حكومة أريئيل شارون – مهلة نصف سنة على الأقل !

برأ المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، ميني مزوز، الثلاثاء 15/6، رئيس الوزراء الاسرائيلي، أريئيل شارون، من شبهات بتلقي رشوة و"خيانة الثقة" في قضية "الجزيرة اليونانية"، رافضاً توصية المدعية العامة السابقة عيدنا أربيل بتقديمه إلى المحاكمة، وذلك بسبب "عدم توافر أدلة كافية" تدينه، برأي "مزوز".

ومن شأن القرار أن يقوي مركز رئيس الوزراء ويعطيه القدرة على تنفيذ خطته بشأن "الانفصال" عن الفلسطينيين، فضلا عن كونه يفتح الطريق أمام انضمام حزب "العمل" إلى حكومة "وحدة"، وهو الذي سبق أن أكد على لسان أبرز قادته بأن انتظار قرار "مزوز" يمنع اتخاذ أي تقدم في هذا الخصوص، في ضوء احتمال أن يكون القرار إلى ناحية تقديم لائحة اتهام ضد شارون حسبما أوصت "أربيل". وفور صدور قرار "مزوز" أعلن رئيس "العمل"، شمعون بيريس، أنه في حالة تلقي الحزب طلبًا للانضمام إلى حكومة شارون فإنه "سيدرسه بإيجاب". وهذا التصريح دفع المراقبين إلى اعتبار إنضمام "العمل" إلى حكومة شارون مسألة وقت ليس أكثر.

وقال "مزوز"، في بيان مطول قرأه على مسامع الصحفيين، إن المطلوب من الادعاء العام تقديم لائحة اتهام فقط في حال توافر قرائن جدية تقود إلى إدانة المتهم، و"مثل هذه القرائن لم تتوفر في ملف الجزيرة اليونانية، ما يحول دون تقديم لائحة اتهام ضد شارون ونجله جلعاد بتلقي الرشوة".

ودافع المستشار بشدة عن شارون الأب، قائلاً إنه لم يتأكد من أنه كان على علم بالصفقة بين نجله ورجل الأعمال ديفيد أبل، التي قضت بأن يستغل شارون الأب، بصفته وزيراً للخارجية عام 1998، نفوذه لدى السلطات اليونانية لدفع مشروع سياحي ضخم في جزيرة يونانية بادر إليه رجل الأعمال، مقابل تلقي نجل شارون مبلغاً كبيراً من المال بصفته مستشاراً اقتصادياً. وزاد ان لا أساس للادعاء بأن تشغيل شارون الابن كان وهمياً لتقديم الرشوة لوالده.

وأعلن عدد من أركان اليسار الاسرائيلي نيتهم تقديم التماسات إلى المحكمة العليا ضد قرار "مزوز"، مذكّرين بأن الشرطة تواصل تحقيقاتها في ملف فساد آخر ينسب إلى شارون تلقيه ملايين من الدولارات من رجل الأعمال اليهودي من جنوب افريقيا، سيريل كيرن، لتمويل معركته الانتخابية.

وأزاح قرار المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية عقبة بدا أنها الكأداء الأخيرة في طريق استمرار حكومة شارون حتى إنتهاء ولايتها الدستورية المقررة. فقد كان فحوى هذا القرار، قبيل صدوره، كما أسلفنا، بمثابة "نقطة مفصلية" يتقرر عندها مستقبل هذه الحكومة، لناحية مواصلة الحكم أو لناحية السقوط التام. وعلى رغم أن تسريبات موثوقة من مكتب "المستشار" ألمحت بقوة إلى أن القرار سيتجه في منحى الإغلاق النهائي للملف إلا أن البعض ظلّ يعوّل على نقيض ذلك، مستنداً إلى خلفية قيام توصية من قبل المدعية الإسرائيلية العامة السابقة، عيدنا أربيل، بتقديم لائحة إتهام ضد شارون بخصوص الملف إياه.

ويكاد المراقبون والمعلقون في الشؤون القضائية الإسرائيلية يجمعون على أن قرار "مزوز"، بما يشتمل عليه من تسويغات منمقة، لا ينطوي على إغلاق للملف السالف ضد شارون ونجله "جلعاد" فحسب بل وأيضاً يشتمل على ما أسمته معلقة الشؤون الحزبية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، سيمه كدمون، بـ "تبرئة أخلاقية شديدة الوضوح". هؤلاء يجمعون في الوقت نفسه على أن الإلتماسات المتواترة إلى المحكمة العليا الإسرائيلية في هذا الشأن لن يكون في مقدرتها أن تغيّر، قيد أنملة، في ماهية قرار "مزوز". وستؤثر هذه المحكمة أن تلتفت لا إلى ما يتعلق بشارون في القرار وإنما إلى مترتبات النار الثقيلة التي فتحها "مزوز" على النيابة الإسرائيلية العامة بوجه عام وعلى عيدنا أربيل بوجه خاص، التي أصبحت في هذه الأثناء في سلك قضاة المحكمة العليا.

في الأحوال جميعاً فمن الواضح الآن أن هذه "التبرئة الأخلاقية" تعيد إلى شارون "هيبة" تضعضعت كثيراً من جراء نتائج الإستفتاء العام في حزبه (الليكود) التي جاءت معارضة لخطته بشأن "فك الإرتباط" ومن جراء ما استجرته هذه النتائج من خلخلة لمكانته في الحزب وعلى رأس الإئتلاف الحاكم. كما أن من الجليّ الآن أن رئاسة شارون للحكومة الإسرائيلية أضحت أكثر ثبوتاً ومتنائية أكثر عن أية خضّات أو هزّات يمكن أن تقوّض الأساس المكين لائتلافه الحالي أو المستقبلي.

وفضلاً عن إنتفاء إمكانية تدخل المحكمة العليا لتغيير قرار "مزوز"، جملة وتفصيلاً، تدعم الإستنتاج بشأن ثبوت حكومة شارون عدة معطيات موضوعية جافّة يجدر أن نذكر منها ما يلي:

· يوم الأربعاء 16/6، غداة إعلان قرار المستشار القضائي، أسقطت الكنيست الإسرائيلية بغالبية كبيرة مشروع قانون تقدمت به الكتل العربية لتبكير موعد الإنتخابات البرلمانية. وبموجب أنظمة عمل الكنيست يحظر على جميع الكتل تقديم مشروع قانون مماثل طوال فترة نصف السنة المقبلة.

يعني هذا الأمر، من باب أولي، إمهال حكومة شارون فترة نصف سنة على الأقل قبل تعريضها لمشروع قانون كهذا، يمكنه في الواقع السياسي الاسرائيلي أن يشكل "فرصة ذهبية"، حتى لا نقول الوحيدة، من أجل إسقاطها والذهاب نحو انتخابات جديدة.

· خلال هذه المهلة غير القصيرة نسبيًا فإن الأداة الوحيدة المتبقية في أيدي الأحزاب الاسرائيلية لإسقاط حكومة شارون تتمثل في تجنيد غالبية من 61 عضواً في الكنيست إلى جانب إقتراح بحجب الثقة عن الحكومة وإيلاء هذه الثقة إلى مرشح آخر لترؤس حكومة أخرى. ومثل هذا الإحتمال غير وارد البتة، في ضوء خفوت حدّة الصراع داخل "الليكود"، حسبما سنبين في سياق لاحق، والأهم من ذلك في ضوء حقيقة أن حزب "العمل" (20 نائباً) ملتزم، حتى إشعار آخر، بتوفير ما يسمى بـ "شبكة أمان" للحكومة تدرأ عنها خطر السقوط تحت وطأة حجب الثقة عنها، وهو ما سبق أن أشرنا إلى كونه أداة وحيدة لزعزعة أركان الحكومة القائمة.

· التحركات الأخيرة لحزب "العمل" والتي يقودها رئيسه شمعون بيريس، ويدعمه فيها رئيسة الكتلة في الكنيست داليا إيتسك، والقيادي البارز في الحزب حاييم رامون، تشي بأن هذا الحزب يلهث للإنضمام إلى "حكومة وحدة" حين "تسنح الظروف لذلك". وعند هذا الحدّ تجدر الإشارة إلى أن تصريحات متطابقة صدرت عن القياديين الثلاثة المذكورين وغيرهم في السابق أكدت أن الحائل الوحيد أمام سنوح تلك الظروف وبالتالي أمام إنضمام كهذا إلى حكومة شارون هو "القرار المرتقب للمستشار القضائي"، الذي كان، وقتئذٍ، لا يزال مبنياً للمجهول.


شارون يلملم أشلاء "الليكود" ؟

يكتب يوئيل ماركوس، المعلّق البارز في "هآرتس" (18/6)، أن الذين نعوا أريئيل شارون، على خلفية ملف "الجزيرة اليونانية"، سيتعين عليهم من الآن فصاعداً مواجهة الحقيقة بأنه ماضٍ قدماً نحو غاياته القصوى، في إلماح إلى أن الأخطار التي كانت محدقة به أصبحت من ورائه وأن فترة ولايته "ستستمر إلى ما بعد 2005"، على حد قوله.

القسم الأكبر من الأخطار، التي يلمح "ماركوس" إليها، يرتبط أساسًا بالأوضاع داخل "الليكود" حيث يواجه شارون معارضة واسعة لخطته، من جانب عدد من الوزراء ومن جانب معظم أعضاء الكنيست.

بيد أن آخر المستجدات في هذا الشأن تشير إلى أن شارون ومعسكر مؤيديه قد أفلحوا في تحييد "اللدغات القاتلة" لهذه المعارضة. ومهما تكن هذه المستجدات فإن ما يتعين الالتفات إليه هو ما يلي:

· شارون – نتنياهو: يخلع محرر الشؤون الحزبية في "هآرتس"، يوسي فيرتر، توصيف "توازن الرعب" على العلاقات السائدة حالياً بين شارون وبين غريمه الأشد لدة وزير المالية بنيامين نتنياهو (18/6). فمن جهة واحدة توصل المقربون من شارون إلى قناعة مؤداها أن التخلص من نتنياهو (وهو ما يرغب به شارون) مستحيل على طريقة الإقالة الأحادية التي اتبعت حيال وزيري حزب "الإتحاد القومي" اليميني المتطرف، أفيغدور ليبرمان وبيني ألون، لأن من شأن نتنياهو، في أعقاب ذلك، أن يكتّل حوله 61 عضو كنيست من "الليكود" وأحزاب اليمين المتطرف والحريديم يوصون بتكليفه بتشكيل حكومة بديلة لحكومة شارون. ومن جهة أخرى يدرك المقربون من نتنياهو أن منصبه في الحكومة الحالية معرّض للضياع في حالة إنضمام "العمل" إلى الحكومة ومطالبة هذا الأخير بأن تكون المالية واحدة من الوزارات الست التي ستسند إلى مندوبيه. وأشارت تقارير صحافية في نهاية الأسبوع إلى أن لقاء مصالحة ضم الاثنين مؤخرًا اقترح خلاله نتنياهو على شارون أن يتم عرض اقتراح الموازنة العامة لسنة 2005 على الكنيست لإقراره ضمن القراءة الأولى في نهاية شهر تموز/ يوليو المقبل.

وبعد ذلك تبدأ المفاوضات الإئتلافية مع "العمل"، ما يضمن إدخال تغييرات طفيفة وليست جوهرية على الإقتراح تمهيداً لإقراره في القراءتين الثانية والثالثة. وعن طريق ذلك يضمن نتنياهو لنفسه البقاء في منصبه واستمرار سياسته الإقتصادية. لكن التقارير نفسها لم تشر، ولو بكلمة واحدة، إلى ما تم الاتفاق عليه بين الاثنين بخصوص تحركات الأيام المقبلة.

في ضوء ما تقدم يتوقع أن يظل "توازن الرعب" هذا بين شارون ونتنياهو يحكم تحركات الخصمين اللدودين في غضون الفترة المقبلة. لكن الأمر الواضح الآن في الصراع المستمر بين الاثنين أن النقاط التي في حوزة شارون راجحة على النقاط التي في حوزة نتنياهو، إذا ما راعينا الأمور الآتية:

1- الأخير مال نهائياً، بعد خط سير متعّرج، إلى تأييد خطة شارون بشأن "فك الإرتباط". و"القيود" التي تباهى بأنه فرضها على الخطة فيما عرف بإسم "تسوية ليفني" (على إسم الوزيرة تسيبي ليفني) تندرج راهنًا بإعتبارها لا أكثر من "ملاحظات هامشية" في الخطة، على