المساومة أو المرونة في المفاوضات وانتظار عرض إسرائيلي أفضل. مع ذلك وإذا ما أخذنا بالحسبان تركيبة الزعامة الإسرائيلية منذ ذلك الوقت والمناخ العام والسياسي المتكون، فإنه ليس من المتوقع أن يقدم في المستقبل القريب عرض سخي كعرض رئيس الحكومة السابق أولمرت.

مسألة الأمن: تقضي الرؤية الإسرائيلية بأن الأمن حيوي لإقامة وتوطيد علاقات سلام، وقد طالبت إسرائيل على امتداد السنوات بترتيبات أمنية تضمن عدم المساس بأمنها. في المقابل فإن وجهة النظر الفلسطينية ترى في السلام مكونا رئيسا في مجال الأمن. ويقر الفلسطينيون باحتياجات إسرائيل الأمنية، ولكن ليس على حساب سيادتهم الكاملة، في البر والجو والبحر. وعلى سبيل المثال ففي الوقت الذي يرى فيه الفلسطينيون في السيطرة الجوية في سماء الضفة الغربية مسألة سيادية، ترى إسرائيل أن هناك حاجة لمجالٍ جوي واحد يخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية مشددة. وقد وسعت حكومة إسرائيل، على أرضية التطورات في الشرق الأوسط والساحة الفلسطينية، مطالبها الأمنية لتشمل حرية عمل عسكري في كامل الحيز الفلسطيني دون قيود زمنية، غير أن هذا التوجه أو الطلب رفض جملة وتفصيلا من جانب الفلسطينيين.

مسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين: تمثل منظمة التحرير الفلسطينية السكان القاطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي أماكن اللجوء. كذلك فإن الالتزام تجاه اللاجئين الفلسطينيين يحد من مرونة منظمة التحرير الفلسطينية في كل ما يتعلق بالمطالبة بـ "حق العودة" للاجئي العام 1948. وبالنسبة للاجئين فإن الإقامة في دولة فلسطينية في الضفة الغربية وليس في الأماكن التي عاشوا فيها قبل العام 1948، يعني ضياع حلم العودة الماثل في قلب الرواية الوطنية الفلسطينية. وليس عبثا أنه جرى على امتداد السنوات تنمية ورعاية هذا الحلم في صورة الاحتفاظ بالمفتاح كرمز لتوق الفلسطينيين وتطلعهم للعودة إلى ديارهم وبيوتهم التي نزحوا عنها في العام 1948.

ويقول محمود عباس، كرئيس للسلطة الفلسطينية ولمنظمة التحرير الفلسطينية، إنه غير مخولٍ بالتنازل عن "حق العودة"، ولذلك لا يمكن له الموافقة على الرأي القائل بأن إسرائيل هي "البيت القومي" للشعب اليهودي، وأن تكون دولة فلسطين هي البيت القومي للشعب الفلسطيني، إذ أن ذلك يشكل من ناحية عملية تنازلا عن حق العودة. ويبدي عباس استعداده للمساومة حول حجم العودة، ولكن ليس حول الحق ذاته. من جانبها ترى إسرائيل في الاتفاق سبيلا للمحافظة على هويتها وخصوصيتها كدولة يهودية وديمقراطية، ومن هنا فإن الإعتراف، ناهيكم عن تجسيد حق العودة للاجئين الفلسطينيين، يعني بالنسبة لإسرائيل فقدان هويتها كبيت قومي للشعب اليهودي، ومساسا بالأكثرية الديمغرافية الماثلة في أساس الدولة اليهودية. بالإضافة إلى ذلك، تدعي إسرائيل أن الاعتراف بحق العودة يعني عدم القبول بنهاية المطالب. هذه الفجوات لا تؤدي فقط إلى عرقلة التوصل إلى تسوية دائمة، وإنما تقوض أيضا القدرة على التوصل إلى حل براغماتي يستجيب لإحتياجات كلا الطرفين.

مسألة القدس: يطالب الفلسطينيون طوال الوقت بقيام عاصمتين في القدس وبالسيطرة على الأماكن المقدسة للديانتين الإسلامية والمسيحية في المدينة، ولا سيما في الحرم القدسي الشريف. غير أن إسرائيل واجهت صعوبة في الاعتراف بعاصمتين في القدس. وقد تضمن عرض رئيس الحكومة أولمرت الذي كان سخيا في هذه المسألة أيضا، خطة مبادئ تكون بموجبها الأحياء اليهودية (التي أقيمت في القدس الشرقية بعد العام 1967) جزءًا من عاصمة إسرائيل، على أن تكون الأحياء العربية جزءًا من القدس الفلسطينية، وأن تطبق مكانة خاصة في منطقة "الحوض التاريخي" (الذي يشمل بلدة القدس القديمة، جبل الهيكل- الحرم القدسي الشريف، مدينة داود وجبل الزيتون)، التي يطالب الطرفان بالسيادة عليها، ويبديان استعدادا لإحالة صلاحيات إدارية فيها إلى طرف ثالث. غير أن الفلسطينيين رفضوا قبول هذا العرض أيضا، وبالتالي فقد ظلت الفجوات جوهرية بين الجانبين.

عائق المسائل الجوهرية

فيما عدا صعوبة التوصل إلى توافق في شأن كل مسألة من هذه المسائل أعلاه، ثمة عائق آخر يلقي بظلاله على المفاوضات، وينبع من واقع التعاطي مع هذه المسائل كوحدة واحدة يجب التوصل إلى حل حولها. وقد اختار الفلسطينيون، في كل مرة أوشكت فيها جولات المفاوضات على الاقتراب من خط النهاية والتوصل إلى حل نهائي يتضمن بحثا للمسائل الجوهرية كوحدة واحدة، الانسحاب من مائدة المفاوضات، سواء عن طريق رفض العرض المقترح أو عن طريق عدم التعامل مع مثل هذا العرض، دون تقديم اقتراح مضاد. وقد آثر محمود عباس عدم الرد إيجابا أو سلبا على اقتراح أو عرض رئيس الحكومة أولمرت في أواخر العام 2008، كذلك فعل عرفات الشيء ذاته في كامب ديفيد عام 2000 إزاء عرض رئيس الحكومة إيهود باراك، وفيما بعد أيضا عندما رفض المعايير التي وضعها الرئيس الأميركي بيل كلينتون للتسوية الدائمة. وقد رفض الرئيس عباس فكرة المرحلة الثانية في "خريطة الطريق"- إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود مؤقتة- ولم يوافق على التعاطي مع اقتراح وزير الخارجية الأميركي جون كيري بشأن مبادئ إطار لتسوية دائمة في أوائل العام 2014. لقد اختار عباس اللجوء لمقارعة إسرائيل في الساحة الدولية، حيث أنه يتمتع هناك بمكانة مفضلة كما أنه غير مطالب باتخاذ قرارات صعبة ومواجهة انتقادات داخلية واتهامات بالخيانة. هذه الظاهرة المتكررة تدل على أن الفلسطينيين غير مستعدين لإبداء أية مرونة في المعايير التي وضعوها لأنفسهم من أجل التوصل لاتفاق، ولا يمكن للقادة أن يبدوا مرونة أيضا واتخاذ قرارات صعبة لا تتماشى مع تطلعات الجمهور الفلسطيني. وعلى ما يبدو فإن الزعامة الإسرائيلية الحالية ستواجه أيضا صعوبة في اتخاذ قرارات تنطوي، إلى جانب تقديم تنازلات مؤلمة، على مخاطرة أمنية.

تطور التوجه لإدارة العملية السياسية

جرى على امتداد السنوات اختبار وتطبيق عدة توجهات استهدفت دفع عملية سياسية لجهة التوصل إلى تسوية دائمة. وقد رسمت محادثات أوسلو التوجه السيروراتي، الذين يتمثل في جوهره بمحاولة تشكيل واقع كيانين ضمن عملية متدرجة، عن طريق تطبيق خطوات بانية للثقة وإقامة حكم فلسطيني مستقل يرعى السكان الفلسطينيين. وقد كانت ثمة آمال في أن تؤدي بيئة كهذه إلى تعزيز التفاهمات والثقة بين الطرفين، وتعطي الجانب الفلسطيني مكتسبات إستراتيجية يسعى إلى المحافظة عليها، بمعنى ارتفاع قيمة "ثمن الخسارة" بالنسبة لهم. ومن ناحية عملية لم يلتزم كلا الطرفين بتعهداتهما تجاه الاتفاقية الانتقالية، واشترطا تجسيد هذه التعهدات بالتنفيذ المسبق من جانب الطرف الثاني، وسط توجيه اتهامات متبادلة بشأن الفشل وفقدان الثقة.

وفي ضوء فشل هذا التوجه (السيروراتي) طرح توجه حالة النهاية، وفحواه السعي للتوصل إلى اتفاق دائم. وهذا التوجه الذي تطور في فترة ولاية إيهود باراك، سعى إلى تحديد مسبق لمعايير التسوية الدائمة مع الفلسطينيين، وسط القفز عن المراحل الانتقالية. وقد كان هذا التوجه الأساس الذي عقدت بناء عليه قمة كامب ديفيد الثلاثية في العام 2000، وكان استمرارا للمعايير التي وضعها الرئيس الأميركي كلينتون للتسوية الدائمة. وبعد فشل محادثات كامب ديفيد ورفض ياسر عرفات لمبادئ الرئيس كلينتون اندلعت الانتفاضة الثانية بوتيرة إرهاب وعنف أودت بحياة كثيرين من كلا الجانبين، وأدت إلى فقدان الثقة وإلى التراجع عن التفاهمات وأشكال التعاون بين الجانبين. في ظل ذلك المناخ الذي ساد فيه الإرهاب والجمود السياسي، طرحت اقتراحات غير رسمية في مسارات التفافية، أي قنوات مفاوضات غير رسمية. أحد الأمثلة البارزة كانت مبادرة جنيف، التي بلورها خبراء إسرائيليون وفلسطينيون، والتي تضمنت تفاهمات حول جميع عناصر ومكونات التسوية الدائمة. في الوقت ذاته بلورت جامعة الدول العربية، ضمن قناة أخرى، "مبادرة السلام العربية" التي أبدت استعدادا لتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل مقابل التوصل إلى سلام عادل وقابل للحياة، يرتكز على انسحاب إسرائيل الكامل من كل الأراضي الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان). غير أن أيا من تلك المبادرات والقنوات غير الرسمية لم ينجح في إحراز الاختراق أو التقدم المطلوب، وذلك بسبب انعدام الثقة العميق وكذلك في ضوء إستمرار العنف والإرهاب.

في العام 2003 وفي محاولة لإعادة الطرفين إلى مائدة المفاوضات، بلورت "الرباعية الدولية"، بقيادة الرئيس الأميركي جورج بوش (الابن) "خريطة طريق للسلام"، وهي توجه سيروراتي تدريجي يضع جدولا زمنيا لخلق وتمهيد الظروف لإجراء مفاوضات حول التسوية الدائمة. وقد عرضت الوثيقة الشروط التي اعتبرتها اللجنة الرباعية الدولية شروطا حيوية من أجل بحث القضايا الجوهرية في الاتفاق الدائم. وقد كانت الغاية رسم محور زمني ينقسم إلى ثلاث مراحل مركزية، تقوم في نهايتها دولة فلسطينية مستقلة ويسود تطبيع في العلاقات بين إسرائيل والدول العربية. وأكدت خطة "خريطة الطريق" الحاجة إلى الأمن والاستقرار كشرط مسبق للمفاوضات، إلى جانب وقف البناء في المستوطنات وضرورة بناء الأساس الملائم لقيام دولة فلسطينية. غير أن كلا الطرفين لم يلتزما بالتعهدات التي قطعها كل منهما على نفسه في المرحلة الأولى.

التوجه أحادي الجانب: لقد اختير هذا التوجه باعتباره الخيار المفضل لدى حكومة أريئيل شارون في ضوء استمرار الإرهاب وإدراك الحكومة ذاتها أن ياسر عرفات غير معني بالتوصل إلى اتفاق سلام.

في العام 2002 صادقت الحكومة الإسرائيلية على إقامة جدار الأمن (جدار الفصل) وذلك لحماية مواطني إسرائيل من تسلل "مخربين" ووقوع عمليات إنتحارية في الأراضي الإسرائيلية ذاتها وفي الكتل الاستيطانية المتاخمة للخط الأخضر. وقد تمثلت الخطوة الأحادية الجانب التي نفذت لاحقا في الانفصال عن قطاع غزة وشمال الضفة الغربية في العام 2005. وقد كان المنطق في هذا السياق أيضا مشابها إذ كان يتعين على إسرائيل أن تصوغ بنفسها الواقع الأمني المريح لها، وانطلاقا من الإدراك بأن السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة هي عبء إستراتيجي أكثر من كونها مكسبا. لقد اعتقد أريئيل شارون بأن إنهاء السيطرة والمسؤولية الإسرائيليتين على مليون ونصف المليون فلسطيني في القطاع (قرابة مليوني فلسطيني حاليا) من شأنه أن يحسن الوضع الإستراتيجي لإسرائيل وأن يرغم الفلسطينيين على تحمل المسؤولية وعلى برهنة قدرتهم على صعيد بناء دولة وإقامة حكم ذاتي فاعل. غير أن الآمال التي علقت على الانفصال تبددت عندما سيطرت حركة حماس على قطاع غزة في العام 2007، ما أدى إلى تصدع غير قابل للرأب بين قيادة السلطة الفلسطينية وحركة فتح من جهة وقيادة حركة حماس في قطاع غزة من جهة أخرى، والذي أثار مخاوف شديدة في إسرائيل فيما يتعلق بانعكاسات تنفيذ انفصال مشابه عن الضفة الغربية.

