*عشرات القرى التي تضم حتى قرابة 100 ألف نسمة محرومة من الاعتراف الرسمي ومن فرص حياة طبيعية *40 ألف نسمة وأكثر مهددون بالاقتلاع من قراهم *نسبة البطالة بين عرب النقب تصل إلى 37% (النسبة العامة 4,6%) *نسبة الفقر بينهم حتى 70% وبين الأطفال 80% *مشاريع اقتلاع لغرض إقامة مستوطنات لليهود وتوزيع الأراضي المصادرة على اليهود مجانا*

تشير تقارير الفقر الإسرائيلية الرسمية السنوية، في السنوات الثلاث الأخيرة على الأقل، إلى أن البلدات العربية في صحراء النقب (في الجنوب) لم يشملها مسح تقرير الفقر، بسبب عدم إمكانية التواصل مع شريحة نموذجية هناك من جراء عدم وجود شبكة اتصالات كافية منظمة. وهذه العبارة الصادرة عن مؤسسة رسمية، في كيان يُعد من الدول المتطورة، تخفي من ورائها الكثير من مشاهد البؤس السائدة في المجتمع الفلسطيني في النقب، الذي يسجل أعلى نسب الفقر على كافة المستويات، وأعلى نسب بطالة وحرمان من كثير من مقومات الحياة العصرية وفرص التطور، وبفارق ملحوظ جدا عن باقي مناطق وبلدات الفلسطينيين الأخرى التي تعاني بطبيعة الحال من تمييز عنصري، ومن حرمان من الميزانيات والموارد.

وهذا الملف المفتوح بشكل دائم للنقب يلقى اهتماما الآن على ضوء جريمة تدمير 15 بيتا ومنشأة في قرية أم الحيران، واستشهاد المربي يعقوب أبو القيعان ابن القرية حينما كان في طريقه إلى عمله كمدرس لموضوع الرياضيات، يوم الأربعاء 18 كانون الثاني الجاري.

السكان والأوضاع الاجتماعية

وفق التقديرات يعيش في صحراء النقب حتى نهاية العام 2016، حوالي 248 ألف عربي فلسطيني، ويشكلون نسبة 16,7% من أصل 1,485 مليون عربي، من دون القدس والجولان المحتلين. ونسبة التكاثر بينهم هي في حدود 3,6%، وهي النسبة الأعلى بين العرب، الذين معدل تكاثرهم مع النقب هو في حدود 2,6%. وهذا نظرا لارتفاع عدد الولادات للأم الواحدة، برغم أن المعدلات في النقب عامة في تراجع مستمر، كما هي لدى العرب بشكل عام، وباتت أقل من معدل الولادات لدى المتدينين المتزمتين "الحريديم" (حوالي 7 ولادات) والمتدينين من التيار الصهيوني (5 ولادات)، مقابل 3,4 ولادة للأم العربية، وفي النقب وحده 5 ولادات، بعد أن كان هذا المعدل عام 2007 في النقب 7,4 ولادة للأم الواحدة، وهذا مؤشر للتراجع الدائم.

وينتشر المواطنون هناك في ستة تجمعات سكنية ثابتة ومعترف بها، أكبرها مدينة راهط، التي أقامتها السلطات في العام 1972 تجميعا لعدة قرى. وفي العام 1994 جرى الاعتراف بها مدينة. وحسب التقديرات فإن عدد السكان فيها قرابة 65 ألفا، بناء على إحصائيات العام 2015 التي تحدثت عن 62,5 ألف نسمة، ولكن قسما من السكان مسجل فيها، بينما هو في واقع الحال يسكن في بلدات ترفض السلطات الاعتراف بوجودها على الأرض.

وحسب التوقعات فإن راهط ستتحول في غضون سنوات قليلة إلى أكبر مدينة عربية من حيث تعداد السكان. والمدينة الأكبر حاليا هي الناصرة (في الشمال) التي يعيش فيها 84 ألف نسمة، بنسبة تكاثر 2,2%، مقابل 3,6% في راهط. ولكن في حال تنفيذ جرائم اقتلاع عدد من القرى فإن عدد السكان في هذه الأخيرة سيرتفع بنسبة كبيرة.

كذلك في النقب خمس قرى أخرى، أقامتها السلطات الإسرائيلية في سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي. وحسب التقديرات، فإن ما بين 35% إلى 40% من أهالي النقب (من 86 ألفا إلى 99 ألفا) يعيشون في قرى ترفض السلطات الاعتراف بها. وبعضها أعلنت حكومات سابقة الاعتراف بها، إلا أنها ما تزال محرومة من كافة مقومات الحياة العصرية، وبعضها قائم ضمن مجالس إقليمية في المنطقة.

يعاني العرب في النقب من أشد الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية بؤسا، وبحسب التقديرات فإن نسبة الفقر بينهم عموما تتراوح ما بين 65% إلى 70%، وبين الأطفال وحدهم حوالي 80%. بينما النسبة العامة للفقر بين العرب في إسرائيل بما يشمل النقب هي 54% على مستوى الجمهور العام، و63% بين الأطفال.

وهذا نابع من سلسلة أوضاع أولها الحرمان من فرص العمل. فوفق تقارير دورية صادرة عن سلطة التشغيل الإسرائيلية، فإن نسب البطالة بين عرب النقب شبه ثابتة، وتتراوح ما بين 30% إلى 37%، وهذا لا يشمل القرى المحرومة من الاعتراف. في حين أن معدل البطالة في إسرائيل في شهر تشرين الثاني 2016، بلغ 4,6%. وبين العرب عموما تتراوح البطالة ما بين 14% إلى 16%، والعرب من دون النقب ما يقارب 11,5%، وفق تحليل لمعطيات سلطة التشغيل.

والوضع أشد قساوة بين النساء، إذ أن نسبة انخراطهن في العمل لا تتجاوز 28%، وبين الرجال 61%، وهذا ليس نابعا من طبيعة الحياة لدى العشائر، بموجب ما تزعم السلطات، وإنما بسبب حرمان البلدات هناك، كما هي الحال في سائر المدن والبلدات العربية في المناطق الأخرى، من المناطق الصناعية ومرافق العمل. وما يزيد بلدات النقب بؤسا، أن منطقة الجنوب ككل أضعف اقتصاديا من باقي مناطق البلد، وأن البلدات اليهودية التي فيها نسبة عالية من اليهود الشرقيين تعاني هي أيضا من نسبة بطالة أعلى مما هو قائم في سائر البلدات اليهودية.

هذه الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية تنعكس مباشرة على كافة الأوضاع الاجتماعية الأخرى، مثل التحصيل العلمي، الذي هو في أدنى مستوياته في البلاد عامة، وأيضا بين العرب. وحسب تقارير وزارة التربية والتعليم عن العام 2014، فإن نسبة التسرب من المرحلة الثانوية في مدارس النقب، بلغت 36%، في حين أن النسبة بين العرب ككل بمن فيهم النقب 22%، مقابل 16% بين اليهود.

كذلك فإن نسبة الحاصلين على شهادة التوجيهي (البجروت حسب التسمية الإسرائيلية) هي الأدنى على الإطلاق: 20% في العام 2014، مقابل 12% في العام 2000، بينما النسبة بين المواطنين العرب ككل رسميا 36%، وفعليا ما يزيد عن 44%، إذ أنه ضمن نسبة 36% يوجد طلاب القدس المحتلة منذ العام 1967، الذين يشكلون نسبة 17% من إجمالي الطلاب العرب. وهم في غالبيتهم الساحقة يتوجهون إلى المنهاج الفلسطيني.

واللافت في معطيات شهادات التوجيهي أن النسبة بين الطالبات في النقب 30%، بينما النسبة بين الطلاب 10%، وهذا أيضا دليل على أنه في المجمل العام، الشابة العربية لا تواجه حواجز اجتماعية للخروج إلى الدراسة.

وتقول احصائيات مجلس التعليم العالي إن أعداد الطلاب العرب من النقب في مؤسسات التعليم العالي الإسرائيلية سجلت زيادة بأكثر من الضعفين منذ العام 2008، من 1313 طالبا في ذلك العام، إلى 2822 طالبا في العام 2014. وهذا لا يشمل عددا كبيرا نسبيا، لكن ليس معروفا، لطلاب يتلقون الدراسة الجامعية في الخارج أو في الضفة الفلسطينية المحتلة. ولكن هذه الأعداد تبقى نسبيا أضعف مما هو قائم في البلاد وأيضا بين العرب.

الأرض والاقتلاع

ويملك أهالي النقب قرابة مليون دونم، وقسم كبير من هذه الملكية قائم وفق الأعراف العشائرية، التي ترفض السلطات الاعتراف بها رسميا، رغم أنه في حالات ليست قليلة جرت مقايضة أصحاب الأراضي، إما بتبديل أو شراء الأراضي على أساس شكل الملكية هذا. وحسب التقديرات، فإنه ما زال بيد أهالي النقب أكثر من نصف مليون دونم، بعد المصادرات الكبيرة، ولا تعترف السلطات بملكية نسبة عالية جدا منها.

على مدى السنين سعت كل حكومات إسرائيل إلى اقتلاع عرب النقب من أراضيهم وتجميعهم على أقل بقعة أرض من خلال سلب الأرض، وثانيا عبر تجاهل كلي لطبيعة الحياة البدوية، حتى في التجمعات الثابتة المعترف بها. والهدف الأساس هو إقامة مستوطنات لليهود فقط.

في سنوات الألفين الأولى جرى إقرار قانون المزارع الخاصة، الذي بموجبه "تمنح" السلطات العائلة اليهودية، أو حتى الفرد، عشرات الدونمات في النقب مجانا، أو مقابل سعر رمزي لا يذكر، كإيجار لسنوات عديدة، على أن يقيم فيها مزرعة لمختلف التخصصات، إما زراعة أو تربية الدواجن والماشية.

وعلى مدى السنين وضعت أو عالجت كل الحكومات الإسرائيلية مشاريع تهدف بالأساس إلى اقتلاع القرى التي ترفض الاعتراف بها، ومحاصرة العشائر البدوية في بلدات قائمة، وعمليا محاصرتها، واستكمال مصادرة مئات آلاف الأراضي.

وآخر هذه المشاريع تبلور بصيغته النهائية في العام 2011 في ظل حكومة بنيامين نتنياهو، لكن المشروع بدأت بلورته في ظل حكومة "كديما" برئاسة إيهود أولمرت (2006- 2009). وقد اتخذ له اسم "مشروع برافر"، ولاحقا هناك من أطلق عليه اسم "برافر- بيغن"، فالأول هو أحد الموظفين في الجهاز الحكومي، والثاني الوزير السابق والنائب الحالي بنيامين بيغن، الذي أجرى حوارات في محاولة للتوصل إلى تفاهمات مع المواطنين أو من يمثلونهم للتوصل إلى صيغة ما.

وفي صلب هذا المشروع اقتلاع حوالي 30 قرية وما يقارب 40 ألف مواطن من قراهم القائمة ومن أراضيهم وتركيزهم في 15 قرية قائمة، بضمنها المعترف بها سابقا. لكن لأجل إتمام هذا المشروع، فقد تضمن سلسلة من الأنظمة التي ليس لها أي ذكر في أي من القوانين القائمة، التي تخص التنظيم والبناء وحتى الوراثة وشكل الملكية والتنازل عنها. ومثال على ذلك، إذا كان يوجد خمسة أخوة أو أكثر ورثوا أراضي مشتركة، مهما بلغت مساحتها، فيكفي أن يوافق واحد منهم على التنازل عن أرضه أو القبول بتعويضات، كي يسري "الاتفاق" قسرا على باقي أخوته، حتى وإن كانوا معارضين له.

في حينه تمت مواجهة هذا المشروع من أهالي النقب والمواطنين العرب، بنشاطات كفاحية قادتها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، وكان هناك ضغط شعبي ملموس ضد هذا المخطط.

إلا أنه في المقابل ظهرت معارضة أيضا في داخل الحكومة، وخاصة من أحزاب المستوطنين، والحركات الداعمة لهم ميدانيا، وكان اعتراضهم على "إبقاء 150 ألف دونم" بيد العرب، وطالبوا بمساحة أضيق بكثير، لتجميعهم في بلدات محاصرة. والاعتقاد السائد أن هذا الاعتراض كان العامل الأقوى وراء تجميد "مشروع برافر".

وفي الحكومة الحالية طالبت كتلة تحالف أحزاب المستوطنين "البيت اليهودي" وحصلت على إسناد ملف النقب بيد وزير الزراعة، المستوطن أوري أريئيل، وهو من المعارضين لمشروع برافر. وعلى مر السنين السابقة وحتى اليوم، فإن مخطط الهدم والتدمير يطبق على الأرض يوميا. وبحسب احصائيات، فإنه خلال العام 2016 تم تدمير 1200 مبنى ومنشأة في بلدات النقب، وغالبيتها الساحقة من بيوت الصفيح، الأكثر انتشارا في كل القرى المحرومة من الاعتراف. وبضمنها أيضا عشرات كثيرة من البيوت والمباني الإسمنتية.

وبضمن هذا تم تدمير قرية العراقيب 15 مرّة خلال العام 2016 وحده. وفي الأسبوع الأول من الشهر الجاري، كانون الثاني 2017، جرى تدمير القرية للمرّة الـ 108 منذ شهر تموز 2010 وحتى الآن. وهذه القرية كانت قائمة حتى العام 1951، وفيها مقبرة، أحد القبور عليه شاهد على وفاة في العام 1908، وأراضيها مسجلة في سجلات "التابو" لأصحابها الوارثين. وكان ادعاء السلطات في ذلك العام أن الإخلاء لأغراض عسكرية ومؤقت، ولكنها لم تسمح لهم بالعودة طوال السنوات اللاحقة.

وفي نهاية سنوات التسعين، قرر الشيخ صياح الطوري (أبو عزيز) العودة إلى القرية، في مقدمة العشرات من أبناء عائلته الكبيرة، وأقاموا في القرية، وبنوا بيوتا إسمنتية، وابتداء من سنوات الألفين الأولى بدأت عملية الإخلاء تتصاعد، حتى وصلت في صيف العام 2010 إلى تدمير القرية وبيوتها الإسمنتية، ومن ثم لتتحول قضية القرية إلى واحدة من رموز الصمود فيها. فمعنى تدمير القرية 108 مرات أنه تم بناؤها من جديد 109 مرات. وتخلل هذه السنين الكثير من المواجهات والمحاكم والأوامر الإدارية والمعركة ما تزال مستمرة.

ومثل قرية العراقيب عدة قرى أخرى، ولكن أبرز المعارك الحالية هي قرية أم الحيران. فهذه القرية تم تهجيرها في العام 1956 من مكانها الأصلي في وادي زُبالة، وتم توطين الأهالي بقرار السلطات في المكان الموجودة فيه حاليا. وفي السنوات الأخيرة قررت حكومة نتنياهو إقامة مستوطنة لليهود فقط تحمل اسم "حيران"، وهي واحدة من سبع مستوطنات تسعى السلطات إلى إقامتها على الأراضي العربية المصادرة. وهي مخصصة على الأغلب للأزواج الشابة اليهودية. ويلقى هذا المشروع، من باب المفارقة، معارضة رؤساء بلديات يهود في المنطقة، يطالبون بتطوير مدنهم وبلداتهم بدلا من إقامة مستوطنات جديدة.

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي