بحث إسرائيلي جديد، في طور الإعداد، حول النهب المنهجي لكتب الفلسطينيين ومكتباتهم العامرة في 1948 يؤكد دون روغان أنّ لحظة تخريب الثقافة الفلسطينية هي لحظة ميلاد وعي إسرائيلي جديد، مؤسّس ليس فقط على محو وجود العرب وإنما أيضًا على تدمير ثقافتهم. وبعد تخريب الثقافة يمكن إنتاج الإدعاء الذي بموجبه لم تكن هذه الثقافة قائمة البتة. وبطبيعة الحال ليس في وسع أي شيء أن يناقض هذا المفهوم أو يفنّده

نشر الباحث الإسرائيلي غيش عميت، في العدد الثامن (كانون الأول 2006) من مجلة "ميتاعم" ("باسم" أو "نيابة عن") الفصلية للأدب والفكر الراديكالي (يترأس تحريرها الأديب يتسحاق لاؤور)، مقالة هواجسية حول بحث يعدّه لنيل شهادة الدكتوراه في قسم الأدب العبري في جامعة بن غوريون في بئر السبع ويتمحور حول عملية النهب المبرمجة لكتب الفلسطينيين ومكتباتهم العامرة في العام 1948 وما تلاه، وحول دلالة "تأثيث" بعض أجنحة "المكتبة القومية الصهيونية" بـ"غنائم" عملية النهب هذه.

ومما كتبه في هذا الصدد أنه في السنوات الأخيرة كتبت في إسرائيل أبحاث غير قليلة عن النتائج الهدّامة، على الأقل بالنسبة لـ"المهزومين"، المترتبة على حرب العام 1948. وقد قدّمت أعمال عالم الاجتماع باروخ كيمرلينغ والمؤرخين آفي شلايم وإيلان بابه وبيني موريس وغيرهم إسهامًا هامًا في هذا الشأن، وذلك من خلال نظرهم إلى الماضي بعيون محدقة في قلب الظلام، الظلام نفسه الذي سعى الوعي الصهيوني، على مجموعة وكلائه في الصحافة والأدب والمؤسسة الأكاديمية، إلى إسدال الستار عليه. وهكذا بتنا نعرف، الآن، المزيد عن اللاجئين (الفلسطينيين) وعن الكيفية التي منعت إسرائيل بواسطتها، عمدًا وبمنهجية بالغة، عودتهم إلى بيوتهم. كما بتنا نعرف أن الصيغة الشعبية- الأخلاقية- البطولية لحرب الاستقلال (الاسم الرسمي لنكبة 1948 في القاموس الإسرائيلي)، حسبما غدت ثابتة في عمق الروح الصهيونية، هي صيغة مزيفة ومحرّفة على أقل تعديل. بل ونعرف بعض الأشياء عن نطاق ملكية اللاجئين وعن نهب الأملاك والأراضي والمصانع، وعن مصادرتها وبيعها، بدايةً للجيش الإسرائيلي ومن ثمّ لكل من يدفع أكثر. مع ذلك فقد بقينا أميين تقريبًا تمامًا بالنسبة للكارثة التي ألحقتها الحرب بالثقافة الفلسطينية.

وينشر الباحث، في إطار مقالته الأولية هذه، عددًا من الوثائق المتعلقة بنهب الكتب والمكتبات العائدة للفلسطينيين في القدس الغربية.

من هذه الوثائق رسالة، يؤكد الباحث عدم معرفة هوية كاتبها، أرسلت إلى د. كورت وورمان، مدير "بيت الكتب الوطني"، في 26 تموز 1948، بعد ثلاثة أشهر من احتلال حيّ القطمون وبعد عدة أسابيع من تعيين دوف يوسف حاكمًا عسكريًا لمدينة القدس الغربية.

ومما ورد في الرسالة:

"بحسب تقديري فقد تمّ حتى الآن جمع حوالي 12 ألف كتاب، وربما أكثر. قسم كبير من مكتبات الكتاب والمتعلمين العرب موجود الآن في مكان آمن. كما توجد في حوزتنا عدة أكياس من المخطوطات التي لم تتضح قيمتها بعد. غالبية الكتب مصدرها من القطمون، ولكن أيضًا وصلنا إلى حيّ الألمانية والبقعة والمصرارة. لقد وجدنا عدة مكتبات عربية فاخرة في المصرارة. وأخرجنا من المصرارة أيضًا قسمًا من مكتبة المدرسة السويدية. لم تهدأ النفوس بعد في ذلك المحيط، لكن آمل بأن يكون في وسعنا مواصلة العمل هناك في غضون الأيام القريبة القادمة... قبل عدة أيام وضعت الجامعة (المقصود العبرية) تحت تصرّف هذه العملية 2- 3 عمال من مستخدميها. وقد أدى هذا إلى نجاعة كبيرة في العمل الذي اقتصر عدد المشتغلين فيه خلال الفترة الأخيرة على ثلاثة أشخاص فقط، هم غولدمان، إلياهو وأنا. وهؤلاء لم يعملوا فيه يوميّا وإنما على فترات متقطعة".

ويشير الباحث إلى أنه حتى أوائل العام 1949 تم جمع 18 ألف كتاب آخر، وبذلك فقد تسلم "بيت الكتب الوطنيّ" حوالي 30 ألف كتاب من العرب سكان القدس الغربية فقط، هذا دون حساب عدد الكتب التي جرى نهبها في مناطق أخرى، وأساسًا في المدن الفلسطينية الكبرى مثل حيفا ويافا.

وبعد ذلك يؤكد أن ثمة أمرين يستحقان الإشارة، في معرض استكناه مغزى هذا النهب:

(*) أولاً- نحن شهود على لحظة تجسّد، بالملموس، الشكل الذي تنبثق فيه ثقافة ما من رماد ثقافة أخرى بعد أن تبيدها عن بكرة أبيها. فإن لحظة تخريب الثقافة الفلسطينية هي لحظة ميلاد وعي إسرائيلي جديد، مؤسّس ليس فقط على محو وجود العرب وإنما أيضًا على تدمير ثقافتهم. وبعد تخريب الثقافة يمكن إنتاج الإدعاء الذي بموجبه لم تكن هذه الثقافة قائمة البتة. وبطبيعة الحال ليس في وسع أي شيء أن يناقض هذا المفهوم أو يفنّده.

(*) ثانيًا- عملية السيطرة هذه تؤشر إلى سيرورة مسخ ثقافة حيّة وديناميكية مزدهرة في الوسط الحميمي لبني البشر، إلى غرض متحفيّ. ولن يمر وقت طويل حتى تجد غالبية الكتب العربية (المنهوبة) مكانها في محراب الكتب الإسرائيلي، محنطة فوق الرفوف وفي متناول الأيدي، لكنها فاقدة للحياة أو إلى ما يشي للحياة، بصورة مطلقة.

كذلك يتطرّق الباحث إلى مذكرة نشرها، بمحاذاة الرسالة السالفة، د. شتراوس، مدير قسم العلوم الشرقية في "بيت الكتب الوطني"، عنوانها "إعداد الكتب العربية من المناطق المحتلة". وقد كان شتراوس هذا، بحكم وظيفته، المسؤول المباشر عن تلقي الكتب المنهوبة وأرشفتها وحفظها. وتدل مذكرته تلك، ضمن أمور أخرى، على تأثره من تدفق الكتب على أبواب مكتبته وكذلك تدلّ على قدر من البلبلة والضائقة في إحكام السيطرة على هذا الكم الكبير، ما حدا به إلى توجيه نداء من أجل تلقي مساعدة وتخصيص موظفين آخرين للقيام بهذه المهمة.

كما يورد هذا الباحث قائمة جزئية من قائمة بعشرات أصحاب الكتب، الذين تظهر أسماؤهم في تقرير جرى رفعه إلى إدارة "بيت الكتب الوطنيّ" في آذار 1949 وجرى حفظه في أرشيف الدولة. وتضم قائمة الباحث الأسماء التالية (طبقًا لنشرها في الأصل العبري): عجاج نويهض- البقعة، حنا سويدة- القطمون، خليل بيدس- البقعة، جورج سعيد- البقعة، ميخائيل قطان- البقعة، سليمان سعد- البقعة، عارف حكمت النشاشيبي- شارع سانت بول، جورج خماس- القطمون، خليل السكاكيني- القطمون، هنري قطان- البقعة، المحامي صايغ- المصرارة، يوسف هيكل- القطمون، توفيق الطيبي- القطمون، فرنسيس خياط- المصرارة، هاغوب مليكيان- الطالبية، أميليا صلاح- الحي الألماني، ص. ت. دجاني- حي السكة، س. أ. عواد- القطمون، فؤاد أبو رحمة- القطمون، ترجمان- شارع سانت بول، نيكولاس فرج- المصرارة، م. حنوش- الطالبية.

الصهيونية والمدينة الفلسطينية

من شأن هذا البحث، لدى استكماله، أن يشكل دليلاً آخر على حقيقة ليست جديدة.

مؤدى هذه الحقيقة أنّ غياب المدينة الفلسطينية كان فعلاً ناجمًا، في الأساس، عن عملية تغييب مخططة، منهجية ومدروسة، تعرضت لها هذه المدينة من قبل المشروع الاستيطاني الصهيوني.

ولدى استرجاعنا لبعض وقائع التاريخ نجد أن نكبة العام 1948 أدّت، ضمن عدة أشياء، إلى تدمير القاعدة الحضرية/ المدينية للفلسطينيين. ولا تزال الدراسات، التي تناولت بالرصد والتحليل مواقف الحركة الصهيونية واستعمارها الإحلالي حيال المدينة الفلسطينية، قليلةً بعض الشيء. مع ذلك فنحن نعرف أنه عندما بدأ المشروع الصهيوني الإحلالي كان الشعب العربي الفلسطيني في خضم عملية تبلره كشعب حديث في وطنه. صحيح أن المجتمع الفلسطيني في غالبيته كان مجتمعًا زراعيًا، لكن أنماط الاستثمار والتوظيف والمشاريع العامة، التي أدخلتها سلطات الانتداب البريطاني، أسهمت في تهيئة الأوضاع للتمايز الاجتماعي. كما أنها أسهمت في نشوء طبقات اجتماعية جديدة، على أساس نمط العلاقات الرأسمالية.

في بداية الانتداب البريطاني كانت المدن الفلسطينية تحتضن حوالي ربع السكان الفلسطينيين. وهذه النسبة زادت إلى حوالي (34) بالمائة عند انتهاء فترة الانتداب. وبالمقايسة مع أقطار أخرى في الشرق الأوسط، كانت نسبة التمدين في أوساط المجتمع الفلسطيني مرتفعة بشكل خاص. وأيضًا من الناحية التكنولوجية كانت فلسطين تعدّ من الأقطار المتقدمة في الشرق الأوسط (وهذا ما تدل عليه الإحصاءات أيضًا). والمدن الفلسطينية الكبرى (يافا وحيفا والقدس مثلاً) شهدت حركتها العامة تطورًا ليس فقط للتجارة والبنوك والصناعات الخفيفة والمواصلات، وإنما شهدت أيضًا تطورًا ملحوظًا للحياة الثقافية والاجتماعية المتنوعة. وهذا ما تمثل عليه مجموعة كبيرة من "المؤسسات الثقافية" الفاعلة، ومن بينها المسارح والفرق الفنية الأخرى.

وإذا ما وضعنا هذه "المعطيات الباردة" أمامنا نستطيع أن ندرك أسباب عداء الحركة الصهيونية للمدينة الفلسطينية على وجه التحديد. وهذا العداء تمّت ترجمته إلى تعبيرات نافذة في "حرب التقسيم". فإنّ المدن الفلسطينية احتلت وجرى "تطهيرها" قبل (15) أيار/ مايو 1948- التاريخ الرسمي لاندلاع حرب فلسطين. والجماهير الفلسطينية المدينية طردت في نيسان/ أبريل 1948. وعند انتهاء المعارك بقي في جميع المدن الفلسطينية أقل من نسبة (5) بالمائة مما كان فيها من السكان. وهؤلاء كان القسم الأكبر منهم لاجئين من قرى المنطقة.

هكذا تتراءى أمامنا الصورة المزدوجة التالية، المتصلة مبنىً ومعنىً:

من جهة واحدة تم القضاء أو الإجهاز على المدينة الفلسطينية، بوصفها عاملاً مثورًا ونهضويًا متقدمًا، من الناحية القومية والثقافية كذلك.

ومن جهة أخرى جرت عملية ترييف- بالمفهوم الثقافي والاجتماعي- للمدن الفلسطينية الباقية داخل تخوم "الخط الأخضر" (وهذا ما يمثّل عليه، بشكل ساطع، نموذج مدينة الناصرة).

ومع هذين الأمرين تمّ فرض حكم عسكري مشدّد على المجتمع الفلسطيني الباقي في حدود دولة إسرائيل، والذي أعيد القهقرى عدة أجيال.

وما ارتكبته السلطات الصهيونية بإزاء المدينة الفلسطينية ارتكبته لاحقًا سلطات الدولة الإسرائيلية بإزاء المدن في الضفة الغربية بعد عدوان حزيران/ يونيو 1967. وفي الأساس تدمير البنية الحضرية للمدينة (القدس هي مثل واحد على ما أقصد).

تغييب المدينة الفلسطينية أريد من ورائه تسديد طعنة نجلاء إلى بدايات مشروع الحداثة الفلسطيني. وعندما أقول الحداثة فعن وعي كامل بأن نشأة الحداثة مرتبطة، على وجه العموم، بتخلي الفكر الفلسفي، أساسًا، عن إرث الطابع الميتافيزيقي ودخول البشر، الإنسان، هذا الكائن الاجتماعي، في فلك الحرية ومعها القلق. بمعنى آخر، أشد دقة، إدراك الإنسان أنه هو صانع تاريخه، بل إن العمل في هذا السياق واجب، الأمر الذي يفرض بدوره ضرورة الخيار. وفي هذا ما يقودنا إلى موضوع الحداثة. ومع أن مكانه ليس هنا، غير أن ما يهمني من هذا الموضوع ذلك المفهوم الذي يرى أن الحداثة انطلقت عندما تفلت الإنسان من تحكّم النظام الكوني، بل تحرّر من هذا التحكم، لأن هذه القطيعة كانت أيضًا لحظة تبلور الوعي بالتقدم. والقصد بالوعي بالتقدم هو الرغبة في إنجازه وربطه بالتحرر، وما يترتب على ذلك من ضرورة القطيعة مع الميتافيزيقا والتحرر من الاستلاب الميتافيزيقي.

إن مثل هذا المشروع كان خطيرًا على المشروع الصهيوني لأنه يهدّد، في الصميم، الهوية الإسرائيلية المنطلقة من ضرورة الاستلاب الميتافيزيقي والمشيدة على الأساطير الخرافية للصهيونية.