قصة اسرائيل، منذ انشائها قبل 55 عاماً الى اليوم، قصة نجاح لا مثيل له. فلا الحرب مع العرب ولا المقاومة الفلسطينية باشكالها المختلفة، منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 الى الكفاح المسلح والانتفاضة بعده

، استطاعت ان تلحق الهزيمة باسرائيل او اضعافها. والانتفاضة الحالية مثال حي على ذلك. فبعد سنتين على انطلاقها لا تنفك حصيلة القتلى الفلسطينيين التي تخطت الالفي قتيل تتزايد يوما بعد يوم، فضلاً عن سقوط اكثر من 20 ألف جريح. وبين الاول من شهر ايار(مايو) الحالي والثالث منه، قتل الاسرائيليون 25 فلسطينياً واحتلت القوات الاسرائيلية مخيم اللاجئين في رفح و قتلت ثلاثة فلسطينيين، ولم يكن قد مضى وقت على مغادرة وزير الخارجية الاميركي كولن باول تل ابيب.

حياة الفلسطينيين اليومية عبارة عن كابوس متمثّل بحظر التجول والحصار وتدمير الاحياء السكنية والفقر والاهانة اليومية على ايدي الجنود الاسرائيليين، الذين غالباً ما يكونون شباناً، لا يتمالكون أعصابهم في معظم الأوقات. وليس الفلسطينيون وحدهم من يعاني من ظلم الجنود الاسرائيليين. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، قتل قناص اسرائيلي رئيس مشروع الامم المتحدة في جنين ايان هوك. وقبل اسبوعين، اطلق الاسرائيليون النار على المصور البريطاني جايمس ميلر في غزة وقتلوه. وقبلها بقليل، اطلقوا النار على توم هارندال، ناشط السلام البريطاني، وهو الآن في حال غيبوبة.

وفي وقت سابق من العام الحالي، قتلت ناشطة السلام الاميركية رايشل كوري بعدما صدمتها جرافة اسرائيلية. إسرائيل لم تعترف بعمليات القتل تلك ولم تعتذر عنها. ويبقى احتلالها الاراضي الفلسطينية، المتواصل من دون منازع منذ 36 عاما، أطول احتلال في التاريخ. لو أدينت دولة اخرى غير اسرائيل بانتهاك الحقوق الانسانية لمدنيين عزل، وبافتقار اجراءاتها للشرعية في الاراضي المحتلة، لنبذت، وادينت، وعزلت وانزلت بها عقوبات دولية منذ زمن بعيد، ولكان جورج بوش وتوني بلير اجتاحاها ...

ولكن لم يحدث أي شيء من هذا القبيل في حال اسرائيل. ويبقى أي تلميح الى انقسامات داخلية ومشكلات الاقتصادية تضعف اسرائيل من باب التمنيات.

فالولايات المتحدة تتعهد بالتعويض المالي عن الخسائر الاقتصادية وما زال الدبلوماسيون والوزراء والشخصيات الاسرائيلية العامة يلقون ترحيباً أينما حلّوا في العالم. ومصالح اسرائيل وأي أمر يمسّ بها تؤخذ في الاعتبار بدرجة قصوى. فبريطانيا، التي تحقق في الهجمات الانتحارية التي نفذها مواطنون بريطانيون اخيراً في اسرائيل، لم تطالب بإجراء مماثل من الجانب الاسرائيلي في ما يخص اطلاق النار على البريطانيين وقتلهم. أما كولن باول، الذي انهى زيارة الى اسرائيل أجرى خلالها محادثات حول "خريطة الطريق"، فلم يستطع اقناع رئيس الوزراء آرييل شارون بشيء. وبعد بضع ساعات على مغادرة باول، تراجع رئيس الوزراء الاسرائيلي عن تنازل قدمه برفع الحظر عن سفر الفلسطينيين ورحب توني بلير في مناسبات عدة بآرييل شارون، رغم مسؤولية الاخير عن اعتداءات ضد فلسطينيين اشرف عليها شخصياً منذ خمسينيات القرن الماضي.

تميل كفة "خريطة الطريق" بشكل لافت الى صالح اسرائيل، بما انها تلزم الفلسطينيين بوضع حد للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال حالاً مقابل خطوات اسرائيلية صغيرة. وقال شارون انه لن يقوم بشيء حتى يبرهن الجانب الفلسطيني انه يكبح "المقاتلين" كما يطالب اليوم بتخلّيهم عن حق العودة. وليس من شأن هذه الخدعة الساخرة الا نسف العملية بأكملها والتسبب بفشلها، بما انها تنص على تخلّي المحتل عن مقاومته للاحتلال، فيما يتواصل الاحتلال، وتطالب بموافقته على نسف أسس قضيته. وانهارت اقتراحات السلام السابقة حول الشرق الاوسط لهذا السبب، ولن يكون مصير هذا الاقتراح مختلفاً.

ولم يحاسب أي كان اسرائيل حتى الآن على أعمالها أو أيّ من الجنح التي ارتكبتها- اقله ليس في الغرب. ورغم أن اسرائيل لم تعد تتمتع بالدعم الأوروبي أخيراً ومع أنّ وضعيتها المميّزة باتت موضع تشكيك إلا أنها تستفيد من الهجمات التي تستهدفها. ولعلّ عدم المحاسبة هذا يعود الى استغلالها الماهر لادعاءات بمعاداة السامية التي غالباً ما تلجأ ومويدوها اليها. وينطبق هذا الأمر على الغرب والشرق معاً. ويعزى رفض العرب لاسرائيل الى كراهيتهم الفائقة لليهود أكثر من أيّ أمر آخر. وليس لهذا الأمر من تأثير على العرب، الا أنه سلاح فعّال ضد اكثر الانتقادات الغربية لاسرائيل اعتدالاً. وأخفى ذلك الفارق الموجود بين الاسرائيلي واليهودي. وبالتالي، أي انتقاد سلبي لاسرائيل ينتج عنه اتهامات صارخة بمعاداة السامية، ويبلغ الخوف من هذه الانتقادات مبلغاً يجعل النقّاد يخشون الافصاح عن رأيهم. ولعل المانيا التي زرتها أخيراً أبرز مثال على ذلك لأسباب تاريخية. فرغم انتهاء الحرب العالمية الثانية منذ 60 عاما، لا يزال الاحساس بالذنب والندم لدى الالمان حاضراً، كما لو ان الحرب انتهت البارحة. قلة من العرب تفهم سطوة هذا الشعور والشلل العقلي الذي يسبّبه للالمان مجرّد ذكر اسرائيل، بحيث يفقد هؤلاء القدرة على التحليل منطقياً.

وثمة شعور مشابه في البلدان الأوروبية الشمالية الأخرى وإن لم يكن بهذه الحدّة. وأرغم الأميركيون غير المسؤولين عن قتل اليهود على السير على المنوال نفسه. هكذا نشأت ثقافة صمت حيال اسرائيل يمكن وصفها بارهاب فكري حال من دون انتقاد العديد لأعمال اسرائيل او تحليل أفعالها. وقد تحدّى رجل واحد هذا الأمر وتحلّى بالشجاعة اللازمة وهو تام داليل أقدم نائب بريطاني في البرلمان والأكبر سناً. وفي مقابلة أجرتها معه المجلة الاميركية "فانيتي فير" أخيراً تحدث عن "مجموعة يهودية" تدير السياسة الاميركية والبريطانية في الشرق الأوسط. وسمى تحديدا زميله النائب بيتر ماندلسون، ووزير الخارجية جاك سترو ولورد ليفي، وهو مستشار بلير الخاص لشؤون الشرق الاوسط. وعندما سئل بإلحاح قال أنه كان يتحدّث عن أميركيين اعتمدوا جدول اعمال شارون (الليكود). كما اشار إلى ان 6 من أصل 7 مستشارين سياسيين لبوش من اليهود ويشجّعونه على توجيه ضربات الى سورية.

توم داليل على حق في الواقع. فالمستشارون السياسيون الاميركيون امثال ريتشارد بيرل وبول ولفوقيتز، ليسوا يهوداً فحسب بل من أشد مؤيدي اسرائيل، فالنفوذ المؤيد لاسرائيل الممارس على الكونغرس الأميركي وعلى مستوى عملية صنع القرار في الادارة الاميركية موثق. وقد تحدث كثيرون عن مدى تأثر بوش، في القرارالذي اتخذه لضرب العراق، بآراء مستشاريه المؤيدين لإسرائيل، لكون الجانب الاكثر استفادة هو اسرائيل. في بريطانيا، يعتبر بيتر مندلسون اليهودي الأب (ما يجعله مؤهلاً للحصول على الجنسية الاسرائيلية بحسب قانون العودة الاسرائيلي) من أبرز مناصري إسرائيل. اما اللورد ليفي، فقد مول حملة ايهودا باراك الانتخابية وعمل ابنه في مكتب رئيس الوزراء السابق في تل ابيب.

كل ما أوردناه في ما سلف مفتوح للنقاش الا انه قابل للنقد ويفتح باب التساؤل: كيف كانت لتكون الأمور لو أنّ المعنيين كانوا عرباً او مسلمين؟ هل كانت هذه الظاهرة لتمرّ مرور الكرام مثلاً؟ الا ان تهمة معاداة السامية التي عقبت انتقادات داليل تبعتها ردود فعل شديدة في أبرز الجرائد اليومية البريطانية. ولم يتكلّف أحد عناء التعمّق في ملاحظاته للتأكد من صوابيتها لا بل تمّ تصنيفها بالخاطئة فوراً. ونثني على شجاعته لمواجهته الضغط هذا والافصاح عن رأيه . لو اتخذ عدد أكبر من الناس في أوروبا وأميركا هذا المنحى، لوضع حدّ لسطوة اسرائيل على الحقيقة ولألغي الضوء الأخضر المعطى لها على الصعيد السياسي .

أما بالنسبة الينا في العالم العربي، فذلك يذكّرنا بأنّ المعركة ضد اسرائيل معقدّة وينبغي أن نأخذ هذا الواقع في الاعتبار.

اكاديمية فلسطينية وكاتبة تعيش في لندن. صدر لها اخيراً كتاب "بحثاً عن فاطمة" بالانكليزية.

الحياة 2003/05/24