(*) يبدو لي أن المعلق السياسي والعسكري الإسرائيلي عوفر شيلح كان أول من أشار إلى كون العدوان الإسرائيلي الراهن على غزة، جسدًا وبشرًا، والذي أطلق عليه اسم "عملية الرصاص المسبوك"، يندرج في إطار "عقيدة دفاعية جديدة" في إسرائيل. وقد تبلورت هذه العقيدة فعلاً في الآونة الأخيرة من دون أن تكون نتاج تفكير مدروس، على حدّ قراءته.

وفحوى هذه العقيدة الجديدة، وفقًا لهذا المعلق، هو أن تتصرف إسرائيل باعتبارها "دولـة هوجـاء" في مقابل "أعداء يتبنون إستراتيجيا الاستنزاف وإطلاق النار عن بعد". وبكلمات أخرى "أن تردّ [على مصادر إطلاق النار] بعملية عسكرية كبيرة ووحشية، بغض النظر عن عدد الضحايا في صفوفها!" (صحيفة معاريف، 28 كانون الأول/ ديسمبر 2008).

وعقب إشارة شيلح هذه أكد أكثر من معلق سياسي وعسكري إسرائيلي أن جانبًا من التطبيقات المفرطة في وحشيتها لهذه العدوانية الإسرائيلية الهوجاء في غزة مستوحى قلبًا وقالبًا من "مقاربة الحرب الروسية في جورجيا"، خلال الصيف الفائت، والتي تقف في صلبها عقيدة أن "كل شيء في الحرب مباح"!.

وذهب المعلق العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت، أليكس فيشمان، إلى حدّ القول إنه من الآن فصاعدًا ما عاد في إمكان الجنرالات الإسرائيليين، الذين سبق أن تحدثوا بلهفـة على الأساليب التي استعملها [الرئيس الروسي السابق] فلاديمير بوتين خلال حربه على جورجيا، إلا أن يتحدثوا باللهفة نفسها على أداء الجيش الإسرائيلي في القطاع.

لكن من الصعوبة بمكان التسليم بأن تلك "العقيدة الجديدة" تبلورت من دون تفكير إسرائيلي مدروس. ذلك أنها في العمق مستلة، بكيفية ما، مما اصطلح قبل فترة وجيزة على تسميته بـ "إستراتيجيا الضاحية" أو "عقيدة الضاحية"، والتي كان قائد المنطقة العسكرية الشمالية في الجيش الإسرائيلي، الجنرال غادي أيزنكوت، أول من تحدّث بشأنها، في سياق مقابلة أدلى بها إلى صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2008.

ومما قاله في هذا الصدد "أنا أسمي ذلك عقيدة الضاحية. [وفحواها] أن ما حدث في حي الضاحية الجنوبية في بيروت، خلال حرب لبنان الثانية في سنة 2006، هو ما سيحدث أيضًا في أي قرية [لبنانية] يطلقون النار منها على إسرائيل. فسنفعّل ضدها قوة غير متناظرة، ونتسبب في ضرر ودمار بالغين. وسيغدو الحديث، من ناحيتنا، يدور على قواعد عسكرية، لا على قرى مدنية".

وردًا على سؤال فيما إذا كان هذا يعني أنه يوصي هيئة الأركان العامة والمؤسسة السياسية في إسرائيل بإنزال أقصى العقوبة بأي قرية [لبنانية] تُطلق نيران منها؟، أجاب أيزنكوت: "هذه ليست توصية. إنها خطة، وقد تمّ إقرارها".

وطبقًا لما قاله هذا الجنرال فقد منيت إسرائيل، خلال حرب لبنان الثانية، بإخفاقين "الأول- عدم تقصير أمد الحرب. والثاني- إتاحة المجال، طوال 33 يومًا، لشنّ هجمات بالصواريخ على إسرائيل ولإطلاق النار على نطاق غير مسبوق منذ حرب الاستقلال" [حرب 1948].

أمّا النتيجة التي يتوصل إليها فهي ما يلي: يجب أن يتم حسم الحرب المقبلة، في حالة اندلاعها، بسرعة وقوة ومن دون أي اعتبار للرأي العام العالمي. فـ "لدينا القدرة على القيام بذلك. ولدينا قوة كبيرة، بالمقارنة مع ما كان. وليست لديّ أي أعذار لعدم تحقيق الأهداف التي سأُكلف بإنجازها!".

