يدور في الآونة الأخيرة نقاش ملحّ في أوساط المثقفين والناشطين السياسيين العرب في الداخل حول أهمية وضرورة تفعيل العمل الجماعي العربي، وحول ضرورة تجديد وتحديث البنى التنظيمية الجماعية، بما يتلاءم وطبيعة المرحلة ويتناسب مع حجم وثقل التحديات ويتفاعل مع المتغيرات الداخلية والخارجية.

لا يمكن إنكار الدور الذي تقوم به لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، والموروث النضالي الذي أسّست له منذ تشكّلها، كما لا يمكن تجاهل رغبة ومحاولة بعض الأحزاب والحركات السياسية تقديم طروحات ومشاريع لإعادة بناء لجنة المتابعة العليا وتفعيل دورها ولتنظيم الجماهير العربية في الداخل (مثل خطوة المصادقة على النظام الداخلي للجنة المتابعة قبل عدة أعوام). لكن وبالرغم عن ذلك، لم يحدث تغيير جوهري سواء على مستوى الأداء الجماعي أو على المستوى التنظيمي التمثيلي، وذلك لأسباب عديدة من بينها علاقات القوة بين مركباتها، التباين في الأجندات السياسية أو المصالح الفئوية والاختلاف حول الرؤى السياسية لأعضائها، أو إعطاء مسألة التوقيت أهمية كبرى، أو كيفية تقبّل الدولة لهذه الخطوة.

إن التعددية الفكرية والمصالح الحزبية والحركوية هي منطلقات شرعية في كل سيرورة ديمقراطية، ومجتمع حيّ وفعال، ولكن يجب ألا تقف هذه المنطلقات عائقاً أمام خلق مركز سياسي عربي يقظ وفعّال، يشكّل مركز إشعاع ومبادرة، تقوده مجموعة مثقفة وناشطة ومسؤولة ومنتخبة تستطيع إحداث تغييرات ثقافية، سياسية، اقتصادية واجتماعية تتعاطى مع طموحات المجتمع واحتياجاته، "ومن أجل ضمان استمرار الجماعة وحمايتها من التفتت والانهيار" كما يقول المفكر العربي عبد الله العروي.

بالرغم عن أن الواقع الاجتماعي والسياسي يفرض تحديات كثيرة ومستمرة تتغير باستمرار، إلا أن مباني العمل الجماعي العربي التنظيمية وطرق عملها لم تتغير بشكل كافٍ وناجع، فالسياسات التمييزية والعنصرية المتواصلة موجهة تجاه الجماعة (حتى لو كان المتضررون أفراداً)، والحقوق التي يطالب بها المجتمع العربي هي حقوق مدنية وقومية جماعية، ولذلك فإن العمل على إحقاقها يجب أن يكون جماعياً والجسم التنظيمي الذي يحملها يجب أن يكون جماعياً حقاً، وليس شكلاً فقط.

إن الثورات في العالم العربي (ما أنجز منها وما لم ينجز بعد) قد خلقت واقعاً ووضعاً جديدَين لا يمكن إغفالهما أو إهمالهما، بل أصبحت الشعوب العربية الأخرى تتفاعل معها، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أنجزت المصالحة بين حماس وفتح، وقام اللاجئون الفلسطينيون في الشتات بوضع تحدٍّ جديد أمام إسرائيل عن طريق ممارسة مقاومة سلمية غير عنيفة تجسدت بمحاولات تجاوز الجدران الحدودية في الجولان وجنوب لبنان، كما تحاول منظمة التحرير الفلسطينية الحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية في شهر أيلول القادم من قِبَل الأمم المتحدة. السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: كيف يترتب علينا كفلسطينيين في الداخل التفاعل مع هذه الثورات واستلهام قيمها؟

الإجابة عن هذا السؤال تتطلب إجراء دراسات وأبحاث معمّقة لا مجال للخوض بها في هذه المقالة، ولكن باعتقادي، هناك مركّبان أساسيان يمكن الإشارة إليهما من أجل الإجابة عليه وهما:

1. ضرورة خلق مركز سياسي عربي، أي التأسيس لوجود "ميدان" بالمعنيين المادي والمعنوي.

2. تقوية الأطر الجماعية وتعزيز تمثيلها، مراجعة أدائها، وانتخاب مؤسساتها وهيئاتها، ودفع المواطنين للمشاركة في نشاطاتها وزيادة شفافيتها.

إن كل عملية تغيير وتجديد محفوفة بالشكوك والتحفظات والتحسّبات، ولكي نكون جزءاً من عملية الحداثة، نستطيع أن نتبنى تلخيص المفكر والفيلسوف العربي طه عبد الرحمن حول مبادئ روح الحداثة، والتي يوجزها بثلاثة مبادئ محورية:

1. مبدأ الرشد: أي الخروج من التبعية للغير وتأكيد الحق في الاستقلال والإبداع.

2. مبدأ النقد: أي الخروج من المعتقد السائد.

3. مبدأ الشمول: أي تجاوز دوائر الخصوصية الضيقة والأخذ بالصناعة الكلية الشاملة.

إن الرشد المعرفي والسياسي، والاستقلالية الفكرية، والرؤية الشاملة- كل ذلك يدعونا إلى إيجاد خطوات سياسية شاملة تعالج الإشكال والمضامين بشجاعة ووثوق. وعلى ما يبدو، فإن المرحلة القادمة (بعد أيلول) سوف تكون مرحلة شديدة الصعوبة، وكثيرة التحديات لنا نحن فلسطينيي الداخل (سواء تم الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل الأمم المتحدة أو لم يتم) ففي كلتا الحالتين سوف يتم التأكيد على يهودية الدولة، وتضييق حيّز الوجود العربي، والاستمرار في المس بقواعد وأسس الديمقراطية، وتردّي الأمن الشخصي والجماعي، بمفهومه الواسع. من هذا المنطلق فالحاجة إلى تعزيز وتقوية الأطر التمثيلية هي ضرورة ملحّة وحاسمة.

من الضروري أن تنتقل لجنة المتابعة من وضعية "المتابعة" (following)، والتي يمكن أن يفهم من هذه التسمية أن دورها مقصور على المتابعة، ورد الفعل والاستجابة والتعقيب على الأحداث والمشاركة بها، إلى دور إستراتيجي أكثر، يرتكز إلى المبادرة والتحدي وقادر على نقل المجتمع العربي إلى مكان أفضل، كما يتطلب الأمر أن تصوغ اللجنة مرجعية واضحة وشاملة ومتفق عليها، تستند إلى النصوص والوثائق والرؤى والطروحات التي صيغت على مرّ الأعوام وخصوصاً في الأعوام الأخيرة.

ومن المطلوب أن تستعين اللجنة بالمختصين والمهنيين والخبرات والمؤسسات العربية من أجل خلق روح عمل تكاملية جماعية. كما يترتب على اللجنة أن تكون أقوى بكثير من مجموع مركباتها. ومن أجل تقويتها يجب أن تتعزز الإرادة بأهمية العمل الجماعي، وتوفير الموارد المطلوبة لذلك.

_______________

(*) الكاتب محام ومدير مشارك لجمعية سيكوي لدعم المساواة المدنية.