(*) اسم الكتاب: "اللوبي الصهيوني والرأي العام في بريطانيا- النفوذ والتأثير"
(*) اسم المؤلف: الدكتور نوَّاف التميمي
(*) إصدار: الدار العربية للعلوم ناشرون، ومركز الجزيرة للدراسات، تشرين الأول 2016م

(*) عدد الصفحات: 206

 

يعمل الدكتور نواف التميمي في لندن كباحث متخصص في الشؤون السياسية البريطانية، وحصل على شهادة الدكتوراة من جامعة غرب لندن وكانت أطروحته عن الاتصال المؤسساتي، وهو نشيط في الصحافة العربية الصادرة في لندن منذ ربع قرن، وأصله من قرية النبي صالح قضاء رام الله.

يتناول التميمي في كتابه هذا قضية هامة وشائكة، فعبر 206 صفحات يدخل في عمق المؤسسات والمنظمات الصهيونية في بريطانيا، ويوضح آلية عملها، ومدى تأثيرها.

الكتاب صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، ومركز الجزيرة للدراسات في تشرين الأول 2016م.

قسم التميمي كتابه إلى مقدمة وسبعة فصول، وختمه بخلاصات وتوصيات.

في مقدمته يبيّن اهتمام الحركة الصهيونية المبكر بأهمية منظمات الضغط والدعاية السياسية في التأثير على الرأي العام، وكذلك السعي الحثيث للحصول على تأييد بريطانيا بصفتها الدولة العظمى بذلك الوقت والمهيمنة على الأوضاع في فلسطين.

ويورد آراء الكثير من قادة الحركة الصهيونية الذين تنبهوا لأهمية الإعلام ودوره في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. فديفيد بن غوريون قال: "لقد أقام الإعلام دولتنا على الخارطة، واستطاع أن يتحرك للحصول على مشروعيتها الدولية، وتكريس جدارة وجودها، قبل أن تصبح حقيقة واقعة على الأرض". (ص 10).

أما يهوشفاط هركابي، الذي تقلد منصب مستشار الأمن القومي في سبعينيات القرن الماضي، فإنه يؤكد على الدور الذي لعبه الإعلام في السابق، ودوره الذي لا ينتهي في التأثير، قائلاً: "لقد كان الرواد يُعطون أهمية مضافة للإعلام ووسائل الاتصال، باعتبارها المرتكزات والمداميك للمشروع الصهيوني، ولذا ما زلنا نعمل بوسائل إعلامنا الكفؤة والمرتكزة على أيديولوجيتنا في الرأي العام وعرض قضيتنا العادلة على العالم" (ص 9).

أما عن الدور البريطاني المحوري في تقديم الدعم اللامحدود للحركة الصهيونية، ومحاولة الحصول على أكبر دعم ممكن منها، فقد اهتم هرتسل بها لأنها كانت مركز الثقل العالمي، ولأنها ستتفهم أهداف الحركة الصهيونية وتساعدها لأنها تحكم ما وراء البحار. ولقد تغلغلت المنظمات الصهيونية في الأوساط البريطانية ونجحت في تشكيل جماعات ضغط أثرت على السياسة الرسمية وعلى المزاج الشعبي لعقود طويلة وما زالت تنجح في الحفاظ على الدعم البريطاني رغم تغيير الحكومات، ومهما كانت الظروف، وكأن دعم الحركة الصهيونية من أواليات الحكومات البريطانية.

جماعات الضغط والدعاية السياسية

تحاول التشكيلات السياسية والاقتصادية والنقابية التأثير على سياسات الدول، من خلال الضغط على صُنَّاع القرار والرأي العام لتحقيق المكاسب المعنوية والمادية لها، أو اجتناب مخاطر تضر بمصالحها، ويطلق على جماعات الضغط أو المصالح لفظ اللوبي، ويعني باللغة العربية "الردهة أو الرُّواق"، ذلك أن ممثلي جماعات الضغط "غالباً ما يتجوَّلون في ردهات المؤسسات الحكومية والتشريعية، حيث يلتقون صُنَّاع القرار ويحاولون التأثير عليهم" (ص 19).

وتستخدم جماعات الضغط الكثير من الوسائل والأدوات في عملها ومن أهمها الدبلوماسية العامة والعلاقات العامة وتوظيف الدعاية لتمرير خطاباتها وإحداث التأثير المطلوب على الجمهور المستهدف.

ورأت الحركة الصهيونية أن قيام دولة إسرائيل زادت من أهمية الدعاية والإعلام، ومهمتهما مستمرة وتتطور حسب احتياجات الدولة، وما زالت تعمل على تدعيم الخطاب الدعائي ووسائل الإعلام بالإمكانيات الهائلة التي تناسب المرحلة.

واستفادت الحركة الصهيونية في بناء جهازها الدعائي من النظريات العلمية في علم الاجتماع والنفس، واقتبست من تجربة الدعاية الماركسية زمن الاتحاد السوفييتي السابق.

ومن أجل حشد الرأي العام العالمي لدعم مشروعها في فلسطين، وفرت كل الإمكانيات المادية والبشرية والتقنية، وهدفت إلى "تحويل الرأي العام العالمي من مجرد جمهور متعاطف إلى قوى ضغط على مراكز القرار السياسي" (ص 39).

وارتكزت الدعاية الصهيونية على أن وجود إسرائيل حقيقة تاريخية، وأنها تحقيق لوعد إلهي، وأنها دولة تسعى إلى السلام والتعاون مع محيطها العربي المعادي غير أن العرب لا يقبلون بحق إسرائيل بالحياة. كما تهتم الدعاية بإظهار إسرائيل كدولة ديمقراطية وحيدة في الشرق الأوسط، وأنها دولة صغيرة تعيش في بحر من العداء والدكتاتورية.

وأفلحت إسرائيل في إيجاد داعمين لها في البرلمان البريطاني، لهم تأثير كبير في قيادة السياسة البريطانية، وقال الكاتب ستيورات ليتلود إن لليهود والمتصهينين تأثيراً "يتضاعف كثيراً مع العلاقات السرية لقادة حزب المحافظين وحزب العمال مع اللوبي المؤيد لإسرائيل" (ص 61).

واستطاعت إسرائيل إنشاء الكثير من المنظمات العلنية والسرية التي تهدف إلى الدفاع عن إسرائيل وتحسين صورتها، وربح الرأي العام البريطاني، ومحاربة الآراء المعارضة لإسرائيل وتحطيمها. ومن أشهر المنظمات "مجلس ممثلي اليهود البريطانيين" و"المركز البريطاني- الإسرائيلي للاتصال والأبحاث". وهناك الحملات مثل: حملة "نحن نؤمن بإسرائيل" وحملة "قِفْ معنا" وغيرها الكثير. وهناك العشرات من المؤسسات الصحافية والتلفزيونية التي استطاع المال اليهودي الوصول إليها والسيطرة عليها، والنفوذ الكبير في المؤسسة العامة البريطانية "بي بي سي" لا يخفى على أحد.

ولا تكتفي منظمات اللوبي الناشطة في بريطانيا بأساليب التعبئة والترغيب لاستمالة الرأي العام، بل إنها تلجأ إلى أساليب الترهيب، التي "تتراوح بين تشويه السمعة- "الاغتيال المعنوي"- مروراً بكل أشكال الضغط المادي والنفسي، الذي يستهدف الجماعات والأحزاب والأفراد الذين تصدر عنهم مواقف أو تصرفات غير مؤيدة لإسرائيل أو تنتقدها أو تُعبِّر صراحة عن تأييد الشعب الفلسطيني" (ص 121).

