أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، في الأسبوع الماضي، عن استقالته من رئاسة الحكومة في المستقبل القريب.

وفي ما يلي نستعرض محطات مركزية في حياة أولمرت السياسية، مع الإشارة إلى أن تواريخ البدايات السياسية ارتكزت على جدول نشرته صحيفة "هآرتس" قبل بضعة أيام.

ولد إيهود أولمرت في القدس في 30 أيلول من العام 1945 في مستوطنة صهيونية في فلسطين.

ومنذ سنوات شبابه الأولى انخرط في صفوف حركة "حيروت" اليمينية المتشددة بزعامة مناحيم بيغن. وفي العام 1966، وحين كان ابن 21 عاما، شارك في مؤتمر لحزب "حيروت" ودعا إلى إقالة بيغن من منصبه كرئيس للحركة، بعد خسارتها في الانتخابات البرلمانية قبل عام، حينها هاجمه الأعضاء الحاضرون، إلا أن بيغن دافع عنه وطلب مواصلة كلمته.

وخلال دراسته الحقوق في الجامعة العبرية في القدس في العام 1968، أصبح مساعدا برلمانيا لواحد من أكثر أعضاء الكنيست تطرفا، اليميني شموئيل تامير.

وفي مطلع العام 1974 أصبح أولمرت لأول مرّة عضو كنيست، عن حزب الليكود، المتبلور حديثا في ذلك العام بمبادرة الجنرال احتياط في حينه، أريئيل شارون، وواصل عضويته البرلمانية حتى يومنا هذا، باستثناء دورة واحدة، كان خلالها رئيسا لبلدية القدس.

في العام 1976 خاض معركة إعلامية ضد الجريمة المنظمة، إلى جانب يوسي سريد (النائب والوزير لاحقا) من خلال سلسلة مقالات نشرها الاثنان في صحيفة "هآرتس"، وكان من خلال هذه المقالات يكشف عن أسماء رجال أعمال، وحتى أنه ألمح إلى أن الجنرال احتياط (الوزير العنصري المتطرف لاحقا) رحبعام زئيفي على علاقة بقادة الإجرام المنظم.

وفي العام 1981 أيد خطة وزير الدفاع في حينه، موشيه ديان، لإقامة حكم ذاتي في الضفة الغربية، في إطار اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، وهذا على الرغم من معارضة حزب "الليكود" الحاكم في حينه.

وعلى المستوى البرلماني بقي أولمرت عضو كنيست في الظل. وفقط بعد 16 عاما من عضويته البرلمانية أصبح وزيرا من دون حقيبة في حكومة إسحق شامير، ثم أصبح وزيرا للصحة في نفس الحكومة، بعد انسحاب حزب "العمل" منها.

ونشير هنا، إلى أنه على الرغم من التقدم السياسي لأولمرت، إلا أنه كان وحيدا سياسيا في بيته، فهو متزوج من عليزا، ذات التوجهات اليسارية، الأقرب إلى حركة ميرتس، وتؤيد حلا دائما قائما على انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967، وبحسب تقارير صحافية، فإن المرّة الأولى التي حظي فيها أولمرت بتأييد زوجته في الانتخابات كانت في الانتخابات الأخيرة، كما أن الأبناء الأربعة للزوجين كانوا في صف الأم سياسيا.

وكان أولمرت من المعارضين لاتفاقيات أوسلو وهو في صفوف المعارضة لحكومة إسحق رابين التي تولت مهامها في العام 1992.

إلا أن أولمرت نجح في العام 1993 في كسر احتكار حزب "العمل" لرئاسة بلدية القدس، حين أقصى عن رئاسة البلدية تيدي كوليك، الذي تولى رئاسة البلدية منذ ما قبل العام 1967.

ومن خلال رئاسته للبلدية نشط بشكل مكثف في مضاعفة الاستيطان أضعاف حجمه الذي كان حتى توليه رئاسة البلدية، وكان من الضاغطين على رئيس الحكومة في العام 1997 من أجل استيطان جبل أبو غنيم، حيث تجثم مستوطنة "هار حوما"، التي يوجد فيها حاليا أكثر من خمسة آلاف بيت استيطاني.

كذلك فإنه كان من الضاغطين من أجل افتتاح النفق المؤدي إلى حائط البراق والذي أدى افتتاحه إلى أول مواجهة مسلحة بين جيش الاحتلال وقوات الأمن الفلسطينية، واستمرت لعدة أيام، وحصدت أرواح أكثر من 80 فلسطينيا، كما قتل حوالي 15 من جنود الاحتلال، وأدى الأمر إلى حملة استنكار واحتجاج في العالم.

واستمر أولمرت في نهجه هذا في بلدية القدس، إلى درجة أن قسما من المشاريع الاستيطانية التي يتم إقرارها في هذه المرحلة في القدس المحتلة، وضع أولمرت التخطيط لها قبل العام 2003.

وفي العام 1998 فاز أولمرت لولاية ثانية برئاسة بلدية القدس، واضطر للاستقالة من عضوية الكنيست بسبب القانون الجديد في حينه، الذي يمنع عضو الكنيست من تولي منصبين لمنتخبي جمهور، والعمل في عمل آخر عدا عضويته البرلمانية.

وفي العام 1999 خاض الانتخابات لرئاسة حزب الليكود بعد هزيمة الحزب برئاسة بنيامين نتنياهو، وحصل في تلك الانتخابات على 24% من الأصوات، في مقابل فوز أريئيل شارون برئاسة الحزب لأول مرة.

وفي العام 2000 استثمر علاقاته الخاصة مع الزعيم الروحي لحركة "شاس"، الحاخام عوفاديا يوسيف، من أجل إقناعه بانسحاب كتلة حركته من حكومة إيهود باراك، زعيم حزب "العمل"، في أعقاب محادثات "كامب ديفيد" في ذلك العام بين باراك، والرئيس الراحل ياسر عرفات.

وفي العام 2003 قرر العودة إلى الكنيست، وحصل على المرتبة 33 في قائمة حزب الليكود الذي فاز في مطلع ذلك العام بزعامة شارون بثمانية وثلاثين مقعدا، وقرر التخلي عن منصبه كرئيس لبلدية القدس، وانتقلت الرئاسة للقائم بأعماله، أوري لوبليانسكي، وهو من المتدينين الحريديم، ليكون أول رئيس بلدية من الحريديم، ونجح هذا أيضا بالفوز برئاسة البلدية في انتخابات نهاية العام ذاته.

قفزة في المكانة والعمل السياسي

بعد انتخابات العام 2003، ومع تشكيل حكومة أريئيل شارون الثانية، وجد أولمرت نفسه من أكثر المقربين لشارون، ورغم مكانته (33) في قائمة الليكود، إلا أن شارون أراده إلى جانبه، لكن لم يكن في وسع شارون سوى إسناد وزارة الصناعة والتجارة والعمل له، رغم أن طموح أولمرت كانت باتجاه وزارة المالية التي حصل عليها بنيامين نتنياهو، ولذا قرر شارون تعويضه بأن زاد من صلاحيات وزارته، وعينه قائما بأعمال رئيس الحكومة.

وأصبح التقارب بين شارون وأولمرت وثيقا أكثر بعد الشرخ الذي حصل في كتلة الحزب البرلمانية في أعقاب إعلان شارون عن خطة فك الارتباط عن قطاع غزة، التي تمثلت بإخلاء مستوطناته ومحاصرته من الخارج، مقابل تكثيف الاستيطان في الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية المحتلة.

وكان أولمرت في تلك الأيام، والى جانبه الوزيرة (في حقائب متقلبة) في حينه، تسيبي ليفني، رأس حربة في الدفاع عن شارون ومشروعه، لينضم إليهما وزراء وأعضاء كنيست بارزون من الليكود.

وبعد سقوط شارون لأول مرّة على فراش المرض في كانون الأول من العام 2005، بعد أيام من إعلانه عن إقامة حزب "كديما"، وعودة شارون لمزاولة عمله لبضعة أيام، بدأ الحديث عن وريث شارون في حال استفحلت أزمته الصحية، وتوجهت الأنظار إلى أولمرت وليفني، لكن الحسم كان لصالح أولمرت على أن تكون لينفي النائبة الأولى له.

وبالفعل فقد تحققت التوقعات في منتصف ليلة الرابع/ الخامس من كانون الثاني من العام 2006، وسقط شارون على فراش المرض في غيبوبة ما تزال حتى يومنا هذا، واجتمع أقطاب حزب "كديما" الذي لم يمر على إنشائه 45 يوما، ليتفقوا أنهم يقفون جميعا على سجادة واحدة، ويواجهون نفس المصير السياسي، فاتفقوا على "تتويج" أولمرت خلفا لشارون، على أن تكون ليفني القائمة بأعماله، وهذا ما كان حتى الانتخابات البرلمانية التي جرت في الثامن والعشرين من آذار/ مارس نفس العام، وأيضا ما كان في حكومة أولمرت المنتخبة.

ولكن أولمرت الذي أصبح زعيما في ظروف غير عادية، لم ينجح في كسب قناعة الجمهور، "وما زاد الطين بلة"، أنه لدى تشكيل حكومته وجد أمامه زعيم الحزب الثاني "العمل"، عمير بيرتس، الذي أصبح هو أيضا زعيما لحزبه في ظروف غريبة ولم يكسب هو الآخر بسبب قناعة الجمهور به.

من هنا بدأت عملية الغوص في الوحل، ولم يجد أولمرت سوى أن يعين النقابي عمير بيرتس وزيرا للدفاع، وهو التعيين الذي واجه حملة رفض واسعة في وسائل الإعلام، لتبلور رأي عام رافض لهما، وليسقط الثنائي أولمرت وبيرتس "عديما الخبرة" بمنظور إسرائيلي، في أول محاولة لإطلاق سراح الجندي الأسير في قطاع غزة غلعاد شاليت، في إطار عملية عسكرية واسعة انطلقت في الأيام الأخيرة من شهر حزيران/ يونيو في ذلك العام.

وبعد أقل من ثلاثة أسابيع على تلك العملية، وقع جنديان آخران في أسر حزب الله، فقرر أولمرت وحكومته شن حرب واسعة النطاق على لبنان لم ينجح الجيش فيها في تحقيق الأهداف الأولى التي تم وضعها وهي إطلاق سراح الجنديين، لتكون حرب إخفاقات قادت إلى ضجة كبيرة في إسرائيل.

دون الخوض في التفاصيل وسرد التاريخ، فإن المطالبة باستقالة أولمرت بدأت بعد شهر من تلك الحرب، إلا أن أولمرت اجتاز أصعب الامتحانات، وكان آخرها تقرير فينوغراد النهائي في شهر آذار الماضي.

وطوال عامين منذ توليه رئاسة الحكومة انهالت على أولمرت شبهات الفساد، بدءا من حصوله على أقلام حبر فاخرة وباهظة الثمن كهدايا غير معلنة، مرورا بشراء بيت بثمن يشتم منه رشوى، وتعيينات سياسية في وزارة الصناعة والتجارة سابقا، ومحاولة التدخل في عطاء لخصخصة بنك ليئومي لصالح صديقه، حتى الوصول إلى أكبر شبهة وهي حصوله على أموال غير مشروعة من رجل الأعمال الأميركي اليهودي موريس تالانسكي، المختص بجمع تبرعات لسياسيين لتمويل حملاتهم الانتخابية، وهي الضربة القاضية التي قادت إلى إعلان استقالته المستقبلية.

العملية السياسية

منذ حوالي 16 شهرا، حاول أولمرت أن يصرف الأنظار عنه من خلال استئناف العملية السياسية مع الجانب الفلسطيني، ولكن المفاوضات لم تعلن حتى الآن عن أي تقدم ملموس، وفي المقابل فإنه واصل تطبيق مخططاته الاستيطانية الخطرة في القدس المحتلة.

وفي الأشهر القليلة الماضية تم استئناف الاتصالات مع سورية، وتجري الآن مفاوضات غير مباشرة بين البلدين، لكن من المشكوك فيه جدا أن ينجح أولمرت في تحقيق أي شيء على الصعيد السياسي في الأشهر القليلة المتبقية له على كرسي رئاسة الحكومة.