لبيد: "أنا وطني إسرائيلي ويهودي وصهيوني ومواقفي تنبع من هذا الثالوث"!

*أستاذ جامعي: لبيد يستخدم خطاب رئيسة العمل من أجل دفع سياسة شبيهة بسياسة نتنياهو*

كتب بلال ضـاهر:

قبل أسبوعين ونيّف، أعلن الإعلامي الإسرائيلي يائير لبيد عن دخوله إلى الحياة السياسية، وإنهاء عمله الإعلامي، وعزمه على تأسيس حزب جديد يخوض من خلاله الانتخابات العامة المقبلة، المقرر أن تجري قانونيًا في العام 2013.

ولاقى قرار لبيد ترحيبا من جانب قادة الأحزاب الإسرائيلية، وبينهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ورئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، ورئيسة حزب كاديما والمعارضة تسيبي ليفني، ورئيسة حزب العمل شيلي يحيموفيتش، وغيرهم. لكن بدا واضحا أن الأخيرتين، يحيموفيتش وليفني، امتعضتا من إعلان لبيد، وخصوصا ليفني، بعدما أظهرت استطلاعات رأي، تلت إعلان لبيد مباشرة، أن حزبها، كاديما، سينهار في الانتخابات المقبلة وسيحصل على 14 نائبا في الكنيست في الانتخابات المقبلة، بينما هو ممثل اليوم بـ 28 نائبا.

ورغم أن استطلاعات الرأي جاءت بعد إعلان لبيد بيومين فقط، إلا أنها أظهرت أنه سيحصل في الانتخابات على نحو 15 نائبا، وبعض الاستطلاعات تحدثت عن 20 نائبا. كل هذا من دون أن تكون لدى أحد أدنى فكرة عن الخط السياسي الذي سينتهجه الحزب الجديد، إذ لم يعلن لبيد برنامجه السياسي، ولا حتى اسم الحزب الجديد الذي سيخوض من خلاله الانتخابات.

ويرى محللون إسرائيليون أن إعلان لبيد عن دخول الحياة السياسية وتأسيس حزب جديد يخوض من خلاله الانتخابات المقبلة، قبل أكثر من عام من موعدها، من شأنه أن يؤدي إلى تراجع شعبيته بحلول موعد الانتخابات. إلى جانب ذلك كان يتردد الحديث، منذ سنوات، عن نية لبيد أن يحذو حذو والده، الوزير السابق يوسف لبيد، بالانتقال من عالم الصحافة والإعلام إلى الساحة السياسية. لكن التحليلات تجمع على أن لبيد اضطر إلى الإقدام على هذه الخطوة في موعد مبكر، بعد أن بدأ حراك في الكنيست لسن قانون يمنع الإعلاميين والصحافيين من الانتقال مباشرة من عالم الإعلام إلى عالم السياسة، وإنما بعد فترة انتظار قد تدوم عامين، ما يعني عدم تمكن لبيد من خوض الانتخابات المقبلة.

"أين المال؟"

عرف الجمهور الإسرائيلي لبيد، المولود في العام 1963، من خلال والده، الإعلامي والسياسي يوسف (تومي) لبيد، ووالدته الأديبة شولاميت لبيد. وتعرف الجمهور على لبيد من خلال عمله كمقدم برنامج "أستوديو الجمعة" الإخباري في القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي ومقاله الأسبوعي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، كل يوم جمعة، وأيضا من خلال 11 كتابا ألفها ونشرها، بينها عدة روايات.

ورغم أن لبيد توقف عن العمل في القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، إلا أنه ما زال ينشر مقاله الأسبوعي في "يديعوت أحرونوت"، التي تعتبر من أكثر الصحف انتشارا في إسرائيل.

وحاول لبيد في مقال نشره في 13 كانون الثاني الحالي، البدء بتسويق نفسه كسياسي، وبدا أنه جاء إلى الحلبة السياسية من رحم الاحتجاجات الاجتماعية، التي شهدتها إسرائيل في الصيف الأخير.

