تتصاعد، في الآونة الأخيرة، "صرخة الأدباء" في إسرائيل بشأن ما هو جارٍ في الساحة السياسية، وبالأخص على أثر نشر التقرير النهائي للجنة فينوغراد، التي تقصّت وقائع حرب لبنان في صيف 2006، والتطورات المتعلقة بقطاع غزة وإطلاق الصواريخ منه والسياسة التي يتعين على إسرائيل أن تتبعها، بدءًا من تشديد الحصار السياسي والاقتصادي وانتهاء بشنّ عملية عسكرية برية واسعة النطاق.

ويتصدّر هذه الصرخة، على وجه التحديد، ثلاثة من أبرز الأدباء الإسرائيليين.

فقد واصل دافيد غروسمان [كان نجله في عداد قتلى العملية البرية خلال الساعات الاثنتين والسبعين الأخيرة لحرب لبنان الثانية] التجوهر في ضرورة أن تقف إسرائيل في قبالة المرآة، وتتساءل عما فعلته بنفسها قبل أن تسأل عما يفعله الآخرون بها؟.

ونظرًا لأهمية هذا المنحى، الذي يتضاءل باستمرار في الممارسة الثقافية الإسرائيلية، نورد بإيجاز ما قاله الكاتب في هذا الشأن ("يديعوت أحرونوت"، 8 شباط 2008):

- إن الإسرائيليين لم يخرجوا من حرب لبنان بسلام إلى الآن، لأنهم لم يتجرأوا بعد على أن يتمعنوا، بعيون فاحصة، في الدلالات العميقة والمرعبة لتلك الحرب.

- صحيح أن الهلع على وجودنا يرافقنا على الدوام، لكن من الجائز أننا لا نتفحصه جيدًا بسبب ما ينطوي عليه من تهديد كبير لنا. ومن الجائز أيضًا أننا لهذا السبب لا نُقدم على اتخاذ الخطوات المطلوبة من أجل درء هذا التهديد. وليس المقصود هنا الخطوات العسكرية فقط (التي فشلنا حتى فيها)، وإنما التغيير الشامل والعميق على مستوى الوعي، والذي يعتبر مسلكًا مطلوبًا من الذي يصر على أن يمنع فعلاً خطرًا وجوديًا من هذا القبيل.

- تملك إسرائيل قدرات كبيرة ومحترمة، فماذا شاهدنا في إبان [تلك] الحرب؟ لقد بدونا أشبه بعملاق أعمى يضرب بذراعيه في كل اتجاه بينما تنهش مخلوقات أصغر وأضعف منه أنحاء جسده، فيؤدي ذلك إلى سفك دمه واستنزافه، إلى درجة يبدو معها أنه على وشك السقوط.

- إن هذا الأمر لم يبدأ بإيهود أولمرت ولا بالحرب الأخيرة، على الرغم من أن سلوك رئيس الحكومة ساهم فيه كثيرًا. منذ بضعة أعوام ونحن في خضم مماحكات داخلية، إلى درجة فقدنا معها القدرة على رؤية الصورة العامة، والقدرة على رؤية مصلحتنا كشعب ومجتمع. يبدو أنه بعد مرور أكثر من مئة عام على النزاعات العسكرية والسياسية المستمرة، وعلى الحروب والعمليات العسكرية، أصبح الشك والكراهية، اللذان اعتدنا على أن نتعامل بهما إزاء العدو، جزءًا من شكل تفكيرنا وسلوكنا شبه الأوتوماتيكي إزاء كل الذي يختلف عنا ولو قليلاً، حتى لو لم يكن عدوًا حقيقيًا، وحتى لو كان واحدًا من "أفراد الأسرة"، بالمفهوم الأوسع للكلمة.

- بناء على ذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو ليس ما إذا كان في إمكان أولمرت أن يبقى في منصبه، بعد أن وفرت له لجنة فينوغراد ذريعة البقاء فيه، وإنما هل هو الشخص الذي في إمكانه أن يحرك عملية شفائنا من هذه الموبقات والآفات؟. أعتقد أنه ليس في إمكان المجتمع الإسرائيلي أن يشفى من كل ذلك ما دام أولمرت زعيمه وقائد مسيرته.

وعاد أ. ب. يهوشواع (في سياق مقابلة مطولة أدلى بها لملحق صحيفة "هآرتس" الأسبوعي، 15 شباط 2008) إلى تفوهاته العنصرية الاستعلائية ضد الفلسطينيين الذين تعوزهم، وفقما يقول، شيفرة أخلاقية على مقاسه تدفعهم إلى "بناء غزة بعد أن انسحبت إسرائيل منها، بدلاً من إطلاق الصواريخ علينا"!.

أمّا عاموس عوز فقد حذّر ("يديعوت أحرونوت"، 13 شباط 2008) من التوغل في غزة، بعد أن اعتبر ذلك "فخًّا تنصبه حركة حماس لإسرائيل"، لأن من شأن أي توغل إسرائيلي أن يوقع ضحايا أكبر كثيرًا من عدد ضحايا صواريخ القسام على مدار سبعة أعوام. ولأن احتلال غزة لن يضع، بصورة حتمية، حدًا لإطلاق الصواريخ على سديروت والبلدات المحيطة بها. كما أن غزو غزة سيوحد الفلسطينيين والعالمين العربي والإسلامي من حول "حماس".

ورأى عوز- وهنا بيت القصيد- أنّ جذر المشكلة في غزة كامن في أن هناك مئات الآلاف من البشر يكابدون في مخيمات اللاجئين، التي تعتبر دفيئات للفقر واليأس والجهل والعصبية الدينية والقومية والكراهية والعنف. وبالمنظور التاريخي لا يوجد حل لمشكلة غزة إذا لم يتوفر لهؤلاء البشر أفق من الأمل.

ليست هذه هي أول مرة يكون فيها حديث عاموس عوز عن اللاجئين الفلسطينيين في غزة، باعتبارهم "مشكلة إنسانية"، تستوجب "حلاً ينطوي على أفق من الأمل الإنساني"، طريقًا مرغوبًا للنأي عن أخذ الاستحقاقات السياسية المترتبة على الحقوق العادلة للشعب العربي الفلسطيني في اعتبارات التسوية. فهو ما فتئ يؤكد منذ سنة 2002 أن هذه المشكلة تعتبر "معضلة الأمن القومي الإسرائيلي".

وللمعلومية فقط فإن هناك قاسمًا مشتركًا يجمع بين عوز وبين اليمين الإسرائيلي المتطرف في هذا الشأن. والدليل على ذلك، من الفترة القليلة الفائتة فحسب، هو ما يعرف بـ"المبادرة الإسرائيلية"، والتي عرضها عضو الكنيست الحاليّ والوزير السابق بيني ألون، رئيس حزب "الاتحاد الوطني- المفدال"، في تشرين الأول 2007، باعتبارها "خطة إسرائيلية للسلام وتأهيل اللاجئين الفلسطينيين".

هل بالإمكان القول في ضوء ذلك، إن هناك إجماعًا إسرائيليًا سواء من "اليسار" أو اليمين على ضرورة إيجاد حل "إنسانيّ" لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين؟.

إن الجواب هو نعم، لكن بقدر ما إن هذا الحل يكون مقرونًا بعدم التأدية إلى إحقاق الحقوق الفلسطينية العادلة، وبالأساس حق العودة.

وإذا ما انتقلنا إلى إطار "اليسار الإسرائيلي" تجدر الإشارة إلى أنه سبق لرئيس حزب "ميرتس"، يوسي بيلين، والذي يعتبر أحد أبرز رموز "اليسار الصهيوني" المؤيد للتسوية النهائية مع الشعب الفلسطيني، أن طالب في سنة 2002 بأن تنتقل المفاوضات السياسية بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني من التمحور حول "حق العودة" إلى التمحور حول "مشكلة اللاجئين".

ولا يخفى على أحد أن الهدف من وراء مطالبة بيلين هذه، كما من أمثولة عاموس عوز وسواه، هو سياسي أرعن أولاً وقبل أي شيء، ويعكس الإصرار الإسرائيلي على رفض الاعتراف بأن للفلسطينيين حقًا في وطنهم، الذي اغتصب ولا يزال يُغتصب.