كما هو متوقع، وصلت الحكومة الإسرائيلية أخيرًا إلى قرار جماعي بين مركباتها المشغولة في موضوع إخلاء بؤرة عمونه الاستيطانية (نتنياهو- بينيت- ليبرمان) يقضي بالتوجه بطلب إلى المحكمة العليا لتأجيل الهدم المقرّر في كانون الأول المقبل لسبعة أشهر إضافية، وذلك من أجل تجهيز وتحضير المنطقة التي سينتقل إليها المستوطنون من عمونه.

وجاء طلب الحكومة لا من أجل تمرير قانون التسوية/ التبييض الذي يهدف إلى إبقاء المستوطنين في مكانهم، بل من أجل نقلهم إلى مكان آخر.

وتٌقرأ هذه الخطوة في اتجاهين:
الأول، توصل الحكومة إلى صعوبة سنّ قانون التبييض خاصة وأن المستشار القانوني الحكومة يرفضه ويرفض الدفاع عنه أمام المحكمة العليا، واشترط تمثيل الحكومة أمام المحكمة العليا في طلبها تمديد تنفيذ الأمر لسبعة شهور بشطب هذا القانون عن جدول أعمال الحكومة،

والثاني، أن الحكومة تتبع مرة أخرى أسلوب التسويف حتى تجد حلولا بديلة وانتظار ما تفضي له الانتخابات الأميركية والاقتراح الفلسطيني في مجلس الأمن حول المستوطنات والموقف الأميركي منه.

تجدر الإشارة إلى أن المستوطنين يرفضون الاقتراح الذي تقدمه الحكومة ويصرون على البقاء في عمونه، وهذا قد يخلق أزمة سياسية جديدة لكن تحاول الحكومة تأجيلها في الوقت الحاضر.

تمثل قضية إخلاء مستوطنة عمونه التي أقيمت على أراض فلسطينية خاصة بالقرب من رام الله، قضية هامة في فهم التغيرات التي طرأت على السياسة الإسرائيلية في العقد الأخير، وتمثل حالة دراسية لافتة لفهم ظاهرة تغلغل المستوطنين وتأثيرهم على المشهد السياسي الإسرائيلي الرسمي وغير الرسمي. فمنذ عقدين على تأسيس هذه البؤرة الاستيطانية لم تنجح الحكومات الإسرائيلية المتتالية في هدم هذه المستوطنة التي أخذت بالتجذر والتوسع. وحتى عملية الهدم لتسعة بيوت ثابتة التي نفذتها حكومة إيهود أولمرت عام 2006 لم تستطع أن تنهي عُمر هذه المستوطنة. وما قرارات المحكمة العليا بتأجيل أو تسويف عملية هدم المستوطنة، بناء على طلب الدولة، سبع مرات منذ العام 2008، إلا أبلغ دليل على تغلغل المشروع الاستيطاني بشخوصه وأفكاره ومشروعه في دولة إسرائيل عام 1948.

في هذا السياق لا بد من التأكيد أن عمونه تنتمي حسب القاموس الكولونيالي الإسرائيلي إلى تلك المستوطنات التي تسمى "غير قانونية"، وذلك بحسب قوانين التخطيط والبناء الكولونيالي الاستيطاني في الضفة الغربية، وهي عبارة عن بؤر استيطانية أقيمت من دون قرار حكومي رغم أنها حصلت على دعم الحكومة بعد ذلك، إما من خلال الصمت عليها، أو دعمها ماليا وسياسيا أو محاولات لشرعنتها وتبييضها قانونيا وتخطيطيا.

وتكشف منظمة "يش دين" الإسرائيلية التي تدافع عن أصحاب الأرض الفلسطينيين التي أقيمت عليها المستوطنة، عن حجم الخداع والتزييف الذي يمارسه المستوطنون من أجل منع المحكمة العليا من إصدار أوامر هدم للمستوطنة من خلال تزييف وثائق ملكية وشراء لقطع أرض في المستوطنة تبين لاحقا أنها مزيفة. وتبين أيضا أن الجهات القانونية لا تفعل شيئا حيال هذا التزييف الذي يمارسه المستوطنون عبر مؤسساتهم العقارية، فقد صرح محامي منظمة "يش دين" ميخائيل سفراد أن "هناك صناعة كاملة من التحريف والتزييف تهدف إلى منع إخلاء عمونه بأوامر قضائية"[1]، علما أن هذا الأسلوب يمارسه المستوطنون في كل المناطق الاستيطانية فضلا عن البيوت التي يتم الاستيلاء عليها من أجل منع إخلائهم بأوامر قضائية أو تأجيل الإخلاء لكي يثبتوا أمرا واقعا يصعب على السلطات التنفيذية تطبيق أوامر المحكمة، فضلا عن أن الدولة تتعاون معهم فيما بعد من أجل بقائهم في البيوت أو الأراضي التي استولوا عليها.

عمونه والبؤر الاستيطانية

تندرج قضية مستوطنة عمونه في إطار ما يسمى في القاموس الكولونيالي الإسرائيلي "المستوطنات غير المرخصة"، ورغم أنها غير مرخصة فإن الحكومات الإسرائيلية المتتالية لم تستطع أو ترغب في مواجهة هذه الظاهرة، رغم أن هناك أصواتا من اليمين المحافظ أو الليبرالي تعتقد أن هذه الظاهرة تضر بالمشروع الاستيطاني "المرخص والقانوني" بمجمله. إلا أن الحكومات اليمينية المتتالية وخاصة في فترة نتنياهو منذ العام 2009 لا تبدي أي رغبة في إخلاء هذه المستوطنات أو هدم بيوتها، وهي على الأغلب بيوت غير ثابتة، بل تقدم لها الدعم السياسي والقضائي والمالي، فكيف سيكون موقف الحكومات الإسرائيلية والحكومة الحالية من فكرة إخلاء مستوطنات "مرخصة وقانونية" وبيوتها ثابتة؟، وليس صدفة أن يصرح نتنياهو مؤخرا أن المطالبة بإخلاء المستوطنات يعتبر تطهيرا إثنيا لليهود.[2]

وفي تقرير قدمته المحامية طاليا ساسون إلى مكتب رئيس الحكومة أريئيل شارون حول ظاهرة البؤر الاستيطانية غير المرخصة، تبين أن هذه الظاهرة بدأت بالظهور في منتصف التسعينات في فترة حكومة رابين مع بدء التسوية السياسية بين الفلسطينيين وإسرائيل، في محاولة من المستوطنين لفرض أمر واقع على مناطق جديدة في الضفة الغربية، وقد تم تعريف هذه البؤر في التقرير الحكومي بأربعة معايير:[3]

أولا: لم يتم اتخاذ قرار حكومي بإقامة هذه المستوطنة، ولم يتم إعطاء تصريح لاحق لهذه البؤر.

ثانيا: أقيمت المستوطنة بدون مكانة تخطيطية حسب القانون، ودون أن تكون للمنطقة التي أقيمت عليها خارطة تفصيلية مصادق عليها، يمكن التقدم بناء عليها للحصول على رخص بناء.

ثالثا: بؤرة استيطانية غير مرخصة تكون في الغالب غير متاخمة لمستوطنة قائمة وإنما بعيدة عنها مئات الأمتار على الأقل.
رابعا: تاريخ إقامة البؤرة منذ منتصف التسعينات.

وإذا فحصنا المعايير الأربعة نجد أنها مطابقة لمستوطنة عمونه، فهي أقيمت في التسعينات، بدون تخطيط مسبق من سلطات الاحتلال، وبعيدة عن المستوطنات "المرخصة". على كل حال، يشير تقرير ساسون (والذي طلبه شارون في إطار "خارطة الطريق" والطلب من إسرائيل بهدم هذه البؤر، وهو أمر لم يتم تنفيذه بتاتا حتى الآن)، إلى أن هناك 105 بؤر استيطانية غير مرخصة في الضفة الغربية شيدت منذ التسعينات وحتى إعداد التقرير (عام 2005). ويبين التقرير أن عدد البؤر الاستيطانية التي أقيمت على أراض فلسطينية خاصة وصل إلى 15 بؤرة استيطانية، وعدد تلك التي أقيمت على أراض "مختلطة"- أراضي خاصة وأراض دولة- وصل إلى 39 بؤرة استيطانية. والمثير في التقرير أنه يعترف أن عددا كبيرا من البؤر الاستيطانية غير المرخصة أقيم بمساعدة سلطات وأجهزة الدولة.

لا بد من الإشارة إلى أن عمونه تمثل رمزا لمعارضة المستوطنين لكل إخلاء، فبعد أن تراجعوا عن أعمال العنف الواضح ضد الدولة ومؤسساتها منذ مقتل رابين، وصمتهم عن خطة فك الارتباط عن قطاع غزة، فإن إخلاء عمونه عام 2006 وهدم تسعة بيوت، اصطدم بعنف شديد من المستوطنين ومن جيل الشباب وخاصة "شبيبة التلال".

علاوة على ذلك أراد المستوطنون توجيه رسالة للحكومة الإسرائيلية بأن السكوت على خطة الانفصال لا يعني سكوتهم على عمليات إخلاء مستقبلية، وخاصة في الضفة الغربية، قلب "أرض إسرائيل". وهذا ما فعلوه بشكل عنيف في إخلاء مستوطنة عمونه في فترة حكومة أولمرت. صحيح أن المعارضين للإخلاء كانوا من الشباب والذي أعادوا إلى ذاكرة الإسرائيليين شباب حركة "غوش ايمونيم"، إلا أن مجلس المستوطنات برّر تصرفهم وندّد بسلوك أجهزة الأمن الإسرائيلية العنيف في إخلاء الشباب المعتصم هناك.

وإحدى المستوطنات الشابات اللاتي اعتصمن هناك، عبرت عن روح المستوطنين الشباب، والذي أطلق عليهم "شبيبة التلال أو الهضاب":

"الشرطيون بالسواد لا يخيفونني، يستطيعون كسر رؤوسنا، لكنهم لا يستطيعون كسر معنوياتنا. ما فعلته في عمونه مستعدة، وقت الحاجة، لأن أقوم به دائما. لقد كنت في الخليل وأخبرت العائلات اليهودية الذين استوطنوا في "بيت السلام" (بيوت فلسطينية)، أنه إذا جاؤوا لإخلائهم، سأكون هناك. وأنا على قناعة أن هناك آلاف الشباب والشابات مثلي ممن كانوا في عمونه. في الصورة رأيتموني وكأني وحيدة ضد كثيرين (تقصد رجال الأمن)، ولكن هذا وهم، فوراء الكثيرين يقف رجل واحد، أولمرت، وورائي يقف الرب وشعب إسرائيل".

توضح المعارضة العنيفة في مستوطنة عمونه، أن هناك جيلا من شباب المستوطنين ينتمون إلى الصهيونية الدينية، يعيدون إنتاج الأفكار الخلاصية التي نشأت عليها حركة "غوش إيمونيم" في السبعينات، ويعتقدون أن على الصهيونية الدينية أن تعيد صياغة ذاتها على أساس تصور "أرض إسرائيل" الكاملة ككيان ديني لا يملك أحد الحق في تحديد مصيره.

وفي نفس السياق لا بد من الإضافة أن جيل مستوطنة عمونه، هو جيل لا يحمل الشعور بالذنب أو تأنيب الضمير على الأحداث التي سبقت اغتيال رابين، فهم كانوا أطفالا فترة الاغتيال، واندهشوا من التناقض بين ما تلقوه في المدارس الدينية عن قدسية "أرض إسرائيل" من جهة، وعن سكوت المستوطنين، بنظرهم، على خطة فك الانفصال الشارونية وتخليهم عن أجزاء من "أرض إسرائيل" من جهة أخرى. فكان ردهم عنيفا على إخلاء مستوطنة عمونه عام 2006، وعلى الرغم من أن عملية الإخلاء تمت في نهاية الأمر، إلا أن تداعياتها لا تزال حاضرة حتى اليوم، في كل قرار حكومي لإخلاء البؤر الاستيطانية "غير القانونية" بالمنظور الكولونيالي الإسرائيلي.

قصة عمونه: قصة المشروع الاستيطاني

أقيمت مستوطنة عمونه عام 1997 على أراض خاصة فلسطينية بجانب مستوطنة عوفرا، وقد أدعى المستوطنون عام 1998 أن لديهم وثائق شراء لهذه الأراضي، ولكنهم لم يعرضوها أبدا، وقد اعترفت الدولة أمام المحكمة العليا أن الأرض التي أقيمت عليها عمونه هي أراض خاصة، وأن الوثائق التي عرضها المستوطنون لاحقا كانت مزيفة. وكشفت منظمة "يش دين" أسلوب المستوطنين في تسويف قرارات إخلائهم في المحاكم من جهة، والدعم الحكومة لهم من جهة أخرى. فهدف المستوطنين يكون في الأغلب تأجيل إخلاء وهدم البؤر الاستيطانية لكي تتجذر المستوطنة بدعم حكومي فيصعب إخلاؤها.

يستغل المستوطنون اللائحة الإدارية التي تحدد أن تسجيل الأراضي في الضفة الغربية يبقى سريا، من أجل عرض وثائق مزيفة عن امتلاك وشراء أراض في الضفة الغربية، وعندما يعي المستوطنون أن المسار القضائي على وشك الانتهاء يعلنون أن لديهم وثائق ملكية أرض مما يدفع المحكمة إلى تأجيل القضية وقد تستمر هذه القضية لسنوات بسبب هذا الأسلوب من العمل، وفقط عندما يتم عرض أسماء أصحاب الأراضي الفلسطينيين يمكن إثبات كذب أوراق المستوطنين. واستعمل المستوطنون هذا الأسلوب ليس فقط في عمونه بل في بؤر استيطانية أخرى شبيهة بحالة عمونه مثل "غفعات هأولبانا" ومغرون وغيرهما.[4] ورغم كل هذه السلوكيات ذات الطابع الإجرامي الجنائي (عدا عن الكولونيالي الاستيطاني) فإن المستوطنين يحظون بدعم حكومي، فضلا عن غياب الإجراءات القانونية ضدهم ليس فقط بسبب سرقتهم واستيلائهم على أراضي فلسطينية خاصة فحسب، بل أيضا بسبب تزييفهم لوثائق ملكية على الأرض.

إلى جانب كل ذلك، فإن الدولة تشترك وتتعاون مع المستوطنين في هذه الصيرورة من الاستيلاء والسرقة حتى بمفهوم القاموس الكولونيالي الإسرائيلي (على اعتبار أنها مستوطنة "غير قانونية")، ففي العام 2013 قررت المحكمة العليا اخلاء المستوطنة في الخامس عشر من تموز من نفس العام، إلا أن الدولة معتمدة على الوثائق المزيفة التي عرضها المستوطنون طالبت المحكمة بتأجيل إخلاء المستوطنة لأن وثائق جديدة ظهرت تثبت ملكية وشراء المستوطنين لقطع الأرض في التلة المذكورة. وفي مرات أخرى ادعت الدولة أنها لم تفهم قرار المحكمة العليا، فقد زعمت أنها فهمت أنه يجب إخلاء بيت واحد وليس كل البؤرة الاستيطانية، مما حدا بالمحكمة العليا إلى توضيح موقفها مرة أخرى، بأن قرارها هو إخلاء كل البؤرة الاستيطانية، وبذلك كسب المستوطنون والدولة وقتا إضافيا لتجذير وجودهم، وهذا لا يعفي الجهاز القضائي والمحكمة العليا من تخاذلهما خلال هذه الصيرورة، فهذه الأخيرة تقبل التأجيل رغم علمها بأسلوب المستوطنين واستهتار الدولة بقراراتها.

في كانون الأول 2014 أجلت المحكمة العليا للمرة السابعة إخلاء مستوطنة عمونه وأمهلت الدولة عامين لإخلاء المستوطنة، من المفروض أن تنتهي في كانون الأول 2016.

ومع اقتراب موعد الهدم والدعوة لحل هذه القضية، والضغط الذي يمارسه المستوطنون على الحكومة، بدأت تحركات من اليمين وخاصة في حزبي الليكود والبيت اليهودي لإيجاد حل لمستوطنة عمونه قبل اقتراب موعد الهدم. وقد اقترح أعضاء كنيست ووزراء الليكود فكرة "قانون التسوية/ التبييض" والذي يقضى بشرعنة المستوطنة تخطيطيا وتعويض أصحاب الأرض الفلسطينيين، ووصل الحال بأعضاء الليكود إلى إصدار بيان صحافي وقع عليه 25 عضو كنيست ووزيرا من الليكود منهم رئيس الكنيست يطالبون فيه الحكومة (أي يطالبون أنفسهم) بإقرار قانون التسوية/ التبييض، وذلك على الرغم من معارضة المستشار القانوني للحكومة للقانون بسبب كون هذا القانون غير دستوري، وإعلانه أنه لن يستطيع الدفاع عنه أمام المحكمة العليا. وعلى الرغم من ذلك فقد وقع على العريضة رئيس الكنيست وغالبية الوزراء وكأنهم أعضاء في المعارضة يطالبون الحكومة باتخاذ موقف تجاه هذه المسألة.[5]

وقد هاجم البيت اليهودي أعضاء الليكود متهما إياهم بأنهم لا يفعلون شيئا سوى إصدار بيانات موضحا أن الليكود يتحمل مسؤولية أزمة عمونه لأنه لم يتخذ موقفا حاسما من المسألة في فترة حكومة نتنياهو- باراك عام 2009. وقد أصدر أعضاء الليكود هذا البيان، بحسب محللين إسرائيليين، لأنهم يدركون أن تبييض المستوطنة هو أمر غير ممكن قضائيا وسيجذب على إسرائيل ضغوطا عالميا، كما يدركون أن المحكمة العليا لن توافق عليه، وسيعرض إسرائيل لضغوطات أميركية في هذا السياق، فضلا عن وجود توجهات تشير إلى أن تشريع القانون سوف يضر بالمشروع الاستيطاني برمته، غير أن هدفهم كان تحصيل حاصل ورمي الكرة في ملعب المحكمة العليا لقناعتهم بأنها سوف ترفض قانون التسوية، مما يحول المحكمة العليا إلى المتهم الأول في هذا الملف لأنها لم تمكن السلطة التشريعية من ممارسة حقها التشريعي في تشريع قانون يحل المشكلة، وذلك على الرغم من أن المحكمة العليا كانت شريكة في تجذر هذه البؤرة وتحويلها إلى رمز استيطاني، عبر قبولها تأجيل الهدم والإخلاء سبع مرات، ومنحها الحكومة في أخر قرار لها مدة عامين لهدم البؤرة وإيجاد حل للمستوطنين الساكنين فيها.

وبعد نقاش حول السبل لشرعنة المستوطنة، أعلن أن الحكومة تفكّر بمطالبة المحكمة العليا بتأجيل أمر إخلاء المستوطنة وهدمها لسبعة شهر أخرى كي تتمكن من إيجاد حلول بديلة للمستوطنين[6] (وهو ما حدث أخيرًا). وجاء هذا القرار بعد أن اجتمع وزيرا البيت اليهودي (نفتالي بينيت وأييليت شاكيد) ووزير الدفاع ليبرمان مع نتنياهو الشهر الفائت من أجل الاتفاق على اقتراح تأجيل إخلاء المستوطنة. ويحاول البيت اليهودي أن يجد حلا يتمثل في إبقاء المستوطنة على التلة الموجودة فيها الآن، ولكن ليس في نفس المكان الموجودة فيه حاليا. وجاء هذا الاقتراح من البيت اليهودي بعد أن توصل وزراء الحزب إلى نتيجة أن منع إخلاء المستوطنة من موقعها الحالي بات صعبا، وأن قانون التسوية الذي يهدف إلى مصادرة أراض فلسطينية وشرعنة البؤرة الاستيطانية لن يصمد أمام المحكمة العليا ولن يدعمه المستشار القانوني للحكومة.[7]

تحولت مستوطنة عمونه إلى رمز للمستوطنين، وعلى يبدو بات يدرك حزب البيت اليهودي الذي يعرض نفسه بأنه يمثل مصالح المستوطنين أن لا حل قضائيا لقضية المستوطنة، ولكنه يريد استغلالها لإيجاد حل استراتيجي لكل البؤر الاستيطانية "غير المرخصة"، وكذلك البيوت غير المرخصة في المستوطنات "المرخصة".[8] ويؤكد تصريح بينيت أن عمونه تحولت إلى رمز للاستيطان وأن التخلي عنها هو حل تكتيكي من أجل تثبيت استراتيجي لكل المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية. وهو ينسجم مع ما قاله نتنياهو خلال اجتماعه مع وفد من المستوطنين من عمونه وعوفرا، أن أي قرار غير حكيم في هذه الفترة سوف يعرض كل المشروع الاستيطاني للخطر، وخاصة في فترة باراك أوباما المتبقية.[9] وجاء اللقاء بناء على طلب المستوطنين الذي أرادوا إسماع وسماع رئيس الحكومة نتنياهو حول موقفهم وموقفه من إخلاء وهدم المستوطنة في كانون الأول، وقد أخبرهم نتنياهو أن المشروع الاستيطاني عزيز على قلبه وأنه لا يرغب في تهديد كل المشروع الاستيطاني بسبب بضعة بيوت بُنيت على أراض خاصة.

ويمكن تحليل موقف نتنياهو في اتجاهين: الأول، أنه يرغب بتأجيل الهدم لعدة أشهر أخرى حتى يُنهى أوباما فترته وعندها يمكن أن يجد حلا يبقي المستوطنة في مكانها. والاتجاه الثاني، أنه يعتقد أنه لا بد من هدم المستوطنة وإخلائها وليس هناك حل آخر، بحجة الحفاظ على المشروع الاستيطاني برمته.

خلاصة

تعتبر المستوطنات الإسرائيلية، ومجتمع المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، عائقا مركزيا لأي حل دائم يضمن إقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران عام 1967، ليس فقط على المستوى العملي المتمثل في إقامة دولة فلسطينية. ويشكل مجتمع المستوطنين في الضفة الغربية مجتمعا أخذ يتبلور كمجتمع منسجم ومتلاحم مع المجتمع الإسرائيلي داخل الخط الأخضر، ونجد ذلك في هيمنته على المواقع المتقدمة في الجيش الإسرائيلي، السياسة الإسرائيلية، حضوره داخل الأحزاب المركزية وخاصة الحزب الحاكم، الليكود، والأكاديميا والاقتصاد وغيرهما من المجالات.

تمثل قضية مستوطنة عمونه وإخلائها حالة دراسية هامة حول التوجهات الإسرائيلية الرسمية من فكرة إخلاء مشروع المستوطنات الكولونيالي في الضفة الغربية، ومثالا على ثبات المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، فعشر سنوات من الصراع القضائي ضد بؤرة استيطانية صغيرة "غير مرخصة" لم تؤت أكلها في إخلاء وهدم مستوطنة في هذه المناطق، وخاصة بعد تجربة إخلاء وهدم المستوطنات في قطاع غزة. وتمثل قضية عمونه تحالف مركبات الاحتلال الإسرائيلي في سبيل إفشال محاولة إخلائها، بدءا من الإدارة المدنية، الحكومة، الوزارات، المحكمة العليا، الشرطة وغيرها.

وحول هذا التوجه يمكن الإشارة الى بعض الملاحظات:

1- مرت على قضية مستوطنة عمونه عشر سنوات وحتى اللحظة لم تتخذ الحكومة الإسرائيلية خطوات عملية لإخلائها رغم قرار المحكمة المتكرر بتنفيذ قرار الإخلاء، وهذا يقدم نموذجا لتوجهات الحكومة الإسرائيلية حول إخلاء مستوطنات في الضفة الغربية يطغى عليها المسوغ القانوني الإسرائيلي، فإذا لم تكن الحكومة قادرة على إخلاء مستوطنة "غير قانونية" حسب القانون الإسرائيلي وغير آهلة بالمستوطنين وتحاول تسويف الإخلاء لسنوات، فهل هي قادرة على إخلاء مستوطنات أخرى أكبر حجما وتجذرا بموجب قانون الإسرائيلي؟.

2- يندرج صراع اليمين والمستوطنين ضد إخلاء المستوطنة ضمن استراتيجية تجذير مشروع المستوطنات في الضفة الغربية، بحيث يتحول إخلاء عمونه إلى "تنازل" يقدمه المستوطنون لتجذير الاستيطان وبلورة وعي إسرائيلي جمعي يستصعب ويستحيل إخلاء مستوطنات في إطار أي حل نهائي. وهو نفس الوعي الذي بلوره المستوطنون بعد إخلاء وهدم المستوطنات في قطاع غزة (7000 مستوطن)، من خلال بناء سردية تعبر عن التراجيديا الإنسانية التي رافقت إخلاء المستوطنين من القطاع، وبلورة ذاكرة تاريخية كاملة ممولة من الحكومة حول هذه "التراجيديا".

3- يحاول اليمين والمستوطنون تحويل مسألة عمونه إلى "تراجيديا" جديدة في الوعي الجمعي الإسرائيلي، عبر "أنسنة" المستوطنين فيها، وتسويغ وجودهم وشرعنته على الأرض، لكي تكون نقطة تحول في كل المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، بحيث تكون عمونه إذا أخليت آخر نقطة استيطانية يتم إخلاؤها.

4- تمثل قضية عمونه حالة تعبر عن سيطرة وهيمنة المستوطنين في السياسة الإسرائيلية وفي النظام الإسرائيلي، وفي الحزب الحاكم في إسرائيل، الذي لم يتردد غالبية أعضائه من برلمانيين ووزراء وحتى رئيس الكنيست في إصدار بيان داعم ومطالب بشرعنة المستوطنة وعدم إخلائها.

5- يستغل اليمين هذه القضية لطرح مسألة هدم البيوت العربية الفلسطينية سواء داخل الخط الأخضر أو في الضفة الغربية وتحديدا في مناطق "ج"، من أجل الضغط على الأجهزة التنفيذية والتخطيطية لهدم هذه البيوت بزعم أن القانون لا ينفذ بشكل عادل بين البيوت غير المرخصة في التجمعات العربية وبين بضعة بيوت في مستوطنة عمونه وغيرها، رغم أن هدم البيوت العربية يتم بشكل يومي في النقب وفي مناطق "ج"، وهم يعلمون ذلك ولكنه يهدف إلى خلق وعي جمعي إسرائيلي جاهز لذلك بربط تنفيذ هدم بيوت في المستوطنات وهدم بيوت عربية.

هذه الورقة بالتعاون مع دائرة شؤون المفاوضات

1.
أنظر الرابط لتقرير المنظمة على موقعها: www.blog.yesh-din.org 
2.
باراك رابيد، الولايات المتحدة ضد فيديو التطهير العرقي الذي عرضه نتنياهو، هآرتس، 9\9\2016، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.3063810 
3.
أنظر التقرير باللغة العبرية على الرابط التالي: www.nrg.co.il/images/stuff/news/sason.doc 
4.
إفرات لختر، تقرير: الوثائق المزيفة أوقفت اخلاء البؤر غير القانونية، موقع mako، 10\10\2014، أنظر الرابط: www. Mako.co.il\news-israel\local-q3_2014\article 
5.
يوتام برغر، كتلة الليكود ضد إخلاء عمونه: 25 عضو كنيست وقعوا على عريضة تؤيد تبييض البؤر الاستيطانية، هآرتس، 17\9\2016، أنظر الرابط: http://www.haaretz.co.il/news/politi/.premium-1.3070560 
6.
يوتم برغر وآخرون، ستة أعوام بعد ان التزمت بإخلائها: الدولة ستطلب مرة أخرى من المحكمة العليا تأجيل اخلاء عمونه، هآرتس، 14\10\2016، ص: 1+4. 
7.
المصدر السابق. 
8.
أنظر الرابط لتصريحات بينيت حول الحل الاستراتيجي: http://rotter.net/forum/scoops1/351716.shtml 
9.
باراك ربيد ويوتام برغر، نتنياهو: إدارة غير حكيمة في فترة أوباما ستهدد مشروع الاستيطان كله، هآرتس، 20\10\2016، ص: 1+7. 

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي