توطئة
عاد الاستقطاب الأشكنازي- الشرقي في المجتمع الإسرائيلي إلى السطح من جديد، لكن هذه المرة بحدة كبيرة. وشهدت الفترة الأخيرة نقاشات جديدة حول قضايا اعتقد البعض أنها اختفت. ولا شك أن هذا النقاش يأخذ أبعادا مختلفة وتحمله دوافع عديدة منها دوافع سياسية تتمثل في تعزيز سياسات الهوية في الجانب الشرقي تحديدا، لأن لها مدلولات انتخابية واضحة، وهناك دوافع تتعلق بالهوية والثقافة الشرقية ونقاش التمييز التاريخي الذي عانى منه الشرقيون في إسرائيل بهدف تحسين مكانتهم وإبقاء هذا الظلم حاضرا في المشهد الإسرائيلي، ولا تحركه أي اعتبارات سياسات هوية برغم أنه في النهاية يساهم في تأسيسها.

 

تدعي هذه الورقة أن المرحلة الحالية أعادت إنتاج الاستقطاب الأشكنازي- الشرقي إلى السطح من جديد بحدة كبيرة تشبه تلك الحدة التي كانت في السبعينيات والثمانينيات من القرن الفائت وساهمت بصورة كبيرة في صعود الليكود الى الحكم، وساهمت في عودة هذه الاستقطاب عوامل كثيرة، منها سياسية انتخابية تتمثل في حرص اليمين عموما والجانب الشرقي منه خصوصا على الحفاظ على هذا الاستقطاب لأنه يمثل الضمانة لبقاء اليمين في الحكم من خلال الحفاظ على قواعده الشرقية رغم سياساته الاقتصادية التي ساهمت في ضربها، ومن الجهة الأخرى شعور النخب الأشكنازية اليسارية خاصة بأن المرحلة الحالية تنذر بنهاية دورها في مشروع الدولة مما جعلها أكثر نقدا للنخب الشرقية التي تنتج سياسات هوية بوعي وبدون وعي للشرقيين.

قضية الجندي القاتل أزاريا

شكلت قضية الجندي القاتل إليئور أزاريا المُدان بقتل الشهيد الفلسطيني عبد الفتاح الشريف في الخليل، وقودا للاستقطاب الشرقي- الأشكنازي، فهذا الجندي ذو الأصول الشرقية حظي بنوعين من التأييد، الأول من اليمين الذي طالب بالعفو عنه واعتبر أن محاكمته هي تسفيه للجيش والقضاء العسكري، والتأييد الثاني جاء من قطاعات شرقية اعتبرت أن الجندي يدفع ثمن فعل قام به الكثيرون لكن المؤسسة العسكرية لاحقته لأنه شرقي. وعلى الرغم من أن هناك تقاطعا بين النمطين من التأييد لا يمكن تغييب أنه كانت هناك قطاعات شرقية غير يمينية أو غير مغالية في مواقفها اليمينية تعاطفت معه بسبب خلفيته الشرقية.

فمثلا، في مقال نشره الصحافي والناشط السياسي أوري أفنيري، أحد أقطاب اليسار في إسرائيل حول هذه القضية وأثار ضجة في صفوف الشرقيين، جاء: "القاسم المشترك بين الشعبين [الأشكنازي والشرقي] آخذ بالتقلص، فلهم توجه مختلف تماما للدولة، ولأسسها الأخلاقية، ولأيديولوجيتها وبنيتها. حتى الآن كان مقبولا التفكير أن هناك على الأقل مؤسسة واحدة مقدسة عند الجميع، مؤسسة فوق كل سجال واختلاف: الجيش. لكن ليس بعد، فقضية أزاريا تبين أن هذه العلاقة الأخيرة التي ربطت كل أجزاء الجمهور، كُسرت".[1]

ويستمر أفنيري في التمييز بين الشعبين المذكورين بطريقة أثارت غضب الشرقيين في إسرائيل من يساريين ويمينيين، حيث يشير: "من هما هذان المعسكران؟ ما هو العامل العميق لهذا الكسر؟ ليست هناك طريقة لتجاوز الحقيقة، العامل هو إثني. الكل يحاول أن يتجاهل الاعتراف بهذه الحقيقة. جبال من اللغة المنمقة تراكمت لإخفائها. النفاق هو وسيلة دفاع حيوية، لكن هذه هي الحقيقة، هناك شعبان يهوديان في إسرائيل، الأول يسمى أشكنازي (على اسم ألمانيا في العبرية الكلاسيكية) ويشمل الإسرائيليين من أصول أوروبية وأميركية وهؤلاء ينطلقون من القيم الغربية".. أما الشعب الثاني بحسب أفنيري فهم "الشرقيون، وفي الماضي أطلقوا عليهم السفاراديم، ولكن هذا الاسم مغلوط، ففقط قسم صغير من الشرقيين ينتمي الى سلالة المطرودين من إسبانيا، والجمهور الشرقي يشمل الإسرائيليين الذين جاءت عائلاتهم من البلاد التي تمتد من المغرب حتى إيران. من الناحية التاريخية، فإن اليهود لوحقوا كثيرا في أوروبا وأقل في البلاد الإسلامية، حيث أن الاشكنازيين يفتخرون اليوم بتراثهم الأوروبي (برغم أنهم يبتعدون عنها عمليا)، بينما يشعر الشرقيون بالإهانة عندما يقارنونهم بالعرب".

ردا على مقال أفنيري هذا، كتب الكاتب الشرقي سامي بيرتس مقالا أشار فيه إلى أن أفنيري ينتمي الى فترة الخمسينيات حيث تميزت النخب الأشكنازية بالجهل، الغرور، العنصرية والآراء المسبقة عن الشرقيين.[2]

وكتب بيرتس في مقاله:
"الأشكنازيون هم الذين حكموا الدولة والجيش عام 1967 عندما تم احتلال يهودا والسامرة [الضفة الغربية]، وكل رؤساء الحكومة كانوا أشكنازيين منذ قيام الدولة وحتى الآن، كما أن أشكنازيين هم الذين أقاموا وقادوا غوش إيمونيم ومشروع المستوطنات، وهم من كانوا قادة الخلية الإرهابية اليهودية السريّة في الثمانينيات، وأشكنازي هو الذي قتل مصلين في الحرم الإبراهيمي، وأشكنازيون هم المسؤولون عن قضية الباص 300، التي قتلوا خلالها مخربا مقيدا، برغم أكاذيب وحياكة ملف ضد إسحاق مردخاي الجنرال الشرقي في حينه".

وإلى جانب النقاش بين المثقفين الشرقيين والأشكنازيين حول أزاريا، كان هناك نقاش أكثر شراسة لم يظهر في وسائل الاعلام الإسرائيلية (نعتقد عمدا وليس جهلا) وإنما بقي على صفحات التواصل الاجتماعي، وهو أن الجندي القاتل أزاريا، وهو اليهودي من أصول شرقية، اتخذته النخب الأشكنازية في الجيش ككبش فداء لتحسين صورتها في العالم. وقد صرح ناشطون شرقيون، حتى ممن لا يدعمون ما قام به الجندي، بأن ما حدث هو تمييز في تطبيق القانون بسبب الأصل الشرقي للجندي، وأن هنالك الكثير من الأحداث الشبيهة التي لم يتعرض الجنود فيها لمثل هذا التعامل كما كان مع أزاريا.[3]

توجهات وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريغف

ساهمت توجهات وزيرة الثقافة الإسرائيلية الشرقية من أصول مغربية ميري ريغف في إشعال الاستقطاب الشرقي في إسرائيل عندما حملت أجندة إضعاف النخب الأشكنازية الثقافية التي اعتبرتها معادية للدولة وسرديتها، بموازاة تمكين نخب شرقية من أخذ حيز أوسع في المشهد الثقافي. وقد اتخذت ريغف سلسلة كبيرة من الإجراءات في هذا السياق، مثل إعادة توزيع ميزانيات وزارة الثقافة بما يخدم توجهاتها السياسية والإثنية، وضع شروط للتمويل من الوزارة تتمثل في التماهي مع التوجهات اليمينية، منع الميزانية عن مؤسسات تقاطع المستوطنات أو ترفض الظهور هناك، إضافة الى استعمال خطاب حاد في تعاملها مع النخب الثقافية الأشكنازية يفتقر إلى اللباقة أو اللياقة السياسية المعهودة.

وتنطلق ريغف من محورين في المشهد الثقافي: الأيديولوجي اليميني من جهة، والإثني الشرقي من جهة أخرى.

في هذا السياق استطاعت ريغف في بداية الأمر أن تحدث انشقاقا في صفوف النخب الثقافية والفنية بين الشرقيين ذوي التوجهات اليمينية وبين النخب الأشكنازية الثقافية ذات التوجهات اليسارية أو الليبرالية، ولكن ما حدث لاحقا أنها استطاعت أن تحدث شرخا ولو صغيرا حتى الآن بين النخب الشرقية اليسارية الليبرالية والنخب الأشكنازية من نفس المعسكر الأيديولوجي في قضايا عينية. فعلى سبيل المثال أبدت الكاتبة الشرقية الليبرالية إيفا إيلوز، المعروفة بمناهضتها للاحتلال واليمين في إسرائيل بصورة حادة، دعما للوزيرة ريغف في مسألة توزيع جائزة إسرائيل [4] وتركيبة اللجنة التي توزع الجائزة، حيث لم يحصل أي شرقي هذا العام على جائزة إسرائيل ، ودعمت الوزيرة في توجهها الناقد للمؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية التي تميز وتقصي الشرقيين.[5]  وكذلك فعل الكاتب الشرقي اليساري رون كحليلي في سلسلة مقالات دعم فيها توجهات الوزيرة ريغف في أجندتها الشرقية، وهاجم فيها النخب الأشكنازية التي لم تمكن الشرقيين من الوصول الى الكثير من مراكز القوة والحكم.

ففي أحد مقالاته كتب كحليلي: "لنفترض أن ريغف ليست ريغف، وانما نيتسا شوسطر، أشكنازية من عين حارود أو من مرحفيا، هل كان طلبها للعدل التوزيعي سوف يواجه بجدار من العدائية، ومن معسكر اليسار؟ أنا مقتنع بأنه لا. ولأن ريغف حسب فهمي، ليست مجرد شرقية، بل "شرقية جديدة"، يمينية، محافظة، من الأطراف البرجوازية الناجحة، وعلى خلاف آبائها الذين طأطأوا رؤوسهم وتوكلوا على الله، فإنها لا تخشى أن تطالب بحقوقها وتطالب بالعدل التوزيعي". [6]

لجنة بيطون وتوصياتها

حازت "لجنة بيطون"- اللجنة التي عينها وزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، لتعزيز تمثيل ثقافة وتاريخ اليهود الشرقيين في مناهج التعليم الرسمية- على اهتمام كبير في النقاش العمومي في إسرائيل فاق الصلاحية المحددة التي أعطيت لها، أي تعزيز الموروث اليهودي الشرقي في جهاز التعليم الرسمي. فديباجة التقرير الصادر عنها وتوصياته أثارت النقاش من جديد حول مكانة الشرقيين في المشروع الصهيوني من جهة، وموقعهم من التشكل الإسرائيلي والإسرائيلية من جهة ثانية، وعززت الصراع الثقافي بين النخب القديمة والنخب الشرقية الجديدة، والذي يحمل في باطنه صراعا سياسيا يخوضه اليمين من عقود على الهيمنة على المشهد الإسرائيلي عموما، ومن ضمن ذلك الصهيونية الدينية التي تحاول اختراق قطاعات اجتماعية جديدة، وهذه المرة وعبر لجنة بيطون تحاول اختراق القواعد اليهودية الشرقية عبر تعزيز الصراع الثقافي ووقوفها ضد النخب القديمة. فلأول مرة ترى النخب الأشكنازية، بهذه الحدة، أن هناك خطرا حقيقيا على وجودها وسيطرتها، وخطرا حقيقيا على مفهوم الهوية الإسرائيلية والتشكل الإسرائيلي. وقد اعتبر عضو لجنة الأدب الفرعية في لجنة بيطون، الكاتب الشرقي إلحاي سلومون، أن تقرير لجنة بيطون يشكل نهاية المرحلة الأولى من الثورة الشرقية في إسرائيل. فهو ساهم في نقل الأدب الشعري الشرقي الذي يسمى "عرص- بيوطيقا"، والذي خرج كشعر مقاوم للنخب الأشكنازية وخاصة الأدبية منها، إلى مركز الحياة الثقافية والأدبية في إسرائيل.[7]  واعتبر الكاتب الشرقي مئير بوزاغلو أن قرارات اللجنة عادلة وشجاعة وتضع تراث اليهود الشرقيين في مكانها الصحيح، وخاصة في جهاز التعليم الرسمي والمؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية. [8]

في المقابل انتقدت نخب أشكنازية تقرير بيطون معتبرة إياه محاولة تهدف إلى مساواة دور الشرقيين مع دور الأشكنازيين في المشروع الصهيوني وإقامة الدولة. ففي مقال له انتقد الباحث الإسرائيلي نتان إفراتي، المتخصص في دراسة اليهود الشرقيين، إقامة اللجنة من الأساس وتوصياتها، واعتبرها مجرد أداة سياسية لوزير التربية للحصول على تأييد سياسي.[9]  كما انتقد إفراتي محولات اللجنة مساواة قيادات يهودية شرقية مع اليهود المؤسسين للصهيونية مثل هرتسل، معتبرا أن الحركة الصهيونية هي نتاج التجربة الأوروبية المتمثلة باللاسامية والقومية، وهما ظاهرتان أوروبيتان، وإن كان هناك دور للقيادات اليهودية الشرقية في المشروع الصهيوني فقد جاء متأخرا ولا يمكن مساواته مع هرتسل مثلا، وأكد أن تصريح رئيس اللجنة الشاعر إيرز بيطون بضرورة وضع قيادات شرقية على قدم المساواة مع هرتسل في المشروع الصهيوني هو تحريف للتاريخ، وأشار إلى أن قيادات أوروبية وشرقية بشرت بالعودة إلى "أرض إسرائيل" (فلسطين) لكن هرتسل هو من قام بالمشروع العملي والتنفيذي لتحقيق ذلك.

الحملة الانتخابية في 2015

عزّز التصويت التقليدي الإثني في صفوف الشرقيين اعتقادهم السائد أن النخب القديمة لا تزال تحتقرهم، وقد ساهمت بعض التصريحات في تعزيز هذا الاعتقاد. في العام 1981 تلفظ دودو طوباز، وهو من أشهر الشخصيات الإعلامية في مجال الترفيه في اسرائيل، بعبارة وصف فيها اليهود الشرقيين بأنهم "تشخشخيم"، أي الشخص الأزعر الذي لا طريق له، وهي على ما يبدو لفظة مغربية تلفظ بها اليهود المغربيون الذين دعموا الليكود بقوة عام 1977، ولا يزالون حتى الآن. وقد رد بيغن عام 1981 على هذا التصريح بخطاب ناري قال فيه "عراقي، أشكنازي، كلهم يهود، إخوة ومقاتلون". وفي العام 1999 وصفت الفنانة تيكي دايان الشرقيين بأنهم "غوغائيون من السوق"، والسوق هي المكان الشعبي الذي يعتاش منه أصحاب المحلات من اليهود الشرقيين بالأساس، وعادة يقوم كل زعيم من الليكود بجولة في السوق وخاصة في القدس كجزء من حملته الانتخابية، وفي أعقاب هذا التصريح وزع الليكود ملصقا حمل عنوان "غوغائيون ونفتخر".

وفي الانتخابات الأخيرة، وصف الرسام يائير غاربوز، في تظاهرة دعم لليسار، مجموعات في المجتمع اليهودي بأنهم "مقبلو التعويذات"، وقد فُسرت مقولته بأنها تحقير للشرقيين المحافظين والمتدينين، الذين لا يزالون يتمسحون ببركات القبور، ورجال الدين كنوع من التدين الشعبي الذي يميز اليهود الشرقيين المحافظين.

إلى جانب ذلك، مارست حركة شاس الدينية خطابا هُوياتيا مكثفا خلال الحملة الانتخابية، ركزت فيه بشكل واضح على تمييز اليهود الشرقيين. وقاد حركة شاس في هذه الدورة كما الدورة السابقة آرييه درعي، الذي انسحب من الحياة السياسية في أواخر التسعينيات بسبب اتهامه بقضايا فساد مالي ودخل على أثرها السجن. وشدّد درعي في الدورة السابقة ولا سيما في هذه الدورة على الخطاب الطائفي وسياسات الهوية التي ركزت على الشخصية الثقافية الشرقية ممزوجة بخطاب طبقي يربط بين الهوية الطائفية والمكانة الطبقية، وظهر هذا المزج ابتداء من الأمور الشكلية مثل تشديد درعي على نطق وتعريف نفسه "آرييه مخلوف درعي"، لإبراز الدلالة الشرقية في كلمة "مخلوف"، وانتهاء بالشعار الانتخابي الصريح للحركة "شرقي يصوت لشرقي".

مثلت شاس في هذه الانتخابات البعد الطائفي الثقافي في المجتمع الاسرائيلي، وقد دعمتها نخب شرقية مثقفة، وخاصة من أصول مغربية، بسبب هذا البعد وليس بسبب توجهاتها السياسية، فرغم تميز هذه النخب بتوجهاتها العلمانية واليسارية، فقد اعتبرت أن شاس تحافظ على الهوية الثقافية لليهود الشرقيين وكان ذلك كافيا لدعمها من طرفهم باعتبارها "بيت المغاربة". وقد رأت هذه النخب أن انتقال شاس من الحديث عن "السفاراديم" وهو مفهوم ديني لليهود من بلاد الشرق، إلى الحديث عن اليهود الشرقيين، وهو مفهوم ثقافي، يُعتبر سببا كافيا لدعمها لأن ذلك يعزز الخصوصية الثقافية لليهود الشرقيين كمجموعة ثقافية وليس كمجموعة دينية.

وشكلت نتائج هذه الانتخابات صدمة للنخب الأشكنازية اليسارية، فقد عاشت هذه النخب أملا لمدة ثلاثة أشهر بإمكانية التغيير وتشكيل حكومة برئاسة "المعسكر الصهيوني"، والإطاحة باليمين عموما وبنيامين نتنياهو خصوصا، واعتبرت هذه النخب أن نتائج الانتخابات والسلوك الانتخابي كانا إطاحة بما بنته هذه النخب، النخب الأوروبية الأشكنازية العلمانية، وربطت ذلك بالتحالف بين الليكود ذي القيادة الأشكنازية اليمينية واليهود الشرقيين، ففي مقال لرافيت هيخت بعنوان "الوداع للغرب"، جاء:[10]


"عملية الإطاحة بالعلمانية في لبوسها الأوروبي- الليبرالي، والذي كان في صلب التصور الصهيوني، بدأ مع الانقلاب عام 1977، من خلال ابن نخبة (المقصود مناحيم بيغن رئيس حزب حيروت) نزل الى وادي صليب (اسم الحي الفلسطيني في حيفا، والذي سكنه اليهود من أصل مغاربي بعد تهجير سكانه في نكبة فلسطين عام 1948، وأطلق اليهود المغاربة فيه أول احتجاج ضد المؤسسة الأشكنازية برئاسة حزب "مباي" عام 1956)، ووجد ملكه هناك. ولكن من أخذ على عاتقه بجدية مهمة الإطاحة بنخب اليسار كان ابن نخبة مهمش آخر، بنيامين نتنياهو، حيث أن كراهية عائلية متجذرة لمؤسسة مباي حضرته لهذه المهمة، وانتخابه الأول عام 1996، شكل صعود "النخب الجديدة"، ولكن حتى نتنياهو وعلى الرغم من قيادته المقنعة في نظر ناخبيه، ما هو إلا محطة مرحلية للطريق لقيادة أصلية أكثر للأغلبية في إسرائيل، تكون دينية أكثر وشرقية أكثر.... وعندها تنفك إسرائيل عن كل مدخراتها الغربية وتندمج في المناخ الجيوسياسي الذي يحيط بنا".

خلاصة

أشارت الورقة إلى أن هناك عودة حادة إلى الاستقطاب الشرقي- الأشكنازي في إسرائيل في السنوات الأخيرة، وقد ساهمت عوامل كثيرة في العودة الى هذا الاستقطاب بوعي وبدون وعي، فالشرقيون يشعرون أنهم في لحظة تاريخية فارقة في الانتقال من التأثير السياسي على المشهد السياسي في إسرائيل إلى إعادة إنتاج دورهم وحضورهم في المشهد الثقافي والاجتماعي وموضعة سرديتهم في الرواية التاريخية الصهيونية وفي المشروع الصهيوني، وقد جاء رد الفعل الأشكنازي (اليساري) حادا هذه المرة بسبب شعور أصحابه بالخطر الذي يهدد حضورهم وهيمنتهم على المشهد الإسرائيلي في كافة جوانبه.

في هذا السياق لا بد من ذكر ما يلي:
أولا: يستغل السياسيون اليمينيون الشرقيون الاستقطاب الإثني في إسرائيل من أجل كسب سياسي وانتخابي، فهم لا يهاجمون النخب الأشكنازية بل يهاجمون النخب الأشكنازية القديمة ذات التوجهات اليسارية، ولذلك فهم يمتنعون عن الربط بين النخب الأشكنازية واليمين. وعلى الرغم من أن الليكود حزب حكمه أشكنازيون فقط برغم كونه حزبا شرقيا بامتياز، فإنه لا يحظى بانتقاد النخب الشرقية السياسية، وهذا يدل على التمازج الذي حصل بين المركب الإثني والمركب الأيديولوجي في خطاب الشرقيين تجاه النخب القديمة.

ثانيا: باتت النخب الأشكنازية القديمة ترى أن الخطر على حضورها وهيمنتها أصبح عمليا أكثر من أي فترة مضت، فمحاولات اليمين الهيمنة على المشهد السياسي والأكاديمي والثقافي والقضائي والإعلامي أمست واضحة وصارخة أكثر مما مضى، وفي الماضي عوضت النخب القديمة خسارتها السياسية الانتخابية بتعزيز وجودها في المحافل الأخرى وخاصة الثقافية والإعلامية، غير أن الخطر بات محدقا بها حتى في عقر دارها، مما حدا بها لأن تكون حادة في نقدها في السنوات الأخيرة وأقل اعتذارا أمام الشرقيين.

1.
 أوري أفنيري، كيف ومتى نتج الكسر بين الأشكنازيين والشرقيين، هآرتس، 26/2/2017، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3885115 
2.
 سامي بيرتس، أفنيري، الأخلاق لا تنتمي للأشكنازيين، هآرتس، 27/2/2017، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3886684 
3.
 أنظر تقريرا حول النقاش الطائفي- الإثني وراء محاكمة أزاريا عند: اينس الياس، ملعوننا، ملحق غليريا-هآرتس، 22/7/2016، ص: 9. 
4.
 موشيه شطاينمتس، بدون شرقيين وعرب: قائمة الفائزين بجائزة إسرائيل تشمل أشكنازيتين فقط، موقع واللا، 19/2/2017، أنظر الرابط: http://news.walla.co.il/item/3040675?utm_source=Generalshare&utm_medium=sharebuttonapp&utm_term=social&utm_content=twitter&utm_campaign=socialbutton#!/wallahistory 
5.
 إيفا إيلوز، المشترك بين الوزيرة ريغف وبيني، هآرتس، 9/3/2017، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3918543 
6.
 رون كحليلي، ماذا لو كانت ميري ريغف أشكنازية؟، هآرتس، 29/11/2016،أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3137304 
7.
 إلحاي سلومون، الجانب الآخر للقصة الإسرائيلية، ملحق ثقافة وأدب- هآرتس، 22/7/2016، ص: 1. 
8.
 مئير بوزاغلو، لجنة بيطون: عملية عادلة وشجاعة، هآرتس، 11/7/2016، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.3002448 
9.
 نتان إفراتي، هرتسل لم يكن شرقيا، هآرتس، 3/7/2016، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.2995009 
10.
 رافيت هيخت، الوداع للغرب، هآرتس، 15/4/2015، ص:2. 

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي