تقدير جارح لكنه صحيح: إن الولايات المتحدة توافق على أن تكون قابلة كيان فلسطيني ما لأن ذلك يعني، في الشروط الموضوعية الحالية، توطيداً لهيمنتها في المنطقة. يمكن لـ <<عربي>> مناهض للسياسة الأميركية أن ينظر بقلق الى هذا المشروع ولكن لا يمكن، ولو بشكل، استغراب وجود تقبل فلسطيني له.


يتكرر هنا ما حصل في العراق. فالغزو الأميركي خطوة هائلة نحو إخضاع المنطقة، ولا مجال إلا للتعاطي السلبي معه ومع نتائجه. ولكن من الصعب جداً إقناع مواطن عراقي عادي بأن لا مصلحة له في ذلك، أو، بالحد الأدنى لا مصلحة له، على المدى البعيد، في ذلك.

لم تعد السيادة الجزئية للشعب الفلسطيني ولا الحرية النسبية للشعب العراقي حلقتين في سلسلة واحدة ينتظمها سياق تحرري عربي واحد. ويطرح هذا الأمر تحدياً في منتهى الصعوبة على كل من يعتقد ان صيغة خلاّقة لتجديد <<الفكرة العربية>> هي ضامنة خلاص الجميع. لقد حسمت واشنطن في انها قد تتسامح مع اعطاء شيء ما للفلسطينيين فوق أنقاض الهزائم العربية وآخرها في بغداد. وحصل ذلك في تتويج لعمليات حربية تدوم منذ عقود ونجحت في احلال <<التخلي المتبادل>> بدل <<التضامن>> كعنوان لعلاقات عربية عربية.

غير ان عنصراً سيتحكم في السلوك الأميركي في ما يخص القضية الفلسطينية. وهذا العنصر المركزي هو: ما هي الحصة التي ستحصل عليها إسرائيل في الخطة الأميركية لإعادة هيكلة الشرق الأوسط؟ إن هذا الأمر هو الذي سيتحكم بالسلوك الأميركي حيال <<خريطة الطريق>> وتطبيقها المفترض فيه أن يقود الى دولة فلسطينية.

هناك من يزعم أن هذه الحصة ستكون صغيرة. وهكذا فإننا، بالتراجع أمام من كان خصماً دولياً، سنجعل حليفه الاقليمي يدفع الثمن. ولكن هناك من يقول إن هذا وهم يتوجب الخلاص منه بسرعة.

لقد شهدنا تجربة أولية عن هذه الفرضية بعد 1991. وقيل، يومها، إن <<حضور>> الاصيل سيقلّل من أهمية <<الوكيل>>. حصل العكس.

هناك من يميل الى التأكيد أن الحصة الإسرائيلية ستكون كبيرة جداً في المرحلة القادمة وسيتحكم <<تكبيرها>> بنوع <<التنازلات>> أمام الفلسطينيين.

فما تنويه واشنطن في الشرق الأوسط، وفي ما يتجاوزه، لا يستقيم إلا مع إسرائيل قوية وقوية جداً. فالواضح ان الولايات المتحدة لا تنوي الخروج من معركة إلا للدخول في أخرى ومن الواضح ان الحرب التي أعلنتها خصبة وقادرة على استيلاد خصوم... ومن المرجح، والحالة هذه، ان الحاجة الى ركيزة مثل إسرائيل ستزداد وصولاً الى حد تقاسم أعمال معها بالمعنى الاستراتيجي والعسكري للكلمة.

إن جولة كولن باول الأولى لم تقل شيئاً مخالفاً طالما انها لم تثر إلا مطالب إسرائيلية الى حد بعيد. وسيتأكد ذلك في خلال الجولة الثانية بعد أيام. والمؤشرات الأولية على القراءة الأميركية لكيفية تطبيق <<خريطة الطريق>> تدل ان الضغط المركز على الفلسطينيين يكاد يضعهم أمام مهمات شبه مستحيلة. ومتى تذكرنا ان الحملة الرئاسية <<اندلعت>> في أميركا، وأن جورج بوش، وبتخطيط من مستشاره النافذ كارل روف، يعتبر كسب الصوت اليهودي أولوية، يتأكد لنا ان المنطقة ستسير نحو توسيع للهيمنة الأميركية يشتمل تعزيز القوة الإسرائيلية.

هذا هو الإطار السياسي الواسع الذي يضبط حدود التدخل الأميركي في تحديد شكل الكيان الفلسطيني الجديد. انه كيان لا يأكل من الحصة الإسرائيلية ليزيد في الحصة الأميركية. انه كيان يساهم نشوءه في اعلاء مكانة الولايات المتحدة لدى النظام العربي (وربما الشعوب) من دون ان يخدش اللحظة الراهنة من القدرات التوسعية الإسرائيلية.

ولأن الأمر كذلك يجوز الرهان على أن الطلاق لم يصبح ناجزاً بين المصلحة الوطنية الفلسطينية وبين مصلحة عربية عامة في وقف التدهور.

(السفير، بيروت، 8 أيار)