ليس هو الصوت الأول أو الوحيد الشجاع الذي نظر إلى المجتمع وعقيدته السياسية نظرة نقدية تعيد النظر بأساليبه في الحكم وعلاقاته مع العالم المحيط به خصوصا جاره الشعب الفلسطيني، بل هو صوت ضمن أصوات إسرائيلية مفكرة تستشرف الآفاق بإنسانية أرحب وبيهودية أكثر نزاهة وانعتاقا من عقيدة الصهيونية الضيقة.

أبراهام بورغ صوت ينبغي للإسرائيليين الاحتفاء به أكثر من الفلسطينيين والعرب كونه صوتا إنما انطلق بشكل أصيل من المجتمع الإسرائيلي (رئيس سابق للوكالة اليهودية، رئيس سابق للبرلمان) منتصرا لليهودية الإنسانية وللمجتمع المدني البشري ليخلص الإسرائيليين من أوهام الصهيونية التي لم تعد تأتي للإسرائيليين بعد هذا البناء والإبداع إلا بالمزيد من الأمراض والخوف.

لذلك ورغم سروري بأفكاره النقدية للصهيونية كفلسطيني يعاني من آثارها التي لم ينطلق الاحتلال والنفي والإلغاء والحصر إلا منها، فإنني واحتراما للرجل ورؤيته الشاملة للأمور وعدم التركيز على الصراع العربي الإسرائيلي فإنه من الصعب علي أن أكتب عن الرجل من منظوري كفلسطيني، وإن كان مهما أن يتناول كتاب آخرون أفكار بورغ من المنظور الفلسطيني والعربي.

في بداية هذا الصيف الحار الذي انطلقت فيه أفكار بورغ الحارة التي استفز بها النخبة الإسرائيلية قبل غيرها من النخب المثقفة والحاكمة في المنطقة، أمكنني زيارة المجتمع الإسرائيلي، حيث التقيت أثناء مروري وإقامتي القصيرة بالعديد من المواطنين الإسرائيليين، حيث دارت بيننا في كل لقاء قصير أحاديث في السياسة، كان فيها الإسرائيليون على سجيتهم وصراحتهم، وإنني إذ كنت مهتما بما ذكره بورغ عن المجتمع والعقيدة كنت أرى آثار الفكر الإسرائيلي على لغة من تحدثت معهم، وكنت أرى فيهم عينة تمثل إلى حدّ ما هذا المجتمع الذي يعيش فيه أبراهام بورغ، فكانت آراء المواطنين الإسرائيليين بالنسبة إلي خلفية إنسانية اجتماعية لما يقوله بورغ.

أخذت أقيس ما أسمعه من آراء لهؤلاء الناس مع موقف الحكومة الإسرائيلية المعلن والممارس على أرض الواقع، وفي الوقت نفسه أعيد تأمل آراء بورغ في المجتمع الإسرائيلي وعقيدة النظام الحاكم على وجه التحديد.

هل نبدأ بما قاله لي الإسرائيليون؟ أم بما قاله بورغ؟

أحمل قصاصات ورقية فيها اقتباسات لأقوال أبراهام بورغ وأسير في شوارع تل أبيب وحيفا استمع للناس وأراقب عيشهم وعلاقاتهم ببعضهم البعض، فأرى أن المجتمع الإسرائيلي هو كباقي المجتمعات حتى يتكلم فيتغير الحال! وحينما يعرف أنك عربي أو فلسطيني فإنه يجتهد كثيرا ليشعرك باللاخوف والعادية، فيؤكد بهذه المبالغة الحذرة خوفه منك كفرد!

أبراهام بورغ شجعنا في النظرة واكتشاف الذات الإسرائيلية:

اختار سائق التاكسي حادثة الانقلاب في غزة ليؤكد من خلالها على وجهة نظره التي لا تبعد كثيرا عن موقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فحكم أنه لا يمكن العيش مع الفلسطينيين، فإذا كانوا يقتلون أنفسهم فماذا إذن سيفعلون بنا؟ دعهم هناك في غزة لا ينبغي لإسرائيل أن تحضرهم هنا أبدا، ويقصد اللاجئين، وإذا أصروا على العودة فإن إسرائيل دولة قوية قادرة على صدهم، لا نريد أي فلسطيني!

فوجئت أيضا ليس برفضه حق العودة مثلا، بل إنه أي السائق والذي هو ضابط احتياط صب جام غضبه على اسحق رابين شاتما إياه لأنه وثق بالفلسطينيين، وحينما قلت له إن رابين عمل اتفاقية سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، فكان لا بدّ من بعض الحقوق، أكد على رفضه لوجود الفلسطينيين في إسرائيل، رغم أن رابين لم يعد اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل.

أقرأ في قصاصاتي ما قاله بورغ "إن تعريف دولة إسرائيل على أنها دولة يهودية مفتاح نهايتها، الدولة اليهودية شيء قابل للانفجار..إسرائيل غيتو صهيوني واستعماري ومؤمن بالقوة مؤمن بنفسه فقط.." فأجد أن الكلام منطبق بشكل دقيق على فكر المجتمع الإسرائيلي، الذي لا يطيق غيره حتى ولو كان له حق شرعي بالوجود هنا، وهو يضمن عدم هذا الوجود بالقوة؛ قال السائق التل أبيبي "أنا مع السلام، لكن بشرط عدم رجوع أي فلسطيني، وإذا أصر الفلسطينيون على العودة فسنقاومهم بالحرب، أنا لا أحب الحرب، لكن إذا ضغطنا سنستخدم القوة العسكرية".

قال ذلك بثقة وغرور وحسم.

إذن هذا هو نتاج الفكر الصهيوني، فلا غرابة أن يرفضنا السائق الإسرائيلي، ولا غرابة أن يهددنا بقوة السلاح!

في طريقنا من عكا إلى حيفا في الحافلة كنت أتحدث بالعربية مع عربي مثلي، فأشار لي بعد أن رأى عدم راحة إسرائيليين يجلسون معنا، أن أسكت، ففهمت دوافعه، قلت له مداعبا إن الإسرائيليين متحضرون مثل الغربيين لا يحبون الحديث في الأتوبيس!

لكن الحقيقة رغم أنهم كذلك فهم لا يرتاحون لوجود عرب بينهم، قلت له وما أدراهم أننا من فلسطينيي الضفة فلربما يظنوننا من فلسطينيي حيفا وعكا؟

ربما فهمت أنهم غير سعيدين بعيشنا بينهم، وإذا عشنا يجب أن نكون مواطنين من الدرجة الثالثة بدون حقوق وبدون آراء!

كما لاحظت أنهم هم أنفسهم لا يقيمون علاقات قوية ما بينهم، كل فرد مستغرق في همومه طالبا الخلاص الفردي في تأمين حاجاته ملقيا على الدولة وأجهزتها وظيفة الحماية.

السائق التل أبيبي اهتم بالعمل وتأمين حاجات العيش، فها هو يشتم الحكومة والوزراء، ويقول "إنهم لا يفكرون بنا ولا يأخذون برأينا، نحن نريد السلام والعمل والشغل.. الحياة غالية ونحتاج أموالا كثيرة..". هل هو اتهام بديكتاتورية السلطة الحاكمة مثلا؟

لاحظت شعور النفور منا لديهم في أكثر من مكان حتى على شاطئ حيفا الذي أردت أن أكون فيه إنسانا عاديا من لحم ومن دم، وجدت أن نظرات الإسرائيليين تعيدني إلى لاعاديتي المفترضة لديهم كوني عربيا أو فلسطينيا، لا ثقة بي ولا بأصحابي، مجرد مجاملة لضيف ثقيل، فرغم أن بحر حيفا كان كبيرا إلا أنني وجدته بي يضيق!

"الاحتلال جزء صغير جدا من القضية، إسرائيل مجتمع خائف، من أجل البحث عن مصدر وسواس القوة واقتلاعه يجب علاج المخاوف..."- هذا ما يقوله بورغ، فعلا ما يحيرني هو أنه رغم كل أجهزة الأمن، ورغم الأكثرية إلا أن ثمة إدمانا على الخوف والحذر!

لذلك حين وضحت لصاحبيّ ما أفكر به لم يندهشا من عبارتي التي أشفقت فيها على الإسرائيليين: مساكين الإسرائيليين إنهم يموتون من الخوف بدون داع!

وحده المواطن الذي جلس في المقعد الأخير بجانب صاحبي الذي لم ألاحظ خوفه، وهو شاب عشريني ذو شعر طويل يستمع للموسيقى والغناء من خلال "ووكمان"، عرض على صاحبي الاستماع للأغاني، فاستمتعت أنا ليس بصوت المغنية التي لم أسمعها بل بعدم خوف الشاب، فهل كان غير خائف أم أنه أراد إذهاب خوفه من خلال الاتصال بمن يجلس قربه، أو حتى التعرف إليه؟

يتابع أبراهام بورغ أفكاره:

"إحساس كبير بالمهانة القومية، وإحساس برفض العالم، وهزائم لا تفسير لها في الحروب، وكان من نتيجة ذلك مركزية الإيمان بالقوة في الهوية. مكانة ضباط الاحتياط في المجتمع، وكمية المواطنين المسلحين في إسرائيل في الشارع.."

وأنا أتابع مشاهداتي: في كل مكان رجال أمن ونساء أمن، على باب الحافلات وعلى مداخل السوبر ماركتات، تفتيش للكل، رغم هذه الأغلبية الواضحة وكل إجراءات الاحتلال التي تقيد وتحدد عدد الفلسطينيين العابرين إلى المجتمع الإسرائيلي...

كانت تل أبيب هادئة ذلك الصباح، اقتتال الأخوة في غزة، ولا فلسطيني مهتم بهجوم، لكن ذلك لم يخفف من إجراءات الأمن، والنظرات الفاحصة المدربة.

صحيح أن زيارتي هي سريعة وعلى الهامش، لكنني أحس بأن وضع العرب هناك صعب، حتى في حيفا التي هي مدينة مختلطة مميزة بعلاقات طيبة بين اليهود والعرب، لكن مع الاطلاع على الوثائق الإسرائيلية التي ترى في فلسطينيي عام 1948 خطرا على إسرائيل، لم أسمع من العرب شيئا مباشرا ولم أستفسر منهم حتى لا أحرجهم، لكنني قرأت في عيونهم القلق والارتباك، وشعرت أنهم لا يعيشون في صلب المجتمع وغير مندمجين فيه رغم طلاقة التحدث بالعبرية، بل شعرت أنهم يعانون من عدم تقبل الإسرائيليين لهم بعد كل هذه السنوات ال59!

ولأننا نقرأ عن واقع الفلسطينيين هناك أكثر مما نسمع منهم، ونعرف ما يعانون من تفرقة وعنصرية، ولأن أبراهام بورغ الإسرائيلي المفكر يرى أكثر مما نرى وزيادة، ويقرأ ويطلع وله خبرة طويلة كسياسي إسرائيلي أصيل فإنه يدرك سوء الحال الذي يجد الفلسطينيون أنفسهم فيه، وهذا بالطبع بعيد عن مسألة احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية عام 1967 فإنه لا يستغرب تصرفات نظام الحكم الإسرائيلي ضد الأقلية العربية التي سيصل الحال معها إن استمرت إسرائيل في هكذا سياسة عنصرية إلى سن قوانين غريبة تثير السخرية، أو كما يقول بورغ:

"أنا أؤمن وأحس بالأشياء بأن هناك احتمالا لا يستهان به لأن تحظر كنيست إسرائيل في المستقبل العلاقات الجنسية بالعرب، وأن تمنع بوسائل إدارية عن العرب تشغيل مساعدات بيوت ...".

كل هذا الخوف وهذه العبثية في النظرة للآخر والخوف حكمت المجتمع الإسرائيلي على نحو عسكرة المجتمع والإعداد العسكري المستمر لضمان التفوق على الطرف الآخر، لكن رغم ذلك لم يتحقق السلام النفسي للمواطن الإسرائيلي بل تعمقت حال الخوف والقلق والعنصرية، إذن لماذا تواصل إسرائيل التسلح ما دامت أخفقت طوال سنوات الاحتلال في ضمان الأمن والأمان؟

بل ما قيمة القنابل والرؤوس النووية التي لا تجعل راكبا في أتوبيس أو سابحا في البحر أو مارا في الشارع لا يخاف؟

ومن سيضمن أمن الدولة الآن ومستقبلا؟ لا بد أن بورغ يقصد السلام الحقيقي المبني على العدل، حين يطالب بحل القوة النووية الإسرائيلية، فالسلام فقط هو ما سيجعل المجتمع الإسرائيلي مجتمعا مطمئنا لا شيئا آخر:

"بالتأكيد سيكون حل القنبلة (النووية) أهم يوم في حياة دولة إسرائيل، سيكون هذا اليوم هو اليوم الذي نحرز فيه صفقة حسنة جدا مع الجانب الثاني بحيث لا نحتاج إلى قنبلة..".

جميل أن يستنتج مفكر وسياسي عريق هذا الاستنتاج الإنساني الذي يؤكد أن طلب إسرائيل الأمان والنقاء اليهودي معا هما أمر يصعب تحقيقه في أرض (فلسطين الانتدابية التاريخية) فيها من العرب ما يوازي اليهود.

فمن يخلص إسرائيل من عنصريتها وصهيونيتها؟

حين يرى أكثر من نصف المجتمع الإسرائيلي 55% في استطلاع للرأي أجراه معهد الديمقراطية نشر في 15/6/2007 أن العرب لن يصلوا أبدا الى مستوى اليهود الحضاري، فإن دلالة ذلك أمر جد خطير، وهو أخطر على الإنسان الإسرائيلي قبل أي إنسان آخر، فلسطيني وغيره.

79% اعترفوا أن وضع إسرائيل يقلقهم..

70% يرون أن السياسيين لا يأخذون رأي المواطن بالحسبان عند اتخاذ قراراتهم، ويعتقد 68% أن صناع القرار يأخذون بالحسبان مصالحهم الشخصية أكثر من كل شيء..

75% يرون أن ثمة فسادا بمستوى عال في المجتمع الإسرائيلي وقيادته.

تذكرت وأنا أقرأ في النسبة الأخيرة الرجل التل أبيبي الذي لم يكف عن شتم الحكومة والوزراء الذين لا يأخذون رأيه وأنهم فقط يفكرون بأنفسهم.

هذا هو نتاج الفكر العنصري الذي لن يقتصر فساده وأذاه على الشعب تحت الاحتلال، بل سيتجاوز ذلك إلى الشعب الإسرائيلي الذي تقوم حكوماته بالاحتلال باسمه.

هو صوت ينتصر لمجتمعه أولا، فرغم أنه لم يقدم للفلسطينيين شيئا فهو صوت جدير بالمتابعة كونه صوتا ينطلق من الداخل الإسرائيلي يكشف عورة النظام الحاكم وعورة الفكر العنصري الذي برأيه ليس بعيدا عن فكر هتلر‍.

مشكلة إسرائيل أنها تريد السلام والأرض معا، تتعامل مع الناس هنا أكانوا في داخل إسرائيل أو داخل الضفة (الإسرائيليون زاهدون بغزة) مجرد جماعات من السكان لا يحتاجون كيانا سياسيا او ثقافيا خاصا بهم؛ قال لي إسرائيلي يعمل في مجال السياحة إن أصدقاءه العرب ربما أكثر من اليهود، يتحدث العربية بطلاقة، ويؤيد السلام، لكن يرى أن نتنياهو كان خير رئيس وزراء، فالسلام عنده - دون أن يصرّح بذلك- أن نعيش معهم دون إزعاج: نعمل ونتنقل ونمارس حياتنا العادية بعيدا عن الهوية والكيان والحديث عن تاريخ الصراع ومتطلبات السلام الحقيقية!

هو إذن اندماج لكن على حساب القومية الفلسطينية!

اندماج إسرائيل في فكر أبراهام بورغ في المنطقة هو اندماج طبيعي ليس على أية قومية، لكنه لم يوضح ذلك، أو ربما نحن بحاجة لقراءة كتابه كله حتى نفهم بالضبط ما يفكر به!

لكنني لا أظنه عنصريا في منطلقات فكره عن الاندماج.

من أجل ذلك يركز بورغ على مبدأ أن الرابح لا يعني خسارة الآخر كما جاء في مقاله في "المشهد الإسرائيلي" العدد قبل الأخير162، 26/6/2007 "... أريد النصر، ولكنك لست مضطرا لأن تخسر وتعاني بسبب انتصاري، نعم يمكن خلق وضع يربح فيه الطرفان، ينتصران فيه، ويفرحان للنتيجة. نعيش كلانا ولا يرغب طرف في قتل الطرف الآخر...".

وبعد ليتأمل الجميع اليهود والإسرائيليون على أطيافهم الحزبية والدينية في عبارة بورغ "قامت دولة إسرائيل كملجأ آمن للشعب اليهودي، وهي اليوم المكان الأقل أمنا للجماعة اليهودية الذي يمكن العيش فيه"!

جاء بعد عقود يهودي إسرائيل يدحض فكرة نظرية الردع التي على أساسها أسس بن غوريون أبو القنبلة النووية السلاح النووي!

القضية أبسط ولا تحتاج غير حسن النوايا، والبلاد تتسع لكل هؤلاء الفلسطينيين واليهود وغيرهم من الزوار!

فهل يكون أبراهام بورغ في كتابه "الانتصار على هتلر" واحدا من أهم مخلّصي مستقبل الإسرائيليين اليهود على هذه الأرض؟

لقد قضى بورغ عقودا حتى وصل إلى هذه القناعات، فهل سنجد من الأبناء والأحفاد اليهود من سيبدأ من حيث ما انتهى إليه بورغ من حكمة السلام وسلام الحكمة!؟


(القدس)