*مؤشرات عديدة إلى استمرار التباطؤ الاقتصادي *بنك إسرائيل ينتقد سياسة الحكومة تجاه الميزانية العامة ويدعو إلى رفع الضرائب لمواجهة العجز*

*مؤشرات عديدة إلى استمرار التباطؤ الاقتصادي *بنك إسرائيل ينتقد سياسة الحكومة تجاه الميزانية العامة ويدعو إلى رفع الضرائب لمواجهة العجز*

كتب برهوم جرايسي:

قرر بنك إسرائيل المركزي أن يبدأ العام الجديد بنسبة فائدة هي الأقل منذ أكثر من عامين- 75ر1%، وذلك بعد أن أجرى تخفيضا اضافيا عليها في مطلع الشهر الجاري بنسبة 25ر0%، وهذا على ضوء التباطؤ في وتيرة النمو، في حين أن بنك إسرائيل كان قد توقع قبل أكثر من عام أن لا تهبط الفائدة البنكية في نهاية العام 2012 المنتهي عن 3%، إلا أن استمرار الأزمات الاقتصادية في العالم، وخاصة في الدول المتطورة، وانعكاسها المباشر على الاقتصاد الإسرائيلي، اضطر البنك إلى أن يعود الى سياسة الفائدة البنكية، التي اتبعها ابتداء من النصف الثاني من العام 2008 وحتى نهاية العام 2010، وهي تخفيض الفائدة الى مستويات متدنية في محاولة للمساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد.

وقال البنك في بيانه لتفسير قراره بتخفيض الفائدة البنكية إن النمو الاقتصادي في العام الجديد 2013 سيكون بنسبة 8ر2%، بدلا من 3% وفق تقديرات سابقة، وتوقع البنك أيضا أنه في حال بدأ استخراج الغاز من أحد الحقول في البحر الأبيض المتوسط في منتصف العام الجاري، فإن نسبة النمو قد تصل الى 8ر3%، ولكن هذه الزيادة لن تكون ملموسة في الأسواق، بل في مداخيل الخزينة العامة من الضرائب.

ويؤكد البنك أن معطيات الواقع الاقتصادي تشير الى أن الاقتصاد الإسرائيلي مستمر في حالة التباطؤ في النمو، وخاصة بسبب استمرار التراجع في الصادرات، على ضوء تراجع الطلب في الأسواق الأوروبية، وأيضا في الولايات المتحدة الأميركية، بفعل الأزمة الاقتصادية المستمرة في عدة دول متطورة.

ويقول البنك إن العدوان على قطاع غزة في شهر تشرين الثاني ساهم هو أيضا في لجم وتيرة النمو، بنسبة 3ر0% في الربع الرابع والأخير من العام المنصرم.

الى ذلك، فقد لفت البنك النظر الى تراجع قيمة صرف الدولار أمام الشيكل، على ضوء الخلاف حول الميزانية في الولايات المتحدة الأميركية، وألمح محافظ بنك إسرائيل المركزي، ستانلي فيشر، الى أنه قد يعود الى عملية شراء الدولارات، من أجل رفع قيمته أمام الشيكل، لئلا يضرب تراجع سعره عائدات الصادرات الإسرائيلية.

التباطؤ حاصل

ويقول المحلل الاقتصادي ايتان أفريئيل، في مقال له في صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، إن بنك إسرائيل المركزي بقيادة المحافظ ستانلي فيشر، قرر أن لا يأخذ بالحسبان الاحتياجات الانتخابية لحزب الليكود ووزير المالية يوفال شتاينيتس، ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ولهذا فإنه خلافا للتصريحات التفاؤلية التي يطلقها شتاينيتس ويدعي فيها أن النمو الاقتصادي سيُحدث قفزة في العام الجديد 2013، أعلن فيشر أن ارتفاع النمو الذي يتحدث عنه شتاينيتس نابع من بدء استخراج الغاز من أحد الحقول في البحر المتوسط، بينما على أرض الواقع، فإن النمو الاقتصادي الحقيقي والواقعي المرتبط بمستوى المعيشة يشهد حالة تباطؤ، ولهذا قرر فيشر تخفيض الفائدة البنكية بنسبة 25ر0% لترسو عند مستوى 75ر1%، وهذا بهدف تشجيع الحركة الاقتصادية على مستويات مختلفة.

ويتابع أفريئيل كاتبا: إن بنك إسرائيل المركزي يتحدث عمليا عن نمو اقتصادي في العام الجديد 2013، بنسبة 8ر2%، وهذا أقل من النسبة المتوقعة السابقة 3%، وهذه النسبة تعني أكثر بنسبة 1% من نسبة التكاثر السكاني، وهي تعتبر نسبة نمو منخفضة جدا، وحينما يرفعون نسبة النمو الى 8ر3% بسبب بدء استخراج الغاز فإن هذا لن يؤثر على المستوى المعيشي.

ورغم ذلك، فإن أفريئيل يدعو الى عدم الاستخفاف بالغاز، حيث أن استخراجه سيمنع ارتفاع اسعار الكهرباء، وحتى أسعار خدمات أخرى تعتمد على الوقود، ولكن باستثناء هذا القطاع، فإن كل القطاعات الأخرى في الاقتصاد تشهد حالة تباطؤ اقتصادي، وهذا ما يتضح من كل تقارير التضخم المالي الشهرية، فالصادرات والاستيراد يشهدان تباطؤا، وكذا بالنسبة للسياحة والسوق الداخلية التي تضررت من "عملية عمود السحاب" على قطاع غزة، وهذا كله يحدث في إسرائيل بسبب التباطؤ الحاد في نمو الاقتصاد العالمي.

إضافة الى هذا، يقول أفريئيل، فإن البطالة مستمرة في الازدياد، ففي هذه المرحلة وصلت الى 7%، ومن شأنها أن ترتفع في العام الجديد الى معدل 1ر7%، ولكن النسبة الحقيقية هي أعلى من هذه النسبة، لأن المعطيات الرسمية لا تأخذ بعين الاعتبار أن آلاف الاكاديميين والمهنيين لا يعملون في وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم، كما أن عشرات الآلاف يعملون في وظائف جزئية اضطرارا نظرا لعدم وجود وظائف كاملة لهم.

ويشير أفريئيل الى أن محافظ بنك إسرائيل قلق من جديد من ارتفاع قيمة الشيكل أمام الدولار، وهذا بسبب قيام مستثمرين أجانب بشراء الشيكل، بسبب الفائدة العالية نسبيا ومقارنة مع الفائدة في دول العالم، ولهذا لم يكن مستغربا أن يلمح فيشر الى نيته العودة الى شراء الدولارات، كما فعل هذا قبل أكثر من اربع سنوات ونصف السنة، كي يعيد صرف الدولار أمام الشيكل الى المستوى المطلوب، وأن لا يقل عن مستوى 8ر3 شيكل للدولار.

ويرى بنك إسرائيل، أن تخفيض الفائدة البنكية من شأنه أن يقلل من جدوى الاستثمار في الشيكل، ما يجعل مستثمري العملات الأجنبية يشترون الدولارات من جديد.

أما بالنسبة للتضخم المالي فيرى أفريئيل كسائر المحللين أنه لا يوجد في إسرائيل تضخم مالي، وهذا انعكاس لحالة التباطؤ، وكما يبدو فقد استسلم بنك إسرائيل لهذا الواقع، ولذا فإنه يتوقع ان يكون التضخم في العام الجديد 2013 في حدود 8ر1%، وهي نسبة قريبة إلى نسبة التضخم في العام المنتهي 2012.

ويقول أفريئيل إن محافظ بنك إسرائيل قرر عدم المواجهة مع الحكومة الحالية، على الرغم من أن العجز في الميزانية تجاوز بنحو 9 مليارات شيكل (4ر2 مليار دولار) الحد الأقصى الذي حددته الحكومة، وأصلا من غير الممكن مواجهته خاصة قبل شهر من الانتخابات البرلمانية.

ويتوقع أفريئيل أن مواجهة كهذه ستقع بين بنك إسرائيل والحكومة الجديدة التي ستفرزها الانتخابات المقبلة.

جدل حول الضرائب

ولم ينتظر محافظ بنك إسرائيل ستانلي فيشر انتهاء الانتخابات الإسرائيلية ليكشف ضمنا في أحاديث عدة، منها من على منصات مؤتمرات في الأيام الأخيرة، عن ضرورة إجراء تقليصات في الميزانية العامة من جهة، ورفع الضرائب من جهة أخرى، وفي المقابل سارع وزير المالية الحالي يوفال شتاينيتس للإعلان عن أنه لن يكون رفع ضرائب آخر، غير ذلك الذي تقرر سلفا، ولكن حسب مصادر حزبية فإن شتاينيتس، ورغم كونه يعمل بموجب رغبات رئيس حكومته، قد لا يبقى في منصبه.

وقال فيشر، أمام اللجنة المالية في الكنيست الإسرائيلي: "إننا في العقد الأخير كنا في طليعة نمو الدول المتطورة، ويجب الاستمرار في هذا، ولكننا في هذه المرحلة نقترب الى نسبة تشغيل شبه كاملة وفي نفس الوقت لدينا عجز يصل الى 4% من الناتج العام، وإذا ما دخلنا الى حالة ركود اقتصادي، فإن العجز قد يرتفع الى 6% وحتى 7%، وستواجه الحكومة صعوبة في التمويل".

وفي خطاب له أمام المؤتمر السنوي لبنك إسرائيل المركزي، حذر فيشر من أن المشكلة في ميزانية العام الجديد 2013 قد تكون خفيفة مقابل ما قد يكون في العام المقبل- 2014. وقال إن العجز في العام 2014 قد يصل الى 22 مليار شيكل، ما يعادل حاليا 8ر5 مليار دولار، وقد يرتفع اكثر في العام 2015 الى 6ر6 مليار دولار. وقال: إنني لا اشعر بارتياح بعجز بنسبة 4% في الميزانية، لأن هذا يفتح الطريق أمام نسب عجز أكبر مستقبلا.

ودعا فيشر الحكومة الى أن تحافظ على نسبة عجز متدنية في ميزانية العام الجديد، وتحدث بوضوح عن ضرورة رفع الضرائب، وحتى ايضا عن إعادة النظر في شكل الصرف الحكومي، والتراجع عن مخططات صرف.

وقال فيشر، منتقدا سياسة الحكومة الاقتصادية، إن الحكومة وحينما حددت شكل وحجم الصرف، لم تأخذ في الحسبان وبشكل كاف حجم مداخيل الخزينة من الضرائب، وهذا ما يجعل العجز في الميزانية العامة، حتى لعدة سنوات قريبة أعلى من الممكن للاقتصاد الإسرائيلي.

وأضاف أنه من أجل حل هذه القضية، يجب على الحكومة أن تربط الصرف بحجم المداخيل، بمعنى أن كل تغيير في المداخيل، يجب أن يقابله تغيير في شكل وحجم الصرف، وهذا اقتراح يعترض عليه مجلس الاقتصاد الأعلى الذي يرأسه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

وعبّر عن هذه المعارضة الوزير شتاينيتس، الذي قال في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي: "إننا في هذه المرحلة يبدو أننا فرضنا ما يكفي من الضرائب، ولهذا لن يتم فرض ضرائب جديدة ذات أهمية في السنة الجديدة".

ومن الجدير ذكره، أن نتنياهو يرفض من حيث المبدأ رفع الضرائب بشكل جدي على الشركات، وعلى كبار أصحاب رأس المال، رغم أن الضرائب قد تراجعت بصورة جدية في العقدين الأخيرين عن الشركات، واضطر قبل نحو خمسة أشهر إلى التراجع عن مخطط يقضي برفع ضريبة الدخل على جميع الشرائح، لتقتصر فقط على أصحاب الدخل العالي، وهذا مقابل أن لا يرفع الضرائب على الشركات، بزعم أن رفع الضرائب على الشركات سينعكس سلبا على النمو الاقتصادي من وجهة نظر نتنياهو.