بطبيعة الحال ثمة إمكانية للتطرّق إلى العدوان الإسرائيلي على غزة من نواح كثيرة، غير أن هذه الناحية تحديدًا تبقى، في رأيي، الأشدّ أهمية في الوقت الحالي، نظرًا لما تعنيه من تداعيات في المستقبل المنظور، قد تترتب على مضي إسرائيل نحو المزيد من العدوانية الهوجاء، سواء إزاء الشعبين الفلسطيني واللبناني، أو إزاء سائر الشعوب في منطقة الشرق الأوسط.

ولا يقل أهمية عن ذلك، في الوقت نفسه، أن هذه الناحية تشفّ عن جوهر إسرائيل في أعين قادتها، ماضيًا وحاضرًا وأيضًا مستقبلاً.

وإذا ما شئنا تأصيل الأشياء، أي إعادتها إلى أصولها، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن من الوقائع الواردة أعلاه بشأن "العقيدة العسكرية الإسرائيلية الجديدة" هو كونها منشدّة إلى مبدأ أصلي من مبادئ إسرائيل منذ إقامتها، بل وحتى قبل ذلك أيضًا، وهو مبدأ "الجدار الحديدي". وكان زعيم "التيار التنقيحي" في الحركة الصهيونية، زئيف جابوتنسكي، هو الذي صكّ هذا المبدأ في عشرينيات القرن الفائت في صيغة "رؤيـا" لا أكثر، غير أن الممارسات اللاحقة لخصومه من "تيار العمل"، وفي مقدمهم أول رئيس للحكومة وأول وزير للدفاع دافيد بن غوريون، أكدت أن هذا المبدأ شكل أساسًا لتحليل نظرية الأمن الإسرائيلية. [كتب جابوتنسكي، خلال الفترة المذكورة، مقالين شكلا أساساً لفهم النظرية الأمنية الإسرائيلية منذ ذلك الوقت وحتى الآن. وقد حمل المقال الأول عنوان "على الجدار الحديدي (نحن والعرب)"، فيما حمل الثاني عنوان "فضيلة الجدار الحديدي"].

ووفقًا لنص جابوتنسكي نفسه فقد كانت الفكرة الكامنة وراء "الجدار الحديدي" بسيطة في رأيه، مؤداها ما يلي: لا توجد سابقة تاريخية تخلى فيها شعب ما طواعية عن وطنه، ولذلك فإن "عرب أرض إسرائيل" لن يتخلوا أيضاً "عن أرضهم" لصالح "الييشوف اليهودي"، بل سيبذلون قصارى الجهد من أجل إلحاق الهزيمة بمجتمع الاستيطان اليهودي، ومنعه من التوسع في البلد. وفي ظل هذه الظروف هناك طريقة واحدة لحمل العرب على التسليم بوجود أغلبية يهودية وسلطة يهودية في البلد، هي حرمانهم من امتلاك القدرة على تصفية "الكيان اليهودي" بالقوة، وأنه فقط إذا أيقن العرب أن محاولة فرض إرادتهم بالقوة هي أشبه بعبور "جدار حديدي" يستحيل اختراقه، فسوف يكونون عندئذٍ مستعدين للتسليم بالسيطرة اليهودية على "أرض إسرائيل".

وفي رأي عضو الكنيست الحالي من حزب كاديما الحاكم، البروفسور يتسحاق بن يسرائيل، وهو جنرال في الاحتياط ترأس "برنامج الدراسات الأمنية" في جامعة تل أبيب ويعتبر من أبرز الخبراء في الشؤون الأمنية الإسرائيلية، فقد أدرك بن غوريون أن أي انتصار ستحرزه إسرائيل على العرب سيكون مؤقتًا، وأنه سيكون في إمكانهم، بحكم ما يمتلكونه من موارد بشرية ومادية، إعادة بناء جيشهم وشن حرب جديدة ضد إسرائيل كل خمس أو عشر سنوات حتى لو أبيد جيشهم بأكمله في الجولة السابقة. وهذا يعني عملياً أن نهاية القصة (أي النظرية الأمنية الإسرائيلية) ستأتي فقط إذا انتصر العرب وهرُمت إسرائيل.

وبناء على ذلك فقد انصرفت الجهود كلها، أولاً، نحو بناء جيش كبير قياسًا مع الحجم الطبيعي لدولة إسرائيل. وبدلاً من احتفاظ الدولة، كما هو مألوف في سائر الدول الطبيعية في العالم، بنحو نصف في المئة من رجالها في الجيش، فإن إسرائيل تحتفظ بنحو خمسة بالمئة، ومن هنا يملك الجيش الإسرائيلي حالياً عدداً من الجنود والطائرات والمدافع والدبابات... الخ يفوق ما تملكه بريطانيا ("العظمى"). وقد أدى ذلك، في حينه، إلى طرح السؤال التالي: كيف في إمكان الدولة أن تبني جيشاً أكبر بعشرة أضعاف (بالمقارنة مع حجم وتعداد إسرائيل) من أي دولة أخرى، من دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الاقتصاد الإسرائيلي؟. وكان الجواب هو: بواسطة إقامة جيش لا يتقاضى أفراده رواتب... وأن يكون المكونان الرئيسيان للجيش معتمدين على جنود خدمة إلزامية (لا يتلقون أجرًا) وعلى تشكيلات احتياط (لا تكون مجندة بشكل عام)، على أن يتم سد باقي الفجوات بواسطة "ميزة التراث اليهودي، الذي يربي على التفوق والثقافة الواسعة والنظرة النقدية والمتشككة للعالم"... أما "الجدار الحديدي" فسوف يُشيّد تدريجيًا، بواسطة ما وصفه يغئال ألون بـ "الردع المتراكم"، الذي يمكن أن يتحقق إذا ما انتصرت إسرائيل في كل جولة حربية على أعدائها بصورة لا تقبل التأويل. فقد ساور بن غوريون ورفاقه الأمل في أنه وبعد بضع جولات من هذا القبيل، سيبدأ قسم من أعداء إسرائيل بالخروج من دائرة الحرب.

بهذا الشكل بُنيت نظرية أمنية خاصة تقوم على مفهوم "الحسم"، الذي لا يوجد مثيل له في النظريات الأمنية لدى الدول الأخرى. ومن شأن الحسم في كل جولة قتالية بين إسرائيل وجيرانها أن يتحول في تراكمه إلى "ردع" يشكل "جدارًا حديديًا".

استنادًا إلى ذلك في الإمكان القول إن "الحسم" و"الردع" يشكلان حجري الزاوية في نظرية الأمن الإسرائيلية.

وفي رأي بن يسرائيل فقد تجلت هذه النظرية الأمنية، بمرور السنوات، باعتبارها قصة نجاح رائعة ومدهشة. وبنظرة تمتد ستين عامًا إلى الوراء يتبين أنها كانت فعالة أيضًا بشكل مدهش، إذ واجهت إسرائيل بالفعل كل خمس إلى عشر سنوات جولة عنف وحرب جديدة نجحت فيها كلها (ربما باستثناء حرب لبنان الثانية) في أن تخرج منتصرة بشكل حاسم. وكانت مصر هي أول الخارجين من دائرة الحرب والنزاع، وتبعتها الأردن. كما أن سورية، التي لم تعبر الخط بعد إلى سلام كامل مع إسرائيل، تقف في الآونة الأخيرة على حافة هذا الخط. وقد نجحت إسرائيل في ذلك كله من دون أن تتسبب في انهيار اقتصادها. بل على العكس، فقد شهد الاقتصاد الإسرائيلي خلال السنوات الستين الماضية تطورًا ونموًا وضعا إسرائيل في عداد "العشر الأعلى" من دول العالم.

"نجاح محدود الضمـان"

غير أن نجاح هذه النظرية الأمنية كان أيضاً مؤشرًا إلى بداية انهيارها. فقد أدى النجاح، من جهة واحدة، إلى انحسار أعداء إسرائيل وإلى الحد موضوعيًا من التهديدات الأمنية. لكن من جهة أخرى فإنه في أعقاب تحسن الأوضاع الأمنية سارع الجمهور الإسرائيلي إلى الاستنتاج بأنه لم تعد هناك حاجة إلى الاستثمار كثيراً في الأمن، معتبرًا أنه حان الوقت للانصراف إلى معالجة مشكلات أخرى، بدءًا من وضع المتقاعدين وانتهاء بالمشكلات البيئية لإسرائيل وللكرة الأرضية.