وقال لبيد في مقاله، الذي جاء تحت عنوان "لماذا قررت دخول معترك السياسة": "أنا وطني إسرائيلي ويهودي وصهيوني، وكل مواقفي تنبع من هذا الثالوث". وأضاف "أنا في الطريق إلى السياسة لأني أعتقد أن نوع الخطاب الجاري في إسرائيل يقود هذه الدولة إلى الضياع، وأنا أريد أن أحاول تغييره. ربما هذه مهمة طموحة جدا، لكن هل كان جديرا بي أن أترك الكرسي المريح في ’أستوديو الجمعة’ من أجل شيء غير طموح؟".

وأشار لبيد إلى أنه يكتب في هذه الأثناء برنامجا سياسيا مفصلا يتضمن سلسلة من المواضيع "بدءا من الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني وانتهاء بالحاجة الماسة إلى دستور". ورأى أن العبارة الأساسية التي ينبغي أن يبدأ بها النقاش حول مصير إسرائيل هي "أين المال؟". وأضاف أن "هذا هو السؤال الكبير الذي تطرحه الطبقة الوسطى الإسرائيلية، وهي الطبقة التي من أجلها أنا ذاهب إلى السياسة، وهدفي المعلن هو أن أمثّل مصالحها: أين المال؟ ولماذا حصرا الطبقة المنتجة، التي تدفع الضرائب، وتقوم بواجباتها، وتنفذ الخدمة العسكرية في قوات الاحتياط، وتحمل على كاهلها الدولة كلها، لا ترى المال؟".

وتابع "هل تريدون موقفا واضحا؟ تفضلوا: هذا مالنا، وحان الوقت كي يستثمروه فينا. فهذا السؤال، وهاتان الكلمتان الصغيرتان، تشملان بداخلهما عددا غير قليل من الأسئلة الأخرى: لماذا يحصل أولادنا على التعليم الأسوأ في العالم الغربي؟ لماذا ليس لديهم احتمال أن يشتروا شقة؟ لماذا الدولة العظمة في الهاي- تك والتكنولوجيا غارقة في بيروقراطية فاسدة تلائم العالم الثالث؟ لماذا غلاء المعيشة هنا منفلت إلى هذا الحد والفجوات كبيرة للغاية؟ لماذا لا يتم دعم الخدمات الضرورية، مثل الشرطة والصحة والرفاه، والعاملون فيها يتلقون أجرا سخيفا؟".

وأضاف لبيد أن الجمهور الإسرائيلي "ليس بحاجة لي من أجل معرفة إلى أين يذهب المال [العام]. فالإجابة يعرفها الجميع: منذ سنوات طويلة ودولة إسرائيل مستعبدة لمجموعات مصالح ابتزازية، تفتقر للخجل، وحتى أن بعضها غير صهيوني، وتستخدم بشكل سيء طريقة الحكم المعوجة عندنا من أجل نهب أموال الطبقة الوسطى".

وتطرق لبيد إلى الموقف من الحريديم، أي اليهود المتزمتين دينيا، وقال "لست مهتما بالكراهية لليهود، وإنما فقط بالتوزيع الأكثر عدلا للموارد وبسلم أولويات مختلف تماما. وأعتقد أن على أولاد الحريديم أن يتعلموا المواضيع الأساسية [مثل اللغات والرياضيات] وعلى ذويهم أن يعملوا [بدلا من دراسة التوراة والحصول على مخصصات من خزينة الدولة]، وأنا مؤمن بأنه يوجد حريديم كثيرون يفكرون مثلي وسيسرهم أن أحدا ما يحارب النشطاء والحاخامين المتطرفين الذين يسيئون إلى حياتهم".

وتابع أن المال العام "موجود بيد أثرياء يفتقرون للخجل وحس المسؤولية، ويلعبون بأموال تقاعدنا لعبة خطيرة ومدمرة وينبغي وقفها، وهو موجود في أجهزة حكومية مضخمة ومبذرة، ولا تكلف نفسها إعطاءنا خدمات طبيعية، وهو موجود في عدد غير قليل من المستوطنات النائية التي تبدو مثل سويسرا، وتقود إليها شوارع أفضل من تلك التي في سويسرا". ويشير لبيد هنا، على ما يبد، إلى البؤر الاستيطانية العشوائية والمستوطنات "المعزولة"، ما يدل على أنه من الناحية السياسية المتعلقة بحل الصراع موجود داخل الإجماع الصهيوني.

وخلص لبيد إلى أنه "لن نساوم على الحاجة لتغيير طريقة الحكم، وتغيير سلم الأولويات وتوزيع الموارد، ومحاربة المبتزين ومجموعات المصالح بلا هوادة، وإعادة المال إلى الطبقة الوسطى الإسرائيلية".

"حزب الحياة الجميلة"

في أعقاب إعلان لبيد عن دخوله إلى الحياة السياسية، بدا وكأنه خلط الأوراق في الحلبة السياسية، خصوصا داخل ما يسمى بمعسكر "الوسط - اليسار" الصهيوني، الذي يجمع أحزاب كاديما والعمل وميرتس.

وتشير التقديرات إلى أن الحزب الجديد الذي سيؤسسه لبيد سيحصل على أصوات ناخبين من هذه الأحزاب وخصوصا من كاديما، ومن الجهة الأخرى فإنه لا يتوقع أن يؤثر كثيرا على قوة حزب الليكود الحاكم، خاصة وأن الاستطلاعات تؤكد أن أحزاب اليمين ستبقى المعسكر الأكبر وستبقى في الحكم حتى بعد الانتخابات المقبلة.

ورأى رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، ألوف بن، في مقال، أن "الهدف السياسي ليائير لبيد هو أن يفرض على رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، تقديم الانتخابات... ويتعين على لبيد الآن الإمساك بزمام الأمور والمبادرة إلى الدعوة لانتخابات جديدة، وأن تدور حول مطلب تغيير سلم الأولويات الوطني. فهذه هي تذكرته. وهذا ما يشاهدونه من الجانب الآخر للشاشة: لبيد وزميلته السابقة في القناة الثانية، شيلي يحيموفيتش، درسا بعناية قوائم الريتنغ وأدركا أن الخطاب العام معزول عن الجمهور. وقد أدركا أن المشاهدين في البيت لا يهتمون بالمناطق [الفلسطينية المحتلة] وبالمستوطنات و’العملية السياسية’ التي لا فائدة منها، وإنما بأمنهم الاقتصادي وبتعليم أولادهم، وبهذا الإدراك انتقلوا من الأستوديو في القناة الثانية إلى السياسة".

وأضاف بن أن احتجاجات الصيف الأخير شكلت فرصتهما الكبيرة، فقد تم انتخاب يحيموفيتش رئيسة لحزب العمل، وقفز لبيد إلى الساحة كمنقذ قومي وأصبح نجم الاستطلاعات بلا حزب ومؤيدين. واعتبر بن أن لبيد يستكمل ما بدأته الاحتجاجات الاجتماعية "التي شتم نشطاؤها الأثرياء والشركات الاحتكارية وطالبوا برفع الضرائب وخفض الأسعار، لكنهم خافوا من التطرق إلى جانب المصروفات ومهاجمة المستوطنين والحريديم، مؤيدي وداعمي حكومة نتنياهو. والآن جاء لبيد ليعد بإعادة تقسيم كعكة المصروفات، وتحويل الأموال من [المستوطنتين "المعزولتين"] إيتمار ويتسهار ومن [حي الحريديم] رامات بيت شيمش وبني براك إلى [مدن وسط إسرائيل] ريشون لتسيون ورعنانا وموديعين".

لكن بن أشار إلى أن لبيد ويحيموفيتش "يقترحان علينا ما يصفه الأميركيون بـ ’الأمومة وكعكة التفاح’، أي الأمور الجميلة فقط. وعالمهما شبيه ببرامج القناة الثانية: بدون عرب، بدون الصراع القومي، وعمليا بدون سياسة خارجية أبدا. إنهما يريدان العودة إلى عالم الماضي، هي تريد العودة إلى دولة الرفاه الاشتراكية في زمن [حزب] مباي، وهو يريد العودة إلى فترة إنشاد [النشيد الوطني الإسرائيلي] ’هتيكفا’ في أيام الذكرى [للجنود الإسرائيليين القتلى]، من دون القومية الدينية وتطفل الحريديم الذين سيطروا علينا منذ مناحيم بيغن وحتى نتنياهو. ويطرح لبيد: أعطوا الشعب نظاما جديدا وتعليما جيدا، وستكون الأمور هنا رائعة مثلما كانت في عهد [مؤسس إسرائيل دافيد] بن غوريون".

ورأى بن أنه ببرنامج كهذا، لا يسعى لبيد إلى الوصول إلى رئاسة الحكومة، "وإنما يسعى إلى موقع بيضة القبان الذي يتوج رئيس الحكومة المقبل. والمشكلة هي أنه بموجب الديمغرافيا والاستطلاعات، فإن لبيد ويحيموفيتش يتقاسمان بينهما الجثة المتحللة لكاديما، ومعسكر الوسط - اليسار يتحطم إلى ثلاثة أحزاب متوسطة. ولا يتعين على نتنياهو سوى المناورة بينها بعد الانتخابات، وأن يختار منها شركاءه بأرخص ثمن".

واعتبر الكاتب أنه "إذا أراد لبيد إحداث التغيير، فإن عليه أن يقوم بما قام به أريئيل شارون عندما أسس الليكود في العام 1973: أن يستغل [لبيد] شعبيته من أجل أن يفرض على العمل وخائبي الأمل من نتنياهو الذهاب ككتلة واحدة كبيرة لمنافسة الليكود".

وأشار بن إلى أن لبيد ليس أول من دخل السياسة بشعارات كالتي يطرحها، وقد سبقه إلى ذلك "الصهيونيون العموميون"، في العام 1951، الذين تمكن بن غوريون من القضاء عليهم سياسيا. كذلك حدث الأمر ذاته لحزب "داش" في العام 1977، "وسيحدث الأمر نفسه مع لبيد إذا اكتفى بإطلاق دعوات لا طائل منها لوضع دستور وفرض تعليم مواضيع غير دينية على الحريديم. وإذا أراد لبيد إحداث تغيير حقيقي وإقناع الجمهور بالانتقال من القناة الرسمية إلى القناة الثانية، فإنه سيكون مضطرا لخوض معركة مواجهة قذرة أمام نتنياهو".

لبيد والصراع

مع الفلسطينيين

وحاول المحاضر في قسم تاريخ إسرائيل في جامعة حيفا، البروفسور داني غوطفاين، في مقال نشره في ملحق "الكتب" في "هآرتس"، يوم الأربعاء الماضي، استخلاص برنامج سياسي محتمل سيضعه لبيد بناء على مقالاته التي ينشرها في "يديعوت أحرونوت"، وصدرت في كتاب مؤخرا.

ويبين غوطفاين أن عقيدة لبيد في الناحية الاقتصادية تنص على أن "الشرط لتحرير الطبقة الوسطى من العبودية هو التراجع عن دولة الرفاه واستبدالها بدولة المساعدات، التي تميز الأنظمة النيو - ليبرالية [الاقتصادية اليمينية]. ووفقا لذلك، فإن لبيد يقلص هدف خدمات الرفاه إلى الدعم الاجتماعي لـ ’الضعفاء’، وهي الخدمات التي لا تحتاجها الطبقة الوسطى، لكنها مستعدة لتمويلها من الضرائب التي تدفعها من خلال إدراك أخلاقي". كذلك فإن لبيد يؤيد نظام الخصخصة.

وفيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، كتب غوطفاين أنه "على الرغم من أن لبيد يدعو إلى إخلاء مستوطنات من خلال تعامل نزيه مع المستوطنين، لكنه يتبنى الفرضيات الأساسية للحكومة [أي حكومة نتنياهو] تجاه الفلسطينيين. وهو يعتقد أنه ’يحظر الاعتماد على الفلسطينيين’ وأن ’الصراع هنا هو من أجل البقاء’، لكنه يؤيد إقامة دولة فلسطينية ’ليس لأن هذا سيجلب السلام، وإنما لأنه سيكون أسهل بكثير إدارة الصراع أمام دولة كهذه’".

وخلص غوطفاين إلى أن "لبيد يستخدم خطاب يحيموفيتش (رئيسة حزب العمل) من أجل دفع سياسة شبيهة بسياسة نتنياهو. وهذه هي خلاصة وهم التغيير الذي يطرحه كرد كاذب على تناقضات الطبقة الوسطى الإسرائيلية".

ورأى الكاتب أن "إسرائيلية لبيد البرجوازية من شأنها تقوية نظام الخصخصة وزيادة تراجع مكانة الطبقة الوسطى وتعظيم تناقضاتها".