تناولت سلسلة طويلة من المقالات والمقابلات والتقارير، تكاد تكون مفاجئة من حيث حجمها وكثافتها، نشرتها مؤخرًا وسائل إعلام متنوعة في الولايات المتحدة، بدءا من الصحافة المكتوبة النوعية وانتهاء بالمدونات والرسائل الموزعة في شبكة الانترنت، مسألة علاقة المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية، باراك أوباما، تجاه دولة إسرائيل واليهود في الولايات المتحدة.

ومن بين أسباب ذلك بالإمكان تعداد، أولا وقبل كل شيء، الأهمية السياسية لليهود في الولايات المتحدة، فيما يتعدى وزنهم السياسي بين السكان (رغم أنه قد يكون للصوت اليهودي، بحد ذاته، وزن كبير كبيضة قبان في ولايات هامة، مثلما حدث في فلوريدا، العام 2000، وأوهايو، العام 2004)، ومكانتهم كعامل مُجند ونشط ومتبرع ومحفز. كذلك فإن اليهود الأميركيين يمثلون بصورة تقليدية التوقعات الأخلاقية للمجتمع الأميركي تجاه ذاته، الأمر الذي يمنحهم أهمية بالغة في معركة انتخابية تعتبر نقطة انعطاف تاريخية.

من هنا تأتي رغبة أوباما في تجسيد التزامه. في الوقت ذاته، فإن السعي الحثيث لخصومه (معسكر هيلاري كلينتون، الذي عمل حتى الآن على الحفاظ على نفوذه بين الجمهور اليهودي، والآن، بنظرة إلى يوم الانتخابات في تشرين الثاني المقبل، حملة جون ماكين الانتخابية أيضا) للتشكيك في مدى التزامه والتلميح إلى خلفيته ومعتقداته الدينية (مسلم؟ تحت رعاية الكاهن جيرمي رايت؟) وحتى اسمه الأوسط (حسين) يدلّون على أن يهود الولايات المتحدة لا يمكنهم اعتباره صديقا.

وعلى هامش الأمور، نشأ مؤثر معاكس أيضا، يؤثر- عمليا- بمستوى مشابه: وهو محاولة جهات في الولايات المتحدة (وخارجها)، وهي جهات معادية لإسرائيل أو معارضة لمميزات العلاقات الخاصة، أن تربط مواقفها بأوباما (في موازاة مواقف كلينتون وماكين المؤيدة لإسرائيل بصورة بارزة) وتعليق آمال عليه لجهة حدوث تغيير جوهري في الخط السياسي- الإستراتيجي في الشرق الأوسط.

وعلى خلفية ذلك، هرع أوباما للتوضيح بلغة حادة (بما في ذلك بواسطة مدونة حملته الانتخابية باللغة العبرية!) أنه يرى بنفسه صديقا مخلصا لإسرائيل ومؤيدا مواظبا لحقها في الدفاع عن نفسها أمام أعدائها. وهذه مواقف عبر عنها، حسب قوله، أمام جماهير لم تتحمس لسماع ذلك، مثل طلاب جامعات فلسطينيين في رام الله (الذين قال لهم بأنهم يتوهمون وحسب، إذا توقعوا أن تفصل الولايات المتحدة نفسها عن إسرائيل) أو الجمهور المعادي لإسرائيل في جنوب أفريقيا، التي زارها عندما اندلعت الحرب في لبنان في العام 2006.

ووصلت الأمور إلى حد التوضيح الشامل من خلال المقابلة الصحافية التي منحها أوباما لجيفري غولدبرغ، في العدد الصادر في 12 أيار الجاري من مجلة "أتلانتيك مانثلي". تجدر الإشارة إلى أن غولدبرغ نشر في العدد السابق من المجلة مقالا أظهر عنوانه المثير للقلق علامات سؤال حول مستقبل إسرائيل، واعتمد بشكل واسع على مواقف الأديب الإسرائيلي دافيد غروسمان، الذي قُتل نجله في لبنان.

وعبّر أوباما، الذي ذكر أنه قرأ كتاب "الزمن الأصفر" لغروسمان لدى صدوره، عن تعازيه للأديب (وحرص أن يذكر إعجابه بأدباء آخرين، مثل ليون يوريس، المعروف بمواقفه المتماثلة مع التيار المركزي المؤيد للصهيونية)؛ واستعرض مجموعة واسعة من المواقف التي تنطوي على قيم ووجدانيات تعكس اطلاعه على التاريخ وتُغذي تأييده لإسرائيل.

ومن بين ما قاله لغولدبرغ إن مواقفه تجاه الصهيونية تبلورت لأول مرة عندما كان في مخيم صيفي في الصف السادس الابتدائي، وكان أحد المرشدين شابا يهوديا، قضى فترة في إسرائيل وأشرك أوباما الصغير (الذي كان يشعر أنه مُقتلع من جذوره ويصارع على تعريف هويته) بالتجربة الصهيونية من خلال العودة إلى الموطن، ومعنى ذلك بالنسبة للشعب اليهودي بعد الهولوكوست وبعد أجيال حافظ خلالها على ثقافته وروابطه في الشتات.

ويُضاف إلى ذلك (كما لدى الكثير من التقدميين في الولايات المتحدة، خصوصا في الجيل السابق) إعجاب عميق بفكرة العدالة الاجتماعية، التي كانت كامنة في الحركة الصهيونية الشابة والكيبوتسات. [وقال أوباما إن] "التفكير أنه ليس بإمكانك إيجاد مكانك فحسب وإنما أيضا العثور على فرصة للبدء من جديد وإصلاح أضرار الماضي، جذبني كثيرا".

وعلى المستوى السياسي، كما هي الحال على المستوى الثقافي، فإن لعلاقاته مع الجالية اليهودية (وبصورة خاصة، مع مؤيديه في شيكاغو، منذ بداية طريقه السياسية) دورا مركزيا في بلورة وعيه، لدرجة أنه كانت هناك أوساط في الجالية الأفريقية- الأميركية رأت به عميلا لمصالح يهودية... وشدد على أن هؤلاء المؤيدين يعرفونه تماما ويعرفون نظرته إلى اليهود (وإسرائيل)، ولذلك دعموه من دون تردد عندما بدأت حملة الاتهامات الحالية ضده.

ويوجد إعجاب عميق بين الأفريقيين- الأميركيين لأفكار مثل العودة إلى الوطن ("ما أحببته في إسرائيل، عندما زرتها، هو أن الأرض نفسها هي رمز لولادة جديدة")؛ وفي هذا السياق، ثمة جانب تراجيدي لفقدان الرابط الطبيعي (كما توجب أن يكون برأيه) بين الجاليتين، الذي كان متينا في سنوات النضال على المساواة في الحقوق.

ويضع أوباما أمام أولئك الذين يعارضون حق إسرائيل في الوجود، أو يدعون بأن الولايات المتحدة نفسها توفر ملجأ آمنا بشكل كاف لليهود، حجة عميقة: "ليس كافيا بالنسبة لمن مر بالهولوكوست أن تعرض عليه شعورا مشابها من الأمن والإيمان بالمستقبل، مقارنة مع فكرة أن الشعب اليهودي قادر على الاهتمام بنفسه، مهما يحدث".

وعلى هذه الخلفية، فإن مواقفه تجاه حماس "ليست مختلفة في جوهرها" من تلك التي تحملها كلينتون وماكين. "قلت إن هذه منظمة إرهابية ونددت بهم مرة تلو الأخرى... يحظر علينا مفاوضتهم، حتى يعترفوا بإسرائيل، ينبذوا الإرهاب، وينصاعوا للاتفاقات القائمة" (أي، شروط الرباعية الدولية).

وفي الوقت ذاته، لم تثر تعابير الإعجاب تجاه ترشيحه من جانب رجل "حماس"، أحمد يوسف، انطباعا لدى أوباما (ولم تغضبه)، ووجد بها دليلا آخر على أنه يعتبر في أنحاء العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط، كشخصية مختلفة عن بوش، ومنفتحا أكثر للحوار، بالمقارنة مع "دبلوماسية الكاوبوي" للإدارة الحالية: "أعتقد أن هذا دليل شرعي بالمطلق، طالما أنهم ليسوا مرتبكين حيال دعمي، غير القابل للتغيير، لأمن إسرائيل".

ومثلما أوضح لغولدبرغ، فإن الأمر لا يعني تأييدا أعمى لمواقف "التيار الصقري بين يهود الولايات المتحدة" (وفقا لصياغة أوباما) ، أو لكل جانب من سياسيي إسرائيل. "كسياسي، أعرف أننا جميعا لسنا كاملين". ومجرد ذكر غروسمان، والتماثل معه، يدل على ذلك. ولا يخفي انتقاده لسياسة إسرائيل الحالية في قضية المستوطنات، التي يختلف عليها اليمين واليسار بين الجمهور اليهودي في الولايات المتحدة.

في الظاهر، كان ينبغي على الأقوال الحادة حول الفكرة الصهيونية وتحقيقها في دولة إسرائيل أن تمنح أوباما (الذي أوضح أمام جمهور يهودي في فلوريدا أن اسمه الأول هو صيغة للاسم العبري "باروخ") نفوذا متينا في أوساط الجمهور اليهودي الأميركي. إذ أن هناك الكثيرين بين صفوفه الذين يتحفظون من المشروع الاستيطاني، حتى وإن كانوا يدعمون إسرائيل في قضايا الحل الدائم، مثل أمن الدولة؛ نفي "حق العودة" والحفاظ على الصبغة اليهودية لإسرائيل: معارضة حلول مفروضة والتفسير العبري [ربما المقصود: العربي] "للشرعية الدولية"؛ قضية القدس.

وعمليا، مثلما أكدت ذلك الأحداث التي رافقت زيارة أوباما إلى بوكا راوتون- مظاهرات، السجال المتواصل في الصحف، والنبرات القاسية في مواقع الانترنت اليهودية، فإن الآراء ما زالت مختلفة، ومن أسباب ذلك أن بين الجالية اليهودية هناك من هم ليسوا مرتاحين من مظاهر الدعم الذي حظي بها أوباما من جانب جهات وشخصيات محل خلاف.

فالدعم العلني والحثيث من جانب مجموعة "جي- ستريت" (التي تسعى لإنشاء لوبي "معسكر سلام" في واشنطن، بسبب ادعاء ينطوي على إشكالية بأن أيباك "يمينية أكثر مما ينبغي") لأوباما، بما في ذلك في مسألة التحادث مع النظام الإيراني، يثير تساؤلات. وتجدر الإشارة إلى أن بين المبادرين لإقامة المجموعة ألين سولومونت من بوسطن، وهو أحد كبار المتبرعين لحملة أوباما الانتخابية.

كذلك يثير حضور السفير الأميركي السابق في إسرائيل (ومصر)، دانيال كريتسر، كمستشار أساسي للشؤون الإسرائيلية والشرق أوسطية في طاقم أوباما، ردود فعل مختلطة. فكريتسر هو يهودي أرثوذكسي وتخرج من الـ"يشيفاه يونيفرسيتي"؛ لديه أقرباء في إسرائيل ويعتبر مرجعا غنيا بالتجربة والعمل الدبلوماسي والاستخباراتي في شؤون الشرق الأوسط، في إطار وزارة الخارجية الأميركية.

وتنفي مواقفه التي كررها مؤخرا بصورة حادة إملاء حل، أو استخدام رافعة المساعدات الأمنية لممارسة ضغط على إسرائيل. مع ذلك، ورغم استياء قسم من يهود الولايات المتحدة، فإنه محسوب على من يوجهون انتقادات شديدة بسبب الخروقات من جانب إسرائيل (والفلسطينيين) للتفاهمات مع الولايات المتحدة، ولإطار "خريطة الطريق"، خاصة في قضية البؤر الاستيطانية العشوائية؛ ويوصي في كتابه الأخير بتدخل أميركي أقوى لدى مرافقة عملية تسوية نزاعات.

ويستخدم المؤيدون اليهود لجون ماكين- جمهوريون أو ديمقراطيون "تخطوا الحدود"- بصورة فعالة هذه القضايا، وعلامات السؤال العامة أكثر هي فيما يتعلق بتوجهات أوباما في سياسات الخارجية والأمن، من أجل استباق وتوفير تفوق له لدى الجمهور اليهودي مع اقتراب يوم الانتخابات في تشرين الثاني.

وما زال من السابق لأوانه وضع تقديرات أكيدة بخصوص التوجه الظاهر قبل نصف عام من الانتخابات: لكن ثمة أساس للتوقعات، في المعسكر الجمهوري، بأن حجم التأييد لماكين لدى الجمهور اليهودي سيتفوق ببضع نسب مئوية، على إنجاز بوش في انتخابات 2004 (أكثر بقليل من ربع المصوتين الذين عرفوا أنفسهم على أنهم يهود، وفقا لعينة نتائج الانتخابات)، وربما حتى أنه سيقترب من إنجاز ريغان أمام كارتر في انتخابات 1980 (أكثر من الثلث).

جون ماكين- صاحب التوجه الأكثر إيجابية لإسرائيل

تكمن في هوية وقصة حياة ماكين كـ "حصان جامح" لا يمتثل للقواعد المتبعة، سر قوته وسحره وفي الوقت ذاته التهديد الرئيس لقدرته على الفوز في انتخابات تشرين الثاني المقبل. وقد انتهج ماكين، في سلسلة من القضايا والموضوعات، وفي مقدمتها مسألة الهجرة المشحونة (الملونة في معظمها) مواقف تتعارض مع توجهات غالبية الجمهوريين، ولا سيما معسكر المحافظين، الذين شجبوا مواقفه بلهجة شديدة ووصفوه على أنه جمهوري بالاسم فقط. ولعله لهذا السبب بالذات، يمتلك فرصة في أن يظهر- في نظر الرأي العام- في مواجهة خصم يتمتع بمكانة قوية من الجانب الديمقراطي كشخصية مستقلة، مثيرة للاهتمام ومتحررة من القيود والاعتبارات المؤسسية، وفي نظر جمهور السكان الملونين، الذين يشكلون جزءاً ذا أهمية متزايدة في الخريطة السياسية والاجتماعية للولايات المتحدة، كصديق حقيقي لقضيتهم، أخذ على عاتقه مخاطر جسيمة من أجل مواجهة مشكلة مكانة 12 مليون مهاجر غير شرعي.

في الوقت ذاته ما زال من غير الواضح- على الرغم من تعهد مايك هاكبي، مرشح اليمين الديني بالوقوف إلى جانب ماكين في سباقه للرئاسة- إلى أي حد سيكون المحافظون الجدد والمحافظون التقليديون، الذين يسيطرون على شبكات ومنظمات اجتماعية واسعة ويمتلكون قدرة على تجنيد ملايين المصوتين، مستعدين للانخراط في جهد حقيقي وعميق من أجل فوز مرشح (ماكين) يرتابون في نواياه.

هذه الصورة لماكين كشخصية شاذة، تنسجم مع سيرة حياته التي قل نظيرها في التاريخ السياسي الأميركي.

إن جون سيدني ماكين الثالث هو سليل عائلة ذات سيرة عسكرية حافلة عمرها من عمر الجمهورية... فقد كان جده أدميرالا في الحرب العالمية الثانية، وكذلك أبوه الذي تولى قيادة الساحة البحرية في المحيط الهادئ في فترة حرب فيتنام. ولد جون ماكين في قاعدة عسكرية أميركية في بنما العام 1938 (ويعد أكبر المرشحين عمراً في تاريخ انتخابات الرئاسة الأميركية). في إطار محطات الخدمة العسكرية لأبيه، ارتحل ماكين من ولاية إلى أخرى وأقام مع أسرته في مدن عديدة، وخلال ذلك أشتهر بكثرة تورطه في أعمال شغب وإخلال بالنظام، وعندما التحق في العام 1958 بأكاديمية الأسطول البحري الأميركي في أنابوليس، كان من بين الذين برزوا بعلاماتهم المتدنية للغاية وبسجلهم الحافل بالنقاط والملاحظات السلبية بسبب سلوكهم وتصرفاتهم.

خلال مشاركته في حرب فيتنام أسقطت الطائرة التي كان يقودها (سكاي هوك) في أثناء إحدى الغارات على فيتنام الشمالية في العام 1968، مما أدى لإصابته بكسور خطيرة في ساقه ويده، ووقع في أسر الثوار الفيتناميين، لكنه نجا من الموت بعد علاج طويل خضع له في أحد معسكرات الأسرى هناك.

في أعقاب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في العام 1973 أطلق سراح ماكين بعد توقيعه "في لحظة ضعف ندم عليها فيما بعد" حسب قوله (وكان قد أقدم مرتين على محاولة للانتحار في أثناء فترة أسره) على إعلان مهين يقر فيه بأنه "مجرم ارتكب جرائم... الخ". عند عودته، وكان يمشي على عكازين، فوجئ كما قال حين رأى زوجته أيضاً، كارول شاف (وهي عارضة أزياء من فيلادلفيا، تزوجها قبل سنة من خروجه إلى فيتنام) وكذلك ابنه، يمشيان على عكازين، وذلك إثر تعرضهما لحادثين منفصلين، دون أن يعلم عن ذلك شيئاً في أثناء وجوده في الأسر. غير أن لم شمل العائلة لم يستمر لفترة طويلة، إذ عُيّن ماكين بعد تماثله للشفاء من جروحه، كضابط ارتباط من طرف الأسطول مع الكونغرس الأميركي، ليتاح له هناك التعرف على المؤسسة السياسية. وبحسب ما رواه بنفسه، فقد عاش في أثناء هذه الفترة مجدداً حياة شخصية صاخبة أدت إلى انهيار زواجه (حسب رواية زوجته السابقة- كارول- فقد سعى ماكين وهو في سن الأربعين للعودة إلى حياة الشباب الطائش). تجدر الإشارة هنا إلى أن شائعات قد ترددت مراراً في أثناء حملته الانتخابية الأخيرة أيضاً عن علاقاته الغرامية. بعد فترة قصيرة من طلاقه (من زوجته السابقة كارول) تزوج ماكين مجدداً، من سيندي هنسلي، وهي ابنة صاحب أحد مصانع البيرة المشهورة في فينيكس، ثم انتقل إلى أريزونا، لينصرف هناك إلى الحياة السياسية.

صقر مستقل

انتخب ماكين للكونغرس في العام 1982، وبرز منذ بداية طريقه- لا سيما فيما يتعلق بالشرق الأوسط- بتوجهاته ومواقفه المستقلة والنقدية، وبحذره فيما يتعلق باللجوء غير العقلاني للقوة العسكرية. في العام 1983 صوت ضد تمديد التفويض الذي طلبته إدارة الرئيس ريغان بالنسبة للتواجد العسكري الأميركي في لبنان (كجزء من القوة المتعددة الجنسيات)، وقد ظهرت صحة تحذيراته من الإشكاليات الكامنة في تلك المهمة وذلك في شهر تشرين الأول من نفس العام (1983) حين قتل أكثر من 240 من جنود مشاة البحرية الأميركية (المارينز) في هجوم على مقر قيادة المارينز في بيروت. مع ذلك لا بد من الإشارة إلى أن ماكين لم يعارض وقتئذٍ مبدأ استخدام القوة أو التصدي الحازم للعناصر الإرهابية، فمواقفه الأساسية في هذين البعدين متشددة جداً، ومن هنا ينبع بالذات "توجهه الإيجابي نحو التعاون الوثيق مع إسرائيل".

بعد أن أشغل فترتين عضوية مجلس النواب انتخب ماكين لعضوية مجلس الشيوخ في العام 1986. ومن بين الموضوعات التي برز فيها كسيناتور، يمكن الإشارة إلى ما يلي:

نضاله العنيد ضد الفساد وهدر الأموال على أساس "تقسيم الغنائم" بين المقاطعات الانتخابية ومجموعات المصالح المختلفة.
ناضل ماكين بصورة منهجية وثابتة من أجل إجراء إصلاحات سياسية تحد من نفوذ أصحاب رؤوس الأموال والشركات والمنظمات المتنفذة.
قاد ماكين بالتعاون مع أعضاء جمهوريين معتدلين ومجموعة من الديمقراطيين في الكونغرس مبادرات تشريعية في مجالات عدة، مثل حجم التبرعات المسموح بها للحملات الانتخابية وموضوع تعيين القضاة وغيرها.

في العام 2000 هزم ماكين أمام حملة جورج دبليو بوش الانتخابية بعد منافسة بشعة في الولايات الجنوبية، لم يتورع خلالها أعوان بوش عن ممارسة حملات تشهير قاسية صورت ماكين كـ"ليبرالي مُقَنَّع". في فترة ولاية بوش (الأولى خاصة) وجه ماكين مراراً انتقادات شديدة ولاذعة لإدارة بوش ومواقفها، ولكن مع مرور الوقت ظهر تقارب بينهما، خاصة حين تحول الرئيس بوش إلى إتباع سياسة "مركزية" أكثر. وخلال السنة الماضية وقف ماكين بشكل حازم إلى جانب الرئيس بوش في موضوعين إشكاليين للغاية من ناحية سياسية، الأول: قضية "تعزيز القوات الأميركية في العراق" وذلك من أجل تغيير الميزان الأمني والسياسي. الموضوع الثاني: إعطاء الجنسية للمهاجرين غير الشرعيين ضمن مسار مراقب ومتعدد السنوات، غير أن هذا الموضوع أحبط في نهاية المطاف في مجلس الشيوخ، لكن ماكين (كحال المرشح الديمقراطي باراك أوباما) انتهج لهجة معتدلة حيال هذه القضية، وذلك استناداً لموقف أجهزة الأمن وجهات اقتصادية أميركية، والتي تدرك مخاطر سياسة طرد المهاجرين غير الشرعيين، وتفضل تكريس الوضع القائم.

ولعل ماكين انطلق في هذا الموقف من اعتبارات انتخابية، إذ سيصب موقفه حيال قضية المهاجرين على الأرجح في تجنيد أصوات الناخبين لصالحه في انتخابات تشرين الثاني المقبل. هناك عوامل أخرى يمكن أن تخدم ماكين مثل كبر سنه، وسيرته العسكرية في حرب فيتنام، ووقوف والدته الطاعنة في السن (95 عاماً) إلى جانبه في حملته الانتخابية، إضافة إلى ما يتمتع به من روح دعابة وسلاطة لسان..

صديق حقيقي لإسرائيل

وفيما يتعلق بمواقف ماكين في قضايا الشرق الأوسط، فهو أولاً معروف منذ سنوات طوال كـ"صديق حميم لإسرائيل"، وفي هذا السياق تبرز أيضاً حقيقة أنه الوحيد من بين المرشحين للرئاسة الذي قام مؤخراً بزيارة لإسرائيل (تبعها بزيارة إلى العراق)، بالإضافة إلى ذلك يبرز ماكين بمواقفه الحازمة والمتشددة حيال إيران وهو يؤكد مراراً على "وحدة المصالح في مواجهة إيران"، وهو أيضاً صاحب المقولة الصريحة إزاء البرنامج النووي الإيراني "كل الخيارات سيئة. لكن أسوأها هو عدم القيام بشيء".

__________________________________

* الكاتب كولونيل احتياط في الاستخبارات وخبير في السياسة الدولية والعلاقات الأميركية- الإسرائيلية ويعمل مديراً لمكتب إسرائيل والشرق الأوسط في المجلس اليهودي الأميركي. المقال ترجمة خاصة بـ "المشهد الإسرائيلي". (المصدر- شبكة الانترنت).