في الفصل السادس يتطرق التميمي إلى القضية الفلسطينية واتجاهات الرأي العام البريطاني، فمنذ وعد بلفور 1917م وحتى بداية الألفية الجديدة اتسمت العلاقة بالدعم والتأييد اللامحدود من قبل الحكومات المتعاقبة، ومشاعر الإعجاب والتعاطف من قبل الجمهور البريطاني، إلا أن العقود القليلة الماضية شهدت عدم رضا على السلوكيات الإسرائيلية بشكل طفيف، وازداد هذا الشعور قوة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وارتكاب الجرائم بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني. وكان لاندلاع الانتفاضات الفلسطينية من قبل الشعب الأعزل ومحاولة إسرائيل كسرها بواسطة القوة والعنف، وانطلاق عملية السلام، أن غيرت في الرأي العام البريطاني، فقد اعترف العالم بمنظمة التحرير كممثل لحقوق الشعب الفلسطيني، وكان لفشل مفاوضات السلام، واستمرار الاعتداءات على الشعب الفلسطيني أن حصل ميل إلى الحقوق الفلسطينية من قبل الرأي العام العالمي، والأوروبي خصوصاً، فكانت المواقف "أكثر وضوحاً وصراحة في اتجاه مناصرة الحقوق الفلسطينية ومناهضة السياسات الإسرائيلية العدوانية المضرّة بالجهود الرامية إلى تحقيق السلام في المنطقة" (ص 141). وهذا ظهر في العديد من استطلاعات الرأي التي كانت نتيجتها أن الشعوب في أوروبا تحمل إسرائيل مسؤولية العنف في المنطقة، ففي استطلاع جرى عام 2002 وأجرته مؤسسة "مكافحة التشهير" اليهودية، قال 38% من المستطلعين الأوروبيين إنهم يعتقدون "أن معاملة إسرائيل للفلسطينيين تشبه سلوك نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا" (ص 142).

مظاهر التحوُّل في الرأي العام البريطاني

وتجلت مظاهر التحوُّل في الرأي العام البريطاني في ثلاثة مستويات رئيسية، وهي: اتجاهات الرأي العام، وتوسُّع حركة مقاطعة إسرائيل التي ازدادت خاصة في الجامعات البريطانية، وكذلك الاعتراف غير الملزم من قبل البرلمان البريطاني بدولة فلسطين.

وفي الفصل الأخير يناقش الباحث العوامل التي تؤثر إيجابا في الرأي العام البريطاني، وكذلك العوامل المؤثرة سلبا.

أما بالنسبة للحكومة البريطانية، فقبل وقت قريب، طالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بريطانيا بالاعتذار عن وعد بلفور، الذي تسبب بقتل وجرح وسجن وتشريد ملايين الفلسطينين، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وكان رد رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أن هذا "موضوع تاريخي" ولا يمكن الاعتذار عنه، ولم تكتف بذلك بل عاقبت السلطة الفلسطينية بإجراءات مستفزة، فقد رفضت السلطات البريطانية "منح تأشيرة دخول للرئيس الجديد لبعثة منظمة التحرير الفلسطينية في بريطانيا، مع الاستمرار برفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ورفض رفع درجة التمثيل الفلسطيني في لندن إلى سفارة" (نواف التميمي: صلف بريطاني. مقالة منشورة بتاريخ 12 أيار 2017 في موقع العربي الجديد).

وبلغت الوقاحة برئيسة الوزراء حدا لا يطاق، عندما عبرت عن فخرها "بدور بريطانيا في إيجاد إسرائيل" (المرجع السابق)، واحتفالها بالذكرى المئوية لوعد بلفور، والحكومة البريطانية نموذج صلف ووقح للتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، ولولا وجود اللوبي الصهيوني وتعمقه في كل مؤسسات الدولة ما أقدمت ماي على هكذا تصرفات، فهي تعرف مقدار تأثير اللوبي الصهيوني، وتعرف أنه يستطيع أن يساعدها في الفوز في الانتخابات القادمة.

إن حكومة بريطانيا ستبقى الحليف الذي لا يغير مواقفه أبداً تجاه إسرائيل، والموقف المناهض لحق تقرير الشعب الفلسطيني، وإن بدا أن الشعب البريطاني ومن خلال وسائل الإعلام الحديثة التي لا سيطرة حكومية عليها أصبح يعرف أن هناك شعباً مظلوماً يمارس عليه أبشع أنواع العنف بمساعدة كبيرة من حكومته، فقد "دأبت وسائل الإعلام الغربية التقليدية على غسل أدمغة الرأي العام بـ"الرواية الإسرائيلية" بكل ما فيها من دعاية سوداء وأكاذيب وتضليل، دون الاكتراث بـ"الرواية الفلسطينية" بكل ما فيها من تشريد واحتلال وظلم وضحايا" (ص 175). فقد ولت سنوات سيطرة الشبكات الإعلامية الكبرى مثل "بي بي سي" و "فوكس نيوز" وغيرها، فالمواطن الغربي يستقبل الأخبار والصور مباشرة عبر الأجهزة الخليوية، ومن مواقع التواصل الاجتماعي دون تشويه وتزييف. وأصبح المواطن البريطاني والغربي عامة فاعلا ومتفاعلا، ينشر الصور ويعبر عن آرائه ومواقفه دون وسيط، إلا أن هناك العديد من العوامل السلبية التي تؤثر على الرأي العام البريطاني، نذكر منها: تنامي قوة اللوبي الصهيوني وضعف خصومه، وظهور حركات الإسلام السياسي المتطرفة ووهم مفاوضات السلام وغيرها.

ويوصي الباحث التميمي في نهاية دراسته باستغلال تحرر الرأي العام البريطاني من هيمنة الدعاية الصهيونية، واستثمار المناخ الإيجابي بتقديم رواية فلسطينية تستند إلى الحقائق التي تدحض المزاعم الصهيونية. والاستفادة القصوى من شبكات التواصل الاجتماعي والانترنت في مخاطبة الجيل الشاب الذي يبني مواقفه من خلال الإعلام الرقمي الجديد، والعمل على "وضع استراتيجية مواجهة، تأخذ بعين الاعتبار التحولات الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية التي شهدتها المجتمعات الغربية" (ص 193). وكذاك تقديم الدعم لجهود حركة المقاطعة العالمية (BDS) التي استقطبت شرائح واسعة من الرأي العام البريطاني، وخاصة في الأوساط الأكاديمية.

ونأخذ على الباحث عدم الانتباه في تكرار بعض أقوال قادة الصهيونية في المقدمة (ص 9-10) وفي بداية الفصل الثاني (ص 38)، وكذلك في الفصل الثاني- المبحث الأول - حيث تناول منظمات اللوبي الصهيوني في بريطانيا دون ترتيب تاريخي، فجاءت الأفكار حولها غير منظمة.

لكن يبقى أن نقول إنها دراسة قيمة، تسد النقص الكبير حول الموضوع، فهي أول دراسة تتناول اللوبي الصهيوني في بريطانيا بشكل مفصل، فلم يتم سابقاً سبر غور اللوبي الصهيوني في بريطانيا، سوى في منتصف سبعينيات القرن الماضي من خلال قناة التلفزيون البريطانية الرابعة، التي قدمت برنامجاً استقصائياً تناول اللوبي الصهيوني داخل بريطانيا، وما عدا ذلك كانت هناك مقالات قليلة، وتقارير صحافية تطرقت إلى الموضوع بشكل مقتضب.

بناء على ذلك فهذا الكتاب مهم، ويلبي حاجة ملحة لمعرفة كيف يفكر العدو، وكيفية وضع الخطط لمواجهته.

 

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الجمعة, ديسمبر 13, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية