أمسية ثقافية وأحاديث خاصة احتفاء بالذكرى الثلاثين لرحيل الشاعر الفلسطيني راشد حسين، الذي عرف كواحد من مؤسسي شعر المقاومة الفلسطيني الملتزم في الداخل، وأصبح أحد رموزه لدى الجماهير التي حفظت قصائده وتغنت بها

كتب وديع عواودة:

نظمت جمعية "ديرتنا" الثقافية أمسية خاصة احتفاء بالذكرى الثلاثين لرحيل الشاعر الفلسطيني راشد حسين، أحد أركان الأدب المقاوم.

وتطرق د. مصطفى كبها في الأمسية إلى راشد حسين الصحافي المبدع مؤكدًا أن الراحل كان من أفضل الكتاب في الصحف الفلسطينية ومشيرًا إلى إهمال شخصيته الصحافية.

وأضاف: كتب راشد المئات من المقالات في زوايا مختلفة منها "من أفواه الناس" و"كلام موزون" و"الحكاية" ضمن صحف المرصاد والفجر والاتحاد ونشرات الأرض، وفيها برز صحافيا متمرسا يتسم بالشجاعة والصراحة والأسلوب الساخر المؤثر. وقال إنّ راشد تأثر في كتاباته بحسنين هيكل. ويرى كبها أنه في قصائده ومقالاته كان راشد من أوائل المؤسسين للرواية التاريخية الفلسطينية، ولا شك أنه من أبرز المعالم الثقافية في أراضي 48 إبان فترة الحكم العسكري. وأشار خصوصًا لحوارات راشد الساخنة مع مثقفين إسرائيليين كان يؤكد لهم خلالها أن السد بين الشعبين ليس من زجاج أو الصخر بل إنه في القلوب تأكيدا على صعوبة هدمه. وأضاف "بهذه المناسبة أرغب بدحض محاولات الغمز واللمز على راشد الذي يشاع أحيانا وكأنه نشط في صفوف حزب مبام. فراشد كتب وعمل في صحف مبام لكنه لم ينتم له. ولدي نسخة العقد بين الطرفين، وفيها يحفظ لراشد حق التعبير كما يشاء".

وقدم الشاعر د. فاروق مواسي محاضرة عن السخرية والمرارة في أشعار راشد حسين تطرّق فيها لأسلوبه الساخر على خطى الجاحظ والمازني والحكيم والشدياق وسواهم.

كما تحدث الأستاذ طلعت شرقاوي، أحد أتراب راشد في مدرسة "الأميرية" في مدينة أم الفحم ومدرسة الجليل في الناصرة، فلفت إلى تفوقه وإبداعه في جيل مبكر إضافة لكونه صديقا وفيا سخيا. وأضاف "بعد تخرجه عمل مدرسا لكنه ما لبث أن ترك المهنة غير آبه باحتجاجات ذويه حرصا على الوظيفة". وتطرق شرقاوي للملاحقات السلطوية التي تعرض لها راشد حسين إلى أن رحل للولايات المتحدة كبعض المثقفين الفلسطينيين الذين خرجوا للبحث عن أفق جديد في الفضاء الواسع.

وكان راشد حسين، الذي ولد في قرية مصمص في المثلث الشمالي العام 1936 وتلقى تعليمه في حيفا والناصرة وأم الفحم، قد بدأ يقرض الشعر في سن مبكرة وأصدر ديوانه الأول وهو في العشرين من عمره. وعرف راشد كواحد من مؤسسي شعر المقاومة الفلسطيني الملتزم في الداخل، وأصبح أحد رموزه لدى الجماهير التي حفظت قصائده وتغنت بها.

يشار إلى أن راشد حسين كان من نشطاء حركة الأرض ومحررًا لنشرتها السياسية وقد تعرض للملاحقة والاضطهاد من قبل السلطات الإسرائيلية، وفصل من عمله كمدرس بعد عام واحد فقط من تعيينه. كما عمل محررًا لمجلات "الفجر" و"المرصاد" و"المصوّر" قبل أن يغادر البلاد إلى الولايات المتحدة العام 1966 حيث نشط من أجل قضية شعبه إعلاميا وسياسيا إلى أن قضى جراء احتراق شقته في نيويورك العام 1977.

وكان الآلاف من أبناء شعبه من جهتي الخط الأخضر قد شاركوا في تشييع جثمانه في مسقط رأسه، مصمص، التي رفعت في مدخلها لافتات مهيبة تقول "الوطن يرحب بابنه العائد" و"راشد يرحب بضيوفه الكرام".

وأفادنا الأديب حنا أبو حنا أنّ "مع الفجر" كانت مجموعته الشعرية الأولى التي أبرزت مدى عمق الصلة بين راشد حسين وبين قضية اللاجئين كما يبدو في قصائد "الخيمة السوداء" و"آلام اللاجئين" و"أزهار من جهنم". وأضاف: في ديوانه الثاني "صواريخ" تتألق الروح الوطنية للشاعر. وأضاف "حينما اعتقلت العام 1958 توقفت عن كتابة زاويتي الأسبوعية في صحيفة "الاتحاد"- "وحي الأيام"- فأخذ راشد يعبئها بقصائد من لدنه موقعا إياها باسم مستعار. راشد، وهو من الرعيل الأول من جيل ما قبل النكبة وبعدها، شاعر نضجت موهبته في مرحلة مبكرة والمؤسف أنه رحل". وقال أبو حنا إن قصيدة راشد تتميز بالرشاقة وبلغتها المكتوبة على طريقة السهل الممتنع، فالألفاظ بسيطة لكنها تصور لوحات جميلة سيما اللوحات الوطنية المهمة.

من ناحيته دعا الشاعر سميح القاسم إلى تكريم الراحل بشكل مميز واقترح تسمية قريته "الراشدية" أو إطلاق اسمه على شارع وادي عارة. وقال القاسم إن راشد حسين هو مؤسس لمرحلة هامة من مراحل الشعر العربي في فلسطين، لافتا إلى أن قصيدته قدمت مناخ المواجهة الفلسطينية- الصهيونية على الصعيد الشعري. وأضاف "أقصد المواجهة الحياتية- اليومية بحكم تورطه بالحياة المشتركة بشكل قوي وعميق. في شعر راشد بدأت ملامح الأنسنة في المواجهة وغدت بين إنسان وإنسان بما يتعدى المواجهة السياسية والفكرية وانعكس ذلك في قصائده المتأخرة". وأوضح القاسم أن اغتراب راشد حسين أبعده عن بؤرة الحدث، لكن اغترابه تحول إلى قصيدة حزينة ومؤثرة جدا منوها إلى أن "الحالة الشعرية رافقته في المنفى بقوة فلم يستعر مناخا شعريا جديدا بل اصطحب مناخه الشعري وحافظ عليه".

وحول تميز تجربته الشعرية قال القاسم إن قصيدة راشد حملت وجعا استثنائيا وتوقع أن يأتي زمن يقوم فيه النقاد بمعاينة تجربة راشد بقراءة جديدة تلقي الضوء على مواقفه الوطنية والقومية والإنسانية الراقية. وأضاف "تميز راشد بأنه لم يجامل المناخ الغوغائي الدهمائي فاحترم قصيدته ووعيه وموقفه وعروبته وإسلامه وفلسطينيته وأمميته رافضا العنصرية رفضا قاطعا، ولدي على الأقل أصبحت مفاهيمه الإنسانية وسيلة أستفيد منها وأدافع بها عن الأمة في العالم حيث أقدم راشد نموذجا للقصيدة وللروح الشعرية التقدمية والأممية في الشعر العربي".

ودعا القاسم إلى إنصاف تجربة راشد عبر دراسة جديدة لشعره تركز على خصائص نتاجه الاستثنائي.