ويؤكد بن يسرائيل في هذا الصدد: "على ما يبدو فقد غاب عن أنظارنا أن تسليم جزء من أعدائنا التقليديين بوجودنا نبع فقط من إدراكهم لعدم إمكان تصفية إسرائيل بالقوة، وذلك لأن إسرائيل استطاعت بناء "جدار حديدي" في صورة جيش كبير وقوي. ولكن عيب هذا الجدار يكمن في الحاجة إلى صيانته وتدعيمه من دون توقف. وقد أدى إضعاف الجيش وتقليص موارده، إثر تغيير سلم الأولويات الاجتماعية، إلى زيادة الشهوة والثقة بالنفس لدى قسم من أعداء إسرائيل، وبالتالي ازداد الأمل لديهم باختراق الجدار الحديدي، وهو ما ظهر جليًا خلال حرب لبنان الثانية. وقد كانت تلك الحرب، من هذه الناحية، لكمة جاءت في وقتها".

في واقع الأمر يضيق المجال الآن لتناول تداعيات العدوان على غزة فيما يتعلق بعنصري "الحسم" و"الردع" بمدى ما يستحقان من وقفة تفصيلية، ولا بُدّ من العودة إليهما في وقت لاحق في المستقبل. لكن من الواضح أن بن يسرائيل يحاول، في سياق تحليله السالف، أن يطعم قراءه "جوزًا فارغًا" بشأن مسألة "تغيير سلم الأولويات الاجتماعية الإسرائيلية".

وللتدليل على ذلك سنكتفي بأن نشير إلى ما يلي:

(*) تزامنًا مع احتفال إسرائيل بذكرى مرور ستين عامًا على قيامها نشر "مركز أدفا عن المساواة والعدالة الاجتماعية في إسرائيل" تقريرًا جديدًا بعنوان "ثمن الاحتلال... عبء النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني: صورة ومعطيات شاملة، 2008". وقد تمثلت الخلاصة الأبرز، التي يتوصل إليها، في أن استمرار الاستثمار في الأمن على خلفية النزاع مع الفلسطينيين "هو أشبه بحجر الرحى على عنق إسرائيل... فهو يقوّض نموها الاقتصادي، ويثقل كاهل ميزانيتها العامة، ويحدّ من تطورها الاجتماعي، ويشوّش رؤيتها، ويضر بمكانتها الدولية، ويستنزف جيشها، ويفتت ساحتها السياسية، ويهدد مستقبل وجودها كدولة قومية يهودية، بالإضافة إلى أنه يقتل ويجرح آلاف الإسرائيليين. إن إسرائيل تدفع إذن ثمناً باهظاً جراء استمرار النزاع، وجراء التلكؤ في تطبيق حل يستند إلى تقسيم عادل ومتفق عليه".

وبالاستناد إلى ما يؤكد التقرير عليه في إمكاننا أن نستنتج أن مشكلة اتساع الفجوات الاجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي تبقى أكثر مشكلات إسرائيل الاقتصادية- الاجتماعية أهمية، على الرغم من بعض المعطيات الاقتصادية الإيجابية خلال الأعوام القليلة الفائتة (ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي ومعدل الناتج القومي للفرد، وتحسن ميزان المدفوعات)، لكن يتعين القول إن هذه المعطيات ليست متنائية، إلى حدّ كبير، عن التأثر بالتحديات والمخاطر الخارجية، والتي تشيع أجواء عامة من عدم الثقة بالمستقبل والخشية منه في أوساط الغالبية الساحقة من الإسرائيليين، بحسب ما تدل نتائج استطلاعات الرأي العامة الأخيرة، وينتج عن هذه الأجواء تقليص حجم الاستثمارات الخارجية والداخلية، والمسّ بالنموّ الاقتصادي على المدى البعيد.

(*) بالتزامن مع تقرير "مركز أدفا" هذا، نشر "مركز طاوب لدراسة السياسة الاجتماعية في إسرائيل" نتائج المؤشر السنوي بشأن "شعور الأمن الاجتماعي" لدى الجمهور الإسرائيلي لسنة 2008. وأظهرت هذه النتائج أن مجموع النقاط، التي سجلها شعور الأمن الاجتماعي، هو 58.2 نقطة، في حين أن مجموع النقاط في المؤشر السنوي السابق (لسنة 2007) بلغ 62 نقطة. وانعكس انخفاض الشعور بالأمن الاجتماعي، أكثر شيء، في إجابات المستطلعين، التي أعربت عن الخشية البالغة من البطالة والتدهور نحو الفقر. وعلى نحو خاص فإن الشعور بالأمن الاجتماعي تقلص لدى أصحاب المدخولات المنخفضة، وذلك من 50.5 نقطة في مؤشر 2007 إلى 48.4 نقطة في مؤشر 2008.

كما أبان هذا المؤشر عن وجود إجماع إسرائيلي عام على كون قضية الفجوات الاجتماعية تُعدّ مشكلة مركزية في المجتمع الإسرائيلي الستينيّ السنوات، وعلى أن معظم الجمهور الإسرائيلي يعتقد أن مواجهة هذه المشكلة ينبغي أن تحتل مكانًا متقدمًا في سلم الأولويات الوطنية. وقال أكثر من 75 بالمئة، من الذين استطلع المؤشر آراءهم، إن الفجوات الاقتصادية- الاجتماعية ازدادت حدّة خلال العام الفائت، فيما قال 90 بالمئة منهم إن تقليص الفجوات هو إحدى أهم المهمات التي يتعين على الحكومة الإسرائيلية أن تضطلع بها. وبحسب المؤشر، يعتقد معظم الجمهور الإسرائيلي أن الدولة ومؤسساتها المختلفة لا تبذلان الجهد الكافي لتقليص الفجوات، بل وتساهمان في تفاقمها. كما أبان عن وجود ميل متزايد لدى الجمهور العريض لعدم التوجه إلى المؤسسات الرسمية، الحكومية أو البلدية، لدى الوقوع في براثن ضائقة اقتصادية أو اجتماعية، فيما قال 85 بالمئة إن ما يقوم به متبرعون خصوصيون أصحاب ثروة وجاه من تمويل وتوفير لخدمات الرفاه الاجتماعية يعتبر عملاً مباركًا، مع أنه لا يُعدّ مهمًا على المدى البعيد، لناحية محاربة الظاهرة العامة.

(*) يذكر أيضًا أن البروفسور يحزقئيل درور، المتخصص في شؤون التخطيط الإستراتيجي وعضو لجنة تقصي وقائع حرب تموز 2006 [لجنة فينوغراد]، سبق أن اعتبر، في سياق دراسة مهمة بعنوان "نحو إستراتيجية سياسية- أمنية كبرى دافعة لدولة إسرائيل" (صدرت عن "مركز بيغن- السادات للدراسات الإستراتيجية" في جامعة بار إيلان)، أن إسرائيل تعاني من انعدام سياسة اجتماعية واضحة (باستثناء وجود خدمات رفاه اجتماعي ذات مستوى متوسط)، من شأنها أن تدفع قدمًا قيم العدالة الاجتماعية، والتنافس الاقتصاديّ الحرّ في عصر العولمة.

بناء على ذلك كله في الإمكان أن نعتبر أن العدوان على غزة يحيل إلى قيام إسرائيل بإزالة بعض الصدأ الذي اعترى مسلماتها الصنمية، والتي ليس أبسطها أنه لا صوت ينبغي أن يعلو على صوت الأمن، حتى ولو كان السبيل إلى ذلك هو إتباع حرب الإبادة الجماعية، على غرار ما هو حاصل في القطاع إلى الآن، علمًا بأن من شأن هذه العملية أن تخرس في الوقت نفسه الأصوات القليلة التي تفكر بصورة مغايرة، والتي لم تتحرّر بدورها من الاستلاب لبعض تلك المسلمات، إن لم يكن حتى لمعظمها.

________________________________________

(*) باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار.

[عن "الحيـاة"]