هذا ما تؤكده "ورقة موقف" صادرة عن جمعية "مسلك" (غيشاه) في أعقاب حرب "الجرف الصامد" العدوانية

تشكل الحرب العدوانية الأخيرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة (وأطلقت عليها اسم "الجرف الصامد") ابتداء من يوم 10 تموز 2014 وحتى يوم 26 آب 2014، أي التي استمرت خمسين يوماً بما خلفته من دمار شامل وغير مسبوق ومن ضحايا بالآلاف بين شهداء وجرحى ومشردين، دليلا نهائيا وقاطعا على فشل الحصار المتواصل الذي تفرضه السلطات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة الفلسطيني، برا وبحرا وجوا. وتثبت هذه الحرب، على نحو قطعي، فشل سياسة الحصار، نظريا وتطبيقيا، سواء على المستويين الأخلاقي والعملي (والمستوى الأخير أقرت به الأجهزة الأمنية المختلفة في إسرائيل، كما سنبين لاحقا).

والمعروف أن إسرائيل فرضت قيودا واسعة جدا ومتعددة على حركة المواطنين والبضائع من قطاع غزة وإليه، بما في ذلك القيود على الحركة بين قطاع غزة والضفة الغربية في كلا الاتجاهين، سواء حركة المواطنين أو البضائع. وفي إطار ذلك، منعت إسرائيل نقل البضائع من قطاع غزة إلى الأسواق التي تعتبر "أسواقها الطبيعية" الأساسية، وخاصة في داخل إسرائيل وفي الضفة الغربية، فضلا عن القيود المشددة جدا على إدخال مواد البناء المختلفة والتي ادعت إسرائيل بأنها تبتغي من ورائها "الوقاية من الأخطار الأمنية المحدقة بإسرائيل من حركة حماس ومنظمات مسلحة أخرى في قطاع غزة". لكن تدابير "الوقاية" هذه لا تقف عند "الاحتياجات الأمنية" الموضوعية، بل تمتد وتتسع لتطال مناحي الحياة المختلفة في قطاع غزة، مما يعود بأضرار جسيمة ومستديمة على واقع الحال، الاقتصادي والاجتماعي والصحي والتعليمي وغيره.

لكن واقع سيطرة إسرائيل الفعلية والكلية على قطاع غزة، رغم "الانسحاب الأحادي الجانب منه" (!)، يفرض عليها ـ وفقا لأحكام القانون الدولي ـ واجب ضمان الحياة السليمة والمنتظمة للمواطنين في مختلف أنحاء القطاع، بما يشمل الامتناع عن تقييد حرية التنقل للسكان المدنيين والبضائع غير العسكرية. وإلى جانب هذه الواجبات، تتمتع إسرائيل بصلاحية تحديد مسار وكيفية تنقل الأشخاص والبضائع من والى قطاع غزة، إلى جانب تحديد إجراءات "أمنية معقولة ومتناسبة لغرض منع القيام بأنشطة عسكرية أو نقل ومرور وسائل قتالية"!

وبناء على هذا، من الواضح أن أحكام القانون الدولي تحتم على إسرائيل إلغاء القيود الجارفة القائمة على حالها وإتاحة إدخال مواد البناء المدني إلى غزة، والامتناع عن سدّ الباب أمام تسويق المنتجات من قطاع غزة في إسرائيل وفي الضفة الغربية والسماح، أيضا، بتنقل الأشخاص الحر بين قطاع غزة والضفة الغربية، طبقا لتفتيشات أمنية فردية، وخاصة على خلفية كون المنطقتين (قطاع غزة والضفة الغربية) تتقاسمان اقتصادا مشتركا، جهازا تعليميا واحدا، جهاز صحة واحدا وعلاقات اجتماعية وعائلية متشعبة ولا نهائية.

الحصار في أرقام

يستفاد من "ورقة موقف" أصدرتها جمعية حقوقية إسرائيلية هي "مسلك (غيشاه) - مركز للدفاع عن حرية الحركة" (مؤسسة حقوق إنسان إسرائيليه تأسست في العام 2005 بهدف الدفاع عن حرية الفلسطينيين في التنقل، وخاصة سكان قطاع غزّة، في إطار القانون الدولي والقانون الإسرائيلي) في نهاية آب الأخير، أي بعد انتهاء الحرب العدوانية الأخيرة على قطاع غزة، أن المعبر الوحيد الذي يُمكن عبره تنقّل الأشخاص من داخل قطاع غزة وإليه هو "معبر إيرز" (إلى إسرائيل) وأن إسرائيل كانت قد أتاحت المرور في هذا المعبر، حتى منتصف شهر حزيران 2014، في "حالات إنسانية استثنائية، مع تشديد على الحالات الصحية المُستعجلة" فقط، كما أتاحته لقائمة محدودة جدا من التجار.

وبالرغم من إعلان إسرائيل، في أعقاب حرب "الجرف الصامد"، أنها وسعت وسهلت معايير خروج الأشخاص من قطاع غزة إلى داخل إسرائيل، إلا أن هذه المعايير ما زالت ضيقة ومشددة جدا. فقد وصل عدد حالات الخروج للفلسطينيين عبر معبر إيرز خلال شهر تشرين الأول الأخير إلى 8666، بما يشكل زيادة بنسبة 46% من المُعدل الشهري لحالات الخروج في النصف الأول من العام 2014.

أما فيما يتعلق بتنقل الأشخاص من قطاع غزة إلى دول أخرى ومنها، فالسفر يتم عبر "معبر رفح" في مصر، بالأساس. وقد وصل مستوى التنقل في هذا المعبر خلال النصف الأول من العام 2013 إلى 40000 حالة دخول وخروج. لكن قيودا وتقييدات عديدة تم فرضها على التنقل في معبر رفح، منذ بداية شهر تموز من السنة نفسها وحصرها في الحالات الاستثنائية فقط، إلى جانب تقليص أيام العمل في المعبر، مما أدى إلى انخفاض عدد حالات الدخول والخروج خلال النصف الأول من العام 2014 (كانون الثاني- حزيران) إلى 6445 وهو ما يعادل 16% من مستوى التنقل في النصف الأول من العام 2013.

ثم عاد عدد المغادرين عبر معبر رفح إلى الارتفاع مجددا إلى 12149 حالة في آب 2014، بعد انتهاء الحرب العدوانية الأخيرة،، ثم إلى 19991 حالة خلال شهر أيلول التالي.

ومن المهم التنويه أن إسرائيل تتمتع بسيطرة غير مباشرة على إصدار جوازات السفر الفلسطينية الضرورية للسفر عبر معبر رفح، وذلك من خلال تحكمها بسجلّ السكان الفلسطيني.

كما تجدر الإشارة، أيضا، إلى أن إسرائيل تمنع التنقل من قطاع غزة وإليه (الخروج منه أو الدخول إليه) عبر البحر أو الجو، بل تقتصر الطرق على البر فقط.

الأجهزة الأمنية أقرّت بعدم جدوى الحصار ولكن...!

كما ذكرنا أعلاه، فقد أعلنت إسرائيل في أعقاب حربها العدوانية الأخيرة على قطاع غزة أنها قررت توسيع وتسهيل معايير الخروج من قطاع غزة إلى إسرائيل. وقد جاء هذا القرار / الإعلان في أعقاب توصل الأجهزة الأمنية المختلفة في إسرائيل إلى النتيجة القاطعة بأن "الحصار الشامل والمطلق، تقريبا، على قطاع غزة سبب أضرارا تفوق الفوائد بكثير"، حسبما كتب المعلق العسكري لموقع "واينت" الإسرائيلي، رون بن يشاي (يوم 10/10/2014).

وفي أعقاب ذلك، أصدر "مدير عمليات الحكومة (الإسرائيلية) في المناطق" مرسوما جديدا حدد فيه أنظمة ومعايير جديدة لتنقل الفلسطينيين من قطاع غزة وإليه، سواء إلى إسرائيل، إلى خارج البلاد أو إلى الضفة الغربية.

غير أن هذه التسهيلات والتوسيعات كانت، في الواقع، محدودة جدا. وفي حينه، نشرت صحيفة "هآرتس" (يوم 11/10/2014) أن نحو خمسة آلاف مواطن من سكان قطاع غزة سيُمنحون تراخيص للعمل في المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة. واستندت الصحيفة آنذاك إلى "مصادر فلسطينية"، وهي معلومة سرعان ما أكدتها مصادر رسمية إسرائيلية أيضا، حسبما عادت "هآرتس" لتؤكد من جديد (يوم 14/10/2014). لكن الواقع الفعلي ظل بعيدا عن هذه "التطمينات"، إذ تلجأ الجهات الإسرائيلية المختصة بالتطبيق والتنفيذ الميداني إلى إجراءات وتدابير مشددة جدا، مما يحول دون تحقيق تلك "الوعود".

وجاء التقرير الذي نشرته جمعية "مسلك" في مطلع شهر كانون الأول الجاري ليؤكد المسافة الكبيرة بين القرارات، حتى لو كانت صحيحة وحقيقية، وما تتضمنه من "وعود"، وبين الواقع العملي على الأرض. وفي التقرير، أن في إسرائيل نظاماً "سريا" (!) يمنع الفلسطينيين من الدخول إلى مدينة إيلات في الجنوب، حتى لو كان بحوزة الفلسطيني (من الضفة الغربية أو قطاع غزة) ترخيص بالدخول إلى إسرائيل. وأكدت الجمعية أن سبب هذا المنع ليس معروفا حتى لـ"وحدة تنسيق عمليات الحكومة في المناطق"، المسؤولة المباشرة عن تطبيق هذا النظام. وأفاد تقرير "مسلك": "كانت لديها (لدى الوحدة) وثيقة كهذه ذات مرة، تشرح دواعي وضع هذا النظام، لكنها ضاعت"!! ومنذ ذلك الحين، يبحث العاملون في تلك الوحدة ومسؤولوها عن السبب الحقيقي لهذا المنع المستهجن!

وحيال ذلك، قدمت جمعية "مسلك" في تشرين الثاني الماضي التماسا إلى المحكمة طالبت فيه الدولة بالكشف عن هذه الأنظمة والأوامر، طبقا لمقتضيات "قانون حرية المعلومات" وأحكامه. وفي رد الدولة على هذا الالتماس، أبلغت المحكمة بأنها "لا تملك قائمة محدثة ومفصلة عن هذه الأنظمة والأوامر"!! وبأن ما في حوزتها هو قائمة منذ العام 2008، "لكنها قديمة وغير ذات جدوى"!!

وأفادت "مسلك" بأن التقديرات تشير إلى أن الحديث يجري عن نحو 90 أمرا ونظاما كهذا لم تنشر نصوصها ولم ينشر عنها شيء على موقع "وحدة تنسيق عمليات الحكومة في المناطق" الإلكتروني، بما يعني أن هنالك عشرات "القوانين السريّة" (!) التي تقرر وتملي حياة ملايين من البشر.

والمسألة هنا تتعلق بحقوق الفلسطينيين وبواجبات دولة إسرائيل تجاههم. وهي حقوق وواجبات غير مثبتة في نص قانوني واضح، بل يتم وضعها وتنظيمها من خلال جملة من "الأوامر والأنظمة" التي تصدرها وزارة الدفاع الإسرائيلية، بوجه خاص، والأذرع العسكرية والأمنية المختلفة التابعة لها و/ أو العاملة تحت إشرافها. وتحدد هذه الأوامر والأنظمة الحقوق الأساسية والأولية للفلسطينيين، بما فيها: مكان السكن، مكان العمل وكسب الرزق، مكان الصلاة ومواعيدها، إمكانية مغادرة البلاد وغير ذلك الكثير إلى حد القرار بشأن مشاركة والد في حفل زفاف ابنته أو التحاق طالبة بالدراسة الأكاديمية أو إمكانية تلقي شخص مريض العلاج الطبي المناسب.

وفي هذا، أكدت جمعية "مسلك" أن الإغلاق / الحصار المفروض على قطاع غزة "لا يميز بين المقاتلين والمواطنين المدنيين، ويمس بحقوقهم وباحتياجات 76ر1 مليون إنسان من سكان القطاع، غالبيتهم من القاصرين". وبكونه كذلك، فإن هذا الإغلاق / الحصار "يتعارض مع الواجبات المُلقاة على عاتق دولة إسرائيل طبقا لأحكام القانون الدولي، ولا يساهم في توفير الأمن لمواطني إسرائيل. ولذا، فقد آن الأوان لإنهائه"!

وأكدت "مسلك"، أيضا ضرورة تخلي إسرائيل عن "سياسة الفصل" التي تفصل قطاع غزة عن الضفة الغريبة وتمنع الحركة بينهما و"أن تجدّد إمكانية نقل البضائع من غزة إلى الأسواق في إسرائيل وفي الضفة الغربية، وأن تسمح لسكان القطاع، من القطاعين العام والخاص، بشراء مواد بناء، وكل ذلك وفقًا لآلية أمنية ملائمة".

وعلقت "مسلك" على تصريحات مسؤولين إسرائيليين كبار في الأسابيع الأخيرة، بمن في ذلك رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، بأن إسرائيل "مُلزمة بالسماح بإعادة إعمار وترميم قطاع غزة" في أعقاب حرب "الجرف الصامد" وما خلفته من دمار شامل. وأكدت "مسلك" أن "ذلك لن يتحقق بمجرّد إيصال المساعدات الإنسانية، إنما المطلوب هو إعادة ترميم وتأهيل الاقتصاد والنسيج الاجتماعي في قطاع غزة، كي يتمكّن سكانه من التمتع بحقهم في العمل بكرامة وتطوير طموحاتهم المهنية، الدراسية، الثقافية والعائلية".