[مقابلة خاصة مع البروفسور ماهر ذباح، الخبير الدولي في مجال قوانين المنافسة والاحتكار]

كتبت هبة زعبي:

يثير الواقع الاقتصادي في إسرائيل جدلا واسعا ينبع من تركيبته المعقدة نسبيا، ومن تأثير قوى اقتصادية داخلية تخترق حدود العلاقة الطبيعية أحيانا بين متخذي القرار وأصحاب رؤوس الأموال بهدف ردع دخول منافسين جدد للأسواق الإسرائيلية، الأمر الذي حافظ على مدار سنوات على وتيرة أسعار عالية نسبيا للمنتجات والعقارات.

لكن بعد مواجهة الحكومة الإسرائيلية لاحتجاجات كبيرة قوية وغير مسبوقة في صيف 2011 قادتها حركة شبابية تنتمي للطبقة الوسطى من المجتمع الإسرائيلي طالبت بخفض الأسعار ورفع مستوى المعيشة، شكلت الحكومة عدة لجان خاصة لبحث القضايا التي أثارتها هذه الموجة التي انخفضت حدتها في الفترة الأخيرة، وتأثير هذه الأحداث لا يزال قائما ولكنه غير واضح ومبهم، ولا نجد حتى الآن أي نتائج ملموسة على أرض الواقع، فهل سيكون لتوصيات اللجنة التنافسية المرتقبة وتوصيات اللجان الأخرى تأثير فعال؟ وهل ستكون لخصخصة الموانئ تأثير فعال على الاقتصاد؟ ما هي حدود العلاقة بين أصحاب رأس المال ومتخذي القرار؟ ومتى يكون التجاوز؟ هل ستستفيد الأقلية العربية من التغيير المرتقب؟ ما هو الدور الذي تلعبه سلطة الاحتكار إزاء مطلب زيادة المنافسة وخفض الأسعار؟.

البروفسور ماهر ذباح، وهو خبير دولي في مجال قوانين المنافسة والاحتكار، ومدير المركز المتعدد المجالات لقوانين المنافسة في جامعة لندن ومؤسس المركز الخاص بقوانين المنافسة والاحتكار التابع لكلية القانون في "كلية الإدارة" في إسرائيل، أجاب في المقابلة التالية على مجمل هذه التساؤلات، كما استفسرنا منه عن الحلول التي يجدها مناسبة وتؤدي إلى خفض الأسعار وانتعاش الاقتصاد .

(*) سؤال: هل أثرت الاحتجاجات الأخيرة في إسرائيل على السياسات الحكومية فيما يتعلق بخفض أسعار المنتجات المختلفة وزيادة المنافسة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تكون لهذه السياسات فاعلية على صعيد رفع مستوى المعيشة للمواطنين ذوي الدخل المتوسط أو الفقراء؟

ذباح: عند بداية هذه التظاهرات كان هناك تأثير ايجابي أولي في المدى القريب، وظهر من خلال خفض بعض الأسعار في تلك الفترة، وبخصوص إمكانية وجود تأثير للمدى البعيد يجب علينا الانتظار والترقب لفترة طويلة لرؤية النتائج. فالحكومة أقامت على أثر الاحتجاجات عدة لجان: لجنة تراختنبرغ، اللجنة التنافسية، اللجنة الخاصة بسوق بيع السيارات، وغيرها، وقدم عدد من هذه اللجان توصياته للحكومة وننتظر توصيات قسم آخر، وبالنسبة للسياسات الحكومية وما يجب عليها أن تقوم به للمدى البعيد فإنه يتعلق بمدى ترجمة هذه التوصيات بشكل عملي حتى يكون لها تأثير على أرض الواقع، لكن وفق ما يتضح لنا من مؤشرات فإن الأمور ما زالت غير واضحة والأمر لا يظهر بصورة إيجابية، فالحكومة الحالية مركبة من كتل سياسية مختلفة وليس شرطا أن تتوافق على نفس السياسة الاقتصادية.

(*) سؤال: وهل يمكن لهذه السياسات أن تؤثر على مستوى معيشة الأقلية العربية والتي تتميز بنسبة عالية من المواطنين الذي يعيشون تحت خط الفقر؟

ذباح: في حال تطبيق هذه التوصيات وترجمتها إلى تشريعات وخطوات عملية يمكن لها أن تعزز المنافسة وإدخال لاعبين جدد للسوق وإتاحة حرية اختيار واسعة للمنتجات وقيام المنتجين المحليين بتخفيض الأسعار فإن الأمر سيجلب الفائدة للمستهلك ويكون له تأثيرعلى مستوى معيشة الفرد البسيط الذي يهتم بسعر المنتج، ومن المؤكد أنه سيكون هناك تأثير بارز على مستوى معيشة الأقلية العربية التي تتميز بنسب فقر عالية.

(*) سؤال: ما رأيك وموقفك من توصيات أو تسريبات توصيات اللجنة التنافسية في نهاية كانون أول 2011؟ هل يمكن أن يكون لعملها أو توصياتها أي تأثير على سياسة المنافسة في إسرائيل؟ وكيف تجد توصيتها بخصوص خصخصة ميناء ايلات؟

ذباح: ما نشر أو سُرّب حتى الآن هو توصيات مبدئية اقترحت اللجنة خلالها الفصل بين الهياكل والمباني الهرمية والمالية، وهذا الأمر في حال تطبيقه يمكن أن يؤثر إيجابيًا على سياسة المنافسة في الأسواق. وفيما يتعلق بقضية خصخصة الموانئ فإنه إذا أقرت بالطريقة الصحيحة وبأهداف واضحة سيكون لها تأثير إيجابي وفعال ويعزز من المنافسة ويقصي سيطرة جهات حكومية معينة، لكن في حال عدم تنفيذ هذه العملية بالطريقة الصحيحة وبأهداف غير واضحة فإنه يمكننا أن ننتقل من احتكار حكومي إلى احتكار شركة خاصة.

(*) سؤال: هل تلعب سلطة مكافحة الاحتكار دورا فعالا ومؤثرا في انتعاش الاقتصاد وخفض الأسعار وزيادة المنافسة؟ وإلى أي مدى؟

ذباح: سلطة مكافحة الاحتكار في أي دولة تقوم بدور فعال طالما أنها تطبقه بالطريقة الصحيحة وبدون أي تقصير، من المهم جدا أن تعالج هذه السلطة المشاكل والممارسات الاحتكارية، لكن لا يمكنها منع وجود شركات قوية في السوق فهذا أمر طبيعي ويجب تشجيعه. حتى الآن نحن نسمع من سلطة مكافحة الاحتكارعناوين إعلامية ودعاية أكثر من قيامها بخطوات عملية ولذا عليها أن تقوم بدور فعال أكبر وأن تهتم بمعالجة قضية الكارتيلات بطريقة فعالة أكثر. لعل دخول مؤتمن جديد لسلطة مكافحة الاحتكار تزامن دخوله مع تغييرات في بعض المناصب الهامة فيها أثر على تراجع عملها، لذا يجب الترقب وإعطاء فرصة ومهلة للنظام الجديد لرؤية النتائج العملية، وسنحكم على نجاحه من خلال مدى قيامه بفتح ملفات قضايا جديدة وقيامه بأبحاث جديدة.

(*) سؤال: كيف ترى العلاقة بين أصحاب رؤوس الأموال في إسرائيل والحكومات الإسرائيلية؟ من المستفيد الكبير من هذه المعادلة؟ وأخص بالذكر قضية مصانع البحر الميت الأخيرة حيث استغل أصحاب رؤوس الأموال ثروات طبيعية عامة وتراجعت الدولة عن قرارها بالمطالبة بدفع نسبة 90% الى 80% وجاء القرار لصالح الإخوة عوفر مشغلي هذه المصانع؟

ذباح: لا يمكن الادعاء بأن العلاقة بين أصحاب رؤوس الأموال والحكومة هو أمر غير شرعي، فهذه العلاقة دائما موجودة. وأصحاب رؤوس الأموال هم لاعبون أساسيون في الاقتصاد ولهم دور هام لا يمكن إلغاؤه، من ناحية أخرى فإن لصناع القرار تأثيرا وعلاقة مباشرة بالقرارات والمؤسسات الاقتصادية كالبنك المركزي والبورصة وسوق المال الخ.. ولهذه المؤسسات تأثير هام وأساس على الاقتصاد. هناك اندماج طبيعي وشرعي بين الطرفين ولكن يجب أن توضع له حدود وأن يخضع لرقابة كيلا يحدث اختراق للحدود والخطوط الحمراء الموضوعة لهذه العلاقة، وهذا الاختراق يتشكل عند وجود تأثير سلبي لأصحاب رؤوس الأموال على متخذي القرار بالضغط عليهم لاتخاذ قرارات حكومية لصالحهم، وفي إسرائيل هذه الظاهرة منتشرة وذات تأثير سلبي وتضر بالمستهلك، أذكر على سبيل المثال قيام شركة "ورق الخضيرة"IDB قبل عدة سنوات باستغلال نفوذها لزيادة ضريبة الجمارك على الورق البني المستورد، وكذلك قيام شركة "نيشر" باستغلال نفوذها والتأثير على زيادة ضريبة الجمارك على منتجات معينة.

(*) سؤال: هل توجد في الأسواق أو في مجالات اقتصادية معينة في إسرائيل حالة من الاحتكار أو انعدام للمنافسة؟

ذباح: هناك احتكار حكومي في مجال الطاقة الكهربائية والتي تخضع لسيطرة حكومية كاملة، وأيضا هناك احتكار حكومي للأراضي والتي تخضع أغلبية مساحاتها لملكية الدولة التي تملك كل الموانئ أيضا. من ناحية أخرى هناك احتكار شركات خاصة لأسواق معينة، مثلاً شركة "نيشر" تحتكر سوق الإسمنت، وشركة "ورق الخضيرة" تحتكر سوق الورق البني.

(*) سؤال: ما هي الآلية المناسبة والصحيحة برأيك التي يجب على الحكومة اتخاذها لزيادة المنافسة وخفض الأسعار وانتعاش الاقتصاد؟ وما هو رأيك في أداء الحكومة في هذا المجال؟

ذباح: هناك عدة خطوات يمكن القيام بها وهي متداخلة مع بعضها البعض: أولا، يجب تخفيض الجمارك وهذا الأمر سيشجع الاستثمار الأجنبي على دخول الأسواق المحلية ويعزز المنافسة ويخلق ضغطا تنافسيا داخل الدولة، وفي هذه الفترة هناك وعود حكومية معلن عنها بخفض ضريبة الجمارك على 600 منتج من المقرر أن تنفذ خلال عدة أشهر؛ ثانيًا، فرض الرقابة الصحيحة وأن تقوم سلطة مكافحة الاحتكار بدورها بشكل فعال؛ ثالثا، يجب تثقيف المستهلك وأن يتعلم أن يكون له دور فعال أكثر وأن يدرك وجود خيارات عديدة متاحة له يمكنه القيام بها وهذه المهمة ملقاة على عاتق سلطة مكافحة الاحتكار. لكن الأمر الأساس أن مسؤولية نجاح هذه الخطوات ملقاة على كاهل الحكومة.

(*) سؤال: هل التغييرات الكبيرة في سوق الاتصالات في إسرائيل هي مثال جيد لتطبيق هذه الخطوات؟

ذباح: يمكننا اعتبارها مثالا جيدا لسوق عانت العديد من المشاكل لكنها اليوم تخضع لتغييرات جذرية ولدخول شركات منافسة إلى السوق، وبدأ التغيير للأفضل في العام 2009 منذ أن بدأت وزارة الاتصالات بشكل عملي وفعال بإزالة كافة الحواجز التي تعيق وجود المنافسة داخل هذا السوق وبإتاحتها.