عُرِضَت قبل أكثر من أسبوعين ولأول مرة على خشبة "مسرح هبيما" في تل أبيب مسرحية "الخليل"، وهي تراجيديا تتجرأ وتعرض سلسلة أحداث تدور بين عائلتين، مُستَوطِنة وفلسطينية، تحت مظلة المشهد الخليلي. هنا قراءة في المسرحية

مسرحية "الخليل"

(*) نص: تمير غرينبرغ

(*) إخراج: عوديد كوتلر

(*) تمثيل: يغئال سديه، نينا كوتلر، إفرات أفيف، عيدو روزنبرغ، نداف أسولين، دوريت عبيش، مكرم خوري، رائدة أدون، يوسف سويد، كلارا خوري، هشام سليمان، غسان عباس، عيدو موسري، يوفال راز، ألون دهان، الطفلان محمود مشهراوي ويعقوب حنانيا.

(*) مصممة ديكور وملابس: روت دار.

(*) موسيقى: شوش رايزمان

(*) إنتاج مشترك: المسرح الوطني الإسرائيلي- هبيما ومسرح الكاميري.

عُرِضَت قبل أكثر من أسبوعين ولأول مرة على خشبة "مسرح هبيما" في تل أبيب مسرحية "الخليل"، وهي تراجيديا تتجرأ وتعرض سلسلة أحداث تدور بين عائلتين، مُستَوطِنة وفلسطينية، تحت مظلة المشهد الخليلي.

قد تبدو المسرحية للجمهور الإسرائيلي انقلابية حيث إنها توازي ما بين "الضحية" الإسرائيلية المستوطنة والضحية الفلسطينية والعقاب المُنزَل على كِلا الطرفين، وتعترف بجريمة مصادرة أراضي الفلسطينيين وحرق وقطع أشجارهم. وقد تبدو من ناحية أخرى للجمهور الفلسطيني تشويهًا لصورتهم الإنسانية ولمعاناتهم اليومية وتجاهلاً مُطلقًا للاحتلال!

خلال العرض إياه تظاهر في تل أبيب عددٌ من المستوطنين اليهود حاملين يافطاتٍ احتجاجية ومناشير غاضبة. لقد أتوا من مستوطناتهم المستلقية على أراضي قرى عربية مهجرة كقرية الجمايسي وغيرها ومن مدينة الخليل نفسها، مستوطنون متكتلون رفعوا اللافتات ووزعوا المناشير المناهضة واستوقفوا كل فرد من الجمهور الذي أتى لحضور العرض الأول لمسرحية "الخليل".

كانت هذه المظاهرة مسرحية بأسلوب مسرح الشارع: خارج جدران المسرح، أبطالها المستوطنون الآتون بحقيقتهم إلى حلبة الأحداث، مسترسلين بمونولوجات تلقائية تحاك في اللحظة نفسها ببراعة. كل ذلك لمجرد سماعهم أن مسرحية "الخليل" تعرض التراجيديا الفلسطينية بنفس أهمية تلك اليهودية الإسرائيلية، وأنها تشكك في الثمن الذي يدفعه اليهود في العيش هناك الى جانب بضعة قبور لأنبيائهم، وأنها تعرض مشاهد يقتل اليهود المستوطنون فيها الفلسطينيين، مدعين أن "مدينة الخليل هي ثاني المدن اليهودية قداسةً بعد القدس، وأن فيها قبورًا لأنبيائنا القدامى، وأنه في العام 1929 ذُبح اليهود على يد الفلسطينيين بالخناجر لذلك لا يجوز لأحد أن يلومنا إن قُتلوا على يد أي مستوطن"، كما صرّح لـ"المشهد الإسرائيلي" المستوطن يورام (رفض الإدلاء باسم عائلته) الذي نظّم الاعتصام، علمًا أنه لم يرَ المسرحية أبدًا.

عن المسرحية

كَتب نص مسرحية "الخليل" مهندس الفن المعماري تمير غرينبيرغ العام 2003 وهي تجربته الثانية في التأليف المسرحي، إذ أن تجربته الأولى كانت ثمرتها مسرحية "مزمور لداود" التي عرضت العام 1987 في مهرجان عكا للمسرح الآخر ونالت عدة جوائز. وله أيضًا ديوانان في الشعر العبري. وقد نجح نص "الخليل" في ولوج أبواب أكبر المسارح الإسرائيلية، حتى أنه تنافس على إنتاجه قبل سنتين مسرح حيفا البلدي ومسرح الخان في القدس معًا، ولكن في النهاية فاز به المسرح الوطني الإسرائيلي- هبيما ومسرح الكاميري حتى تم تجسيده أخيرًا في إنتاجٍ ضخم. والسبب يكمن في عدة عوامل:

- لغة النص غنية ومكتوبة بأسلوبٍ أدبي شعري ذي قافية منظومة، وهو أمر كاد أن يختفي تمامًا من النصوص الإسرائيلية الحديثة في العقدين الأخيرين، حيث طغى طابع ما سمي بـ"مسرح المطبخ" الذي عالج نصوصًا واقعية- طبيعية مقتبسة من حياة الإنسان البسيط وبعيدة كل البعد عن الأبطال وخطاباتهم الذكية والمختارة بدقة والمغربلة لغويًا. كان هذا النص بمثابة "فريسة" أتت في الوقت الصحيح لعودة اللغة المسرحية الأدبية الجميلة والتي ترفع بالتالي من مستوى المسرحية الفني.

- زد على ذلك التأثير الشكسبيري والحانوخ ليفيني والتراجيدي اليوناني الملحوظ في بناء الحبكة الدرامية واختيار الشخصيات، وبالتحديد اختيار الطبيعة ليكون لها دورٌ هامٌ في قيادة عجلة الأحداث حينًا ومتفرجة مراقبة لما يقترف الإنسان من جرائم حينًا آخر. شخصيات الطبيعة وهي: الأم الأرض، يوم ربيعي دافئ، عائلة أشجار زيتون، أعشاب، وغيرها نفح الكاتب فيهم روحًا إلهية حتى بدت كالملائكة أو كآلهات لها سحرها ونفوذها. مثلاً يذكرنا "يوم ربيعي دافئ" بـ"بوك" من "حلم ليلة صيف" لشكسبير، ذلك الصبي الجميل المشبع بطاقة مشرقة والذي يحمل سحرًا بمقدوره أن يزرع حُبًّا ويتحدى من يكبره سنًا وخبرة بالمكائد التي يحيكها كلعبةٍ يتسلى بها. أما عائلة أشجار الزيتون والأعشاب التي تشربت دماء الضحايا فتروي للجمهور ما ترى من مصائب وأهوال، ككورس في تراجيديا يونانية قديمة، وفي النهاية أيضًا يعود الكاتب الى الجزاء المنزل بالعائلتين على يد القوى العظمى أو الآلهة- الطبيعة حين أجهضت من رحمها الأموات الذين لم يقبروا في وقتهم وبصقتهم خارجها، فارضًا أن الإنسان سيظل ضعيفًا تحت القوى الكونية.

- قصة "الخليل" تروي رحلة الانتقام ما بين العائلتين اليهودية والفلسطينية. وقد اختار كاتبها أن يكون المبادر هو الفلسطيني الذي حاول قتل الحاكم العسكري (ربّ العائلة اليهودية) كرد فعل على إهانة الجنود الإسرائيليين لوالده الذي كان في السابق رئيسًا لبلدية الخليل، فأخطأ وأصيب أبن الحاكم سهوًا، متجاهلاً (الكاتب) الاحتلال وبالتالي الأوضاع غير الإنسانية المجحفة التي يصارع الفلسطينيون تحتها من أجل البقاء. ثم إن النهاية تراجيدية على الجميع وليس هناك لا بطل ولا قاهر، والكل مقهور. ربما كان هذا الاختيار بمثابة طعم لإغراء المسارح الإسرائيلية أولاً والجمهور الإسرائيلي ثانيًا، وكلاهما يرى الصورة فعلاً كذلك متناسيا أو مبررا الاحتلال للأراضي الفلسطينية.

- إتاحة فرصة لتبييض صورة إسرائيل: إسماع صوت اليسار الإسرائيلي وكأنه صوت الأغلبية الإسرائيلية الداعية لوقف العنف والتوصل إلى حل سلمي وإنهاء الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.

لو دخل المستوطن يورام وشاهد المسرحية لربما لا يعود إلى بيته منتصرًا لكنه سيكون راضيًا عنها أكثر مما توقع.

إنّ من يشاهد المسرحية يرى أن شخصيات الفلسطينيين أسيرة ميزات وصفات سلبية. فهم الكاذبون، المحتالون، المعاقون، المبادرون إلى القتل، المتوحشون. والفدائيون هم مخربون يبحثون عن أطفال المستوطنين لقتلهم (وكأنهم لا يقاومون احتلالا ولا يحاربون جنودًا). أمّا مشهد الحاجز الذي صورها غرينبيرغ فإنه يوحي لمن مر بحاجز أن الكاتب لم يكن هناك منذ زمن طويل، إن كان قد ذهب إلى هناك أصلاً. فذلك الجندي الحنون المسكين الذي يلبي أوامر قائده العسكري، الذي بدوره نسي من أمر هذا الجندي المرمي في إحدى الحواجز، ليس موجودًا في أي واقع إلا في خيال غرينبيرغ الذي حاول بذلك ابتزاز عطف الجمهور مطالبًا إياهم بسحب جنودهم الشباب من تلك البقاع لأنهم يعانون الضجر، مع أنه يقول إن نصّه "لم ينبع من أيديولوجيا سياسية معينة محضة، وليست هناك أي محاكمة للشخصيات". ويضيف أن ما أراده من وراء نصه هو تساؤله عن "النظام البشري- الإنساني" بما معناه دائرة الولادة- الحياة- والموت.

في مسرحية "الخليل" صراع ما بين القوى البشرية والطبيعية والإلهية، منافسة الأمهات الثكالى، صراع الأجيال، قتل ودماء وحُب، وخطابات جيّاشة، والموسيقى حية ومباشرة.

أما الإخراج فلم يتعد حدودًا غير مألوفة، فالتزام عوديد كوتلر، المخرج، بالنص طغى على اللون والرؤية الإخراجية، وإنّ من يقرأ النص يستطيع تجسيده في مخيلته تمامًا مثلما عُرض، عدا عن فكرته الذكية في تقسيم دور "الأرض الأم" على ثلاث ممثلات في آن مما ضخم وعظم من قوتها وطاقتها وهيبتها.

أخيرًا علمت من القيمين على المسرح الوطني الإسرائيلي- هبيما ومسرح الكاميري أنهما يعملان معًا جاهدين لأن يحضرا جمهورًا فلسطينيًا من الخليل ومن رام الله وسائر أنحاء الضفة الغربية منظمين تصاريح ومواصلات لهم لحضور المسرحية، إيمانًا منهما بأن "هذا العمل قد يخفّف من شدة العداء بين الطرفين". لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الأمر على هذا النحو فعلاً؟!