التوجه المدمج- التوجه السيروراتي وتوجه حالة النهاية: في أعقاب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة والتغييرات في صفوف الزعامة الفلسطينية بعد وفاة عرفات، جرت محاولة لإيجاد عملية سلام تتجاوز حماس. وقد كانت النتيجة عقد مؤتمر السلام في أنابوليس في العام 2007 برعاية أميركية ومشاركة ممثلي دول الرباعية الدولية والعديد من الدول العربية، وذلك كنقطة انطلاق لاستئناف محادثات السلام. وكانت الفكرة هي الدمج بين التوجه السيروراتي التدريجي المنصوص عليه في خريطة الطريق وبين توجه حالة إنهاء المفاوضات الذي يركز على تسوية دائمة شاملة. وقد أجرى الطرفان مفاوضات حثيثة للتوصل إلى اتفاق دائم جنبا إلى جنب مع تنفيذ المرحلة الأولى في خريطة الطريق، والذي يشكل شرطا مسبقا لتطبيق تسوية دائمة وسط تعزيز وتقوية زعامة السلطة الفلسطينية وقاعدتها السلطوية.

غير أن المحادثات تعرضت لانتكاسة وتوقف في نهاية العام 2008 دون أن يرد الجانب الفلسطيني على عرض رئيس الحكومة أولمرت تقديم تنازلات متبادلة.

وجاءت عملية "الرصاص المصبوب" العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة ومن ثم إستقالة أولمرت من رئاسة الحكومة لتوفرا سببا للفلسطينيين، إن لم نقل ذريعة، للامتناع عن إعطاء رد على عرض الاقتراح الإسرائيلي ولتحويل العملية السياسية برمتها إلى عملية عقيمة.

وفي صيف العام 2013 دشن وزير الخارجية الأميركي جون كيري جولة مفاوضات استمرت تسعة أشهر بهدف بلورة مبادىء لاتفاقية إطار بشأن التسوية الدائمة، وذلك جنبا إلى جنب مع تنفيذ خطوات لبناء أجواء داعمة للعملية السياسية. وقد جرى ذلك في ظروف صعبة سادها انعدام ثقة وجمود مستمر وشعور في صفوف الجمهور لدى الجانبين بعدم القدرة على التوصل إلى تسوية دائمة. وقد مُنيت "جولة كيري" أيضا بالفشل بعدما رفض الرئيس عباس الرد على المبادىء التي عرضها وزير الخارجية الأميركي. مع ذلك فإن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لم يكتفِ بالترتيبات الأمنية التي اقترحها الأميركيون، كما أنه لم يبدِ إستعدادا لإقامة عاصمتين في القدس. إلى ذلك فإن حقيقة استمرار حكومة نتنياهو في أنشطة البناء في المستوطنات خلال المفاوضات أُعتبرت في نظر الفلسطينيين والمجتمع الدولي بمثابة برهان على عدم رغبة حكومة إسرائيل في تقديم التنازلات اللازمة لحل الدولتين. وقد رفض الفلسطينيون من جهتهم تقديم أي تنازل قبل أن تقوم إسرائيل علنا برسم حدود الدولة الفلسطينية، ووضع جدول زمني لإخلاء المستوطنات والاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية. إضافة الى ذلك رفض الجانب الفلسطيني بشدة الإعتراف بإسرائيل كـ "دولة قومية للشعب اليهودي".

وبعد بضعة أسابيع اندلعت مجددا أعمال العنف في المنطقة وذلك مع بداية عملية "الجرف الصامد" في قطاع غزة، الأمر الذي جعل نهاية النزاع تبدو أبعد من أي وقت مضى.

[يتبع]
______________________________

(*) أودي ديكل- عميد احتياط وباحث كبير في "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب. إيما بتراك- مساعدة بحث في "معهد دراسات الأمن القومي". هذا المقال ظهر في العدد الأخير (كانون الثاني 2017) من فصلية "عدكان إسترتيجي" (المستجد الإستراتيجي) الصادرة عن المعهد.

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي