ليس من الواضح، اليوم، متى سيُطرح مشروع "قانون التسوية" لنهب الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وشرعنة "المستوطنات غير القانونية"، على طاولة الكنيست الإسرائيلي للتصويت عليه بالقراءتين الثانية والثالثة وإقراره نهائياً، إن كان سيصل إلى هذه المرحلة أصلاً، غير أن الواضح تماماً هو أن هذا القانون يثير إشكاليات سياسية ـ حزبية عديدة، داخلية محلية وخارجية دولية، وأكثر منها قضائية على صعيد القانون الدولي، بيد أن عدم إقراره حتى الآن لا يضع أية عقبة، ولو عثرة صغيرة، أمام استمرار البناء الاستيطاني، بل اتساعه يومياً، على الأراضي الفلسطينية في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وهو ما تجسد أخيراً في قرار رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، المصادقة على بناء 2,500 وحدة سكنية استيطانية جديدة في مستوطنات مختلفة.

وفي التطورات الإجرائية، ذات الدلالات السياسية، في مسعى تشريع هذا القانون، نشير إلى أنه كان من المقرر أن يُطرح مشروع القانون على الهيئة العامة للكنيست للتصويت عليه (بالقراءتين الثانية والثالثة) أمس الاثنين، وسارع رئيس كتل الإئتلاف الحكومي في البرلمان، عضو الكنيست دافيد بيتان (ليكود)، إلى تأجيل عرضه للتصويت معلناً أن ذلك سيتم اليوم الثلاثاء. لكن تبين لاحقاً أن هذا الإعلان لم يكن دقيقاً تماماً (!!)، لأن عملية التصويت على مشروع القانون لن تجري قبل يوم الاثنين المقبل، على الأقل. فصباح اليوم الثلاثاء، أعيد مشروع القانون إلى لجنة مشتركة من لجنة الدستور، القانون والقضاء ولجنة الأمن البرلمانيتين للنظر في الاعتراضات والتحفظات التي قدمها أعضاء الكنيست من المعارضة على هذا المشروع، والتي بلغت 227 اعتراضاً وتحفظاً، على أن يتم عرضه ـ في ختام هذه الجلسة ـ على الهيئة العامة للتصويت. لكن التصويت لن يبدأ قبل أن يصعد أعضاء الكنيست المعترضون إلى المنصة ويطرحوا اعتراضاتهم ـ وهو ما يحتاج، نظرياً، إلى نحو 360 ساعة يحتم القانون إجراءها دون توقف، إطلاقا (باستثناء أيام العطل الرسمية، بالطبع)!. لكن القرار الذي اتخذته لجنة الكنيست البرلمانية، مساء أمس الأول الاثنين، قضى بأن تنتهي مناقشات أعضاء الكنيست هذه صباح يوم الاثنين المقبل، على الأرجح، ليبدأ التصويت فور ذلك مباشرة. وأشار المستشار القانوني للكنيست، إيال يانون، في تلك الجلسة إلى أن طلب كتل المعارضة "عقد جلسات الاعتراضات والتحفظات على مدار 38 يوماً متواصلة هو طلب غير تناسبي وغير معقول". ووجهت رئيسة كتلة "المعسكر الصهيوني"، عضو الكنيست ميراف ميخائيلي، نقدا شديداً لقرار لجنة الكنيست المذكور، لافتة إلى أن "المعارضة كانت مستعدة للتنازل إلى 7 أيام فقط"!

يذكر أن الكنيست كان قد أقر مشروع "قانون التسوية" بالقراءة التمهيدية يوم 14 تشرين الثاني الأخير، ثم أقرّه بالقراءة الأولى يوم 7 كانون الأول الماضي.

إشكاليات قانونية محلية ودولية

يثير مشروع "قانون التسوية"، كما ذكرنا، إشكاليات قانونية ـ قضائية معقدة وخطيرة، على المستويين المحلي والدولي، اضطرت المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، إلى الإعلان، مراراً وتكراراً (كان آخرها مساء أمس الأول الاثنين)، أنه لن يستطيع الدفاع عن هذا القانون ـ في حال سنّه ـ أمام المحكمة العليا الإسرائيلية في حال تقديم التماس/ات إليها للطعن في دستورية هذا القانون والمطالبة بإلغائه، وهو ما لا بد من أن يحدث، في حكم المؤكد تقريباً. وأكد مندلبليت، المعروف بأنه خبير في القانون الدولي، أنه لن يدافع عن هذا القانون، نيابة عن الدولة (الحكومة) وباسمها، لأنه "قانون غير دستوري وينطوي على انتهاكات فاضحة للقوانين الدولية"!

ولئن كان "الدافع المباشر" لهذا القانون الجديد هو قرار المحكمة العليا قبل الأخير في قضية مستوطنة "عمونه" ـ والذي رفض منح الحكومة مهلة زمنية أخرى وتأجيل تنفيذ قرار المحكمة السابق بتنفيذ إخلاء هذه المستوطنة حتى نهاية شهر كانون الأول الماضي (عادت المحكمة ذاتها ومنحت الحكومة مهلة أخرى إضافية حتى 8 شباط القريب، هي السادسة منذ العام 2008)ـ وإنما في بؤر استيطانية أخرى عديدة في الضفة الغربية تُعتبر في القاموس الإسرائيلي "غير قانونية"، أقيمت جميعها على "أراض فلسطينية خاصة" وبدون قرار حكومي، فإن الفارق بين بؤرة "عمونه" والبؤر الاستيطانية الأخرى، في هذا السياق، هو أن القانون الجديد ينظم ويشرعن البناء في "عمونه" بأثر رجعي ـ نظرا لصدور قرار محكمة بشأنها يقضي بإخلائها ـ بينما ينظم ويشرعن البؤر الاستيطانية "غير القانونية" الأخرى، من الآن فصاعدا بأثر مستقبلي.

والمعنى، أن الحديث لا يجري هنا عن قانون يلتف على المحكمة العليا وقراراتها، بأن يطرح الكنيست من خلاله تفسيراً آخر، مغايرا، يختلف عن تفسير المحكمة العليا ويعتبر أن تفسير المحكمة لنص قانوني معين "ينبغي أن يتم تغييره"، وإنما هو قانون يضع الكنيست فيه نفسه هيئة استئنافية عليا على قرارات قضائية صادرة عن المحكمة العليا. ولهذا، فمشروع القانون الجديد يتناقض مع مبدأ فصل السلطات ويشكل مساً عميقا وخطيرا بالمبادئ الأساسية التي تقوم عليها المنظومة السياسية والقضائية في إسرائيل، كما أكد عدد من الخبراء القانونيين الإسرائيليين.

وذهب بعض الخبراء القانونيين حد القول إن "قانون التسوية" هذا ـ في حال تشريعه ـ سوف يؤدي، مستقبلا، إلى تغيير "قواعد اللعبة" في ثلاث قضايا جوهرية ومركزية هي: 1. سلب الممتلكات الخاصة والاستيلاء عليها بالقوة وبطريقة غير قانونية (ليس في الضفة الغربية فقط، وإنما في داخل إسرائيل نفسها أيضا)؛ 2. فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق الفلسطينية، من خلال تشريع قانوني يقره الكنيست بما يتناقض، جوهريا، مع القانون الدولي وأحكامه؛ 3. تشريع استثنائي وشاذ تماما يلغي قرارات حكم قضائية نهائية صادرة عن المحكمة.

ووصف الخبراء توقيت طرح مشروع القانون بأنه "تعيس جدا"! على خلفية مصادقة المدعية في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، مطلع العام الأخير، على عضوية "دولة فلسطين" في هذه المحكمة، وهو ما يخول الادعاء في المحكمة صلاحية التحقيق في شكاوى تتعلق بممارسات إسرائيل في الضفة الغربية. وأضاف: "لا حاجة إلى كلام كبير وكثير حول الضرر الذي سيلحق بصورة دولة إسرائيل وعلاقاتها مع دول أخرى، إذا ما قررت المحكمة الجنائية الدولية الشروع في إجراء تحقيق جنائي وتقديم الإسرائيليين الضالعين في مشروع الاستيطان إلى محاكمات جنائية. ذلك أن البند الصريح الوارد في نص مشروع القانون والذي يعتبره خطوة داعمة لاستمرار الاستيطان قد يتم تفسيره بأنه استفزاز وتحد للمجتمع الدولي عامة، وللمحكمة الجنائية الدولية خاصة، ولهذا فهو عديم المسؤولية تماما في هذا التوقيت"!

إشكاليات سياسية وصراع يميني ـ يميني

ثمة من يرجح في إسرائيل بأن نتنياهو يدفع نحو سن هذا القانون، ولو مضطراً مرغماً نتيجة الضغوط الحزبية التي يمارسها عليه اليمين المتدين ومستوطنوه (من خلال حزب "البيت اليهودي") ـ وهو ما سنتطرق إليه لاحقا هنا ـ ويفعل ذلك وهو موقن، بل يتمنى، بأن تقوم المحكمة بإلغاء هذا القانون إذا ما تم تشريعه، بما يجنّبه ويجنب حكومته (ودولة إسرائيل، بالتالي) ورطة قانونية ـ قضائية دولية، تتبعها ورطة سياسية دبلوماسية دولية، من جهة، ومن جهة أخرى يمنحه نقاطاً ثمينة في معركته (الحزبية ـ الانتخابية) ضد "البيت اليهودي" وغيره من أحزاب اليمين المتدين الاستيطاني. ذلك أن نتنياهو سيدّعي، عندئذ، بأن تلك الأحزاب قد "ألحقت ضررا كبيرا بالاستيطان والمستوطنين" وسيتهمها بالمسؤولية عن كل ما يمكن أن يتطور على هذا الموضوع، قضائيا أو سياسيا ـ دبلوماسيا.

وكان نتنياهو قد حذر، في جلسة للمجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية يوم 27 تشرين الثاني الماضي، وبناء على الرأي الاستشاري الذي قدمه المستشار القانوني للحكومة، بأن سنّ "قانون التسوية" قد يؤدي إلى "سلسلة من التحقيقات الجنائية في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، ضد مسؤولين كبار في حكومة إسرائيل"! ولهذا اعتبر نتنياهو في تلك الجلسة نفسها أن سن هذا القانون "هو خطوة غير حكيمة، بالمرّة"!

وهو الموقف نفسه الذي عبّر عنه، أيضا، وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، الذي أعلن أنه يعارض مشروع القانون "لكن، إذا ما طُرح للتصويت في الكنيست، فسنصّوت عليه"! لأن معارضة القانون في الكنيست ستجر عليه وعلى حزبه، بالتأكيد، حرباً ضروساً من جانب المستوطنين وهيئاتهم القيادية، وهو ثمن لا يستطيع ليبرمان (رئيس حزب "إسرائيل بيتنا") تحمّله ولا يمكن أن يسمح لنفسه بخوض مثل هذه المخاطرة.

لكنّ نتنياهو وليبرمان ـ كما آخرين أيضا من قادة أحزاب اليمين، بل وحتى أحزاب "الوسط" في إسرائيل ـ يقفان عاجزين ويبدوان مجرورين خلف الإيقاع الذي يقرره حزب "البيت اليهودي" ورئيسه، الوزير نفتالي بينيت، كممثل أساسي للمستوطنين الذين ينتمون في أغلبيتهم الساحقة إلى تيار "الديني الوطني"، وخاصة على خلفية التحقيقات الجنائية الجارية والمتصاعدة مع رئيس الحكومة، نتنياهو، والتي ترفع كثيراً من احتمال حل الحكومة والكنيست وتبكير موعد الانتخابات البرلمانية التالية في إسرائيل.

فحيال المظاهرة الكبيرة التي نظمها المستوطنون قبالة مقر الكنيست في مدينة القدس، مساء السبت الأخير ـ مدفوعين بما ضخه دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في مشروعهم من حماس و"طمأنينة" ـ للاحتجاج على "الإخلاء المرتقب" لبؤرة "عمونه" الاستيطانية وللمطالبة بدفع "قانون التسوية" والإسراع في التصويت عليه وإتمام تشريعه، يقف نتنياهو حائراً ومرتبكاً جراء ما يمارسه عليه "البيت اليهودي" وبينيت من ضغوطات. وعلى هذه الخلفية، تحديدا، خرج نتنياهو ـ مساء اليوم نفسه، عبر صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي، "فيسبوك" ـ ليعلن إلى جمهوره وجمهور اليمين الإسرائيلي عامة إنه أصدر تعليماته بتحريك النظر في قانون التسوية في الكنيست من أجل التصويت عليه، بالقراءتين الثانية والثالثة، وإنجاز مهمة تشريعه نهائياً. وهو ما حصل صبيحة يوم الأحد، أمس الأول، لكن على طريقة "نفسي فيه وتفو عليه"، كما يقول المثل الشعبي العربي.

شرعنة آلاف المباني القائمة وبناء آلاف جديدة

لا يبتغي "قانون التسوية" حل مشكلة بؤرة "عمونه" الاستيطانية "غير القانونية"، كما أشرنا أعلاه، وإنما شرعنة آلاف المباني والبؤر الاستيطانية "غير القانونية" القائمة على أراض فلسطينية منهوبة في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، وذلك بأثر رجعي.

وينص مشروع القانون، في صيغته النهائية، على تجميد إجراءات تطبيق القانون والأوامر الإدارية الصادرة بحق 16 مستوطنة وبؤرة استيطانية "غير قانونية" لفترة سنة كاملة منذ يوم نشر القانون في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ، على أن تقوم سلطات الاحتلال (من خلال "الإدارة المدنية") خلال هذه الفترة (السنة) بفحص إمكانيات مصادرة الأراضي المقامة عليها تلك المستوطنات والبؤر، بأثر رجعي.

والمباني الاستيطانية التي يقصدها هذا النص القانوني تقوم في المستوطنات والبؤر التالية: عوفرا، عيلي، نتيف هأفوت، كوخاف هشاحر، متسبيه كرَميم، ألون موريه، معاليه مخماش، شافي شومرون، كدوميم، بساجوت، بيت إيل، يتسهار، هار براخا، موديعين عيليت، نوكديم وكوخاف يعقوب.

وإلى جانب هذه كلها، يخوّل القانون وزيرة العدل أييلت شاكيد (البيت اليهودي) صلاحية إصدار أوامر خاصة تضيف بموجبها مستوطنات وبؤرا استيطانية أخرى إلى تلك المذكورة أعلاه، على أن يتم الأمر بمصادقة لجنة الدستور، القانون والقضاء البرلمانية (التي يتمتع الائتلاف الحكومي فيها بأغلبية ساحقة!).

ولا يتوقف الأمر عند شرعنة القائم من المباني الاستيطانية، المستوطنات والبؤر الاستيطانية "غير القانونية" فحسب، بل أيضا يتواصل البناء الاستيطاني ويتوسع يومياً. فقد أصدر رئيس الحكومة، نتنياهو، ووزير الدفاع، ليبرمان، الأسبوع الماضي، قراراً يصادق على بناء 2,500 وحدة سكنية استيطانية جديدة في الضفة الغربية وذلك "لتلبية احتياجات التكاثر الطبيعي" بين المستوطنين هناك، حسبما ورد في بيان رسمي صدر عن وزارة الدفاع الإسرائيلية.

وتتوزع الوحدات الاستيطانية الجديدة التي صودق على إقامتها على النحو التالي: عيتس إفرايم ـ 81؛ غفعات زئيف ـ 652؛ كوخاف يعقوب ـ 86؛ هار غيلا ـ 4؛ تسوفيم ـ 260؛ أورانيت ـ 154؛ أريئيل ـ 899؛ معاليه أدوميم ـ 104؛ شعاري تكفا ـ 6؛ بيت إيل ـ 20؛ إفرات ـ 21؛ ألكنا ـ 18؛ ألفي منشيه ـ 78؛ بيتار عيليت ـ 87.

وإلى جانب هذا، أقرت السلطات الإسرائيلية أيضا بناء 671 وحدة سكنية استيطانية جديدة في منطقة القدس الشرقية، في مركزها 324 وحدة في حي "راموت"؛ 174 وحدة في رامات شلومو (قرب شعفاط)؛ 68 وحدة في بسجات زئيف وغيرها.

وعُلم أنه منذ دخول ترامب إلى البيت الأبيض، مطلع الأسبوع الماضي، صادقت السلطات الإسرائيلية الرسمية على بناء 3,171 وحدة سكنية استيطانية جديدة.

وقال رئيس الحكومة، نتنياهو، في إثر قراره وليبرمان الأخير المصادقة على 2,500 وحدة استيطانية جديدة: "نحن نبني وسنواصل البناء"! أما ليبرمان فقال: "نحن نعود الآن إلى الحياة الطبيعية في يهودا والسامرة" (الضفة الغربية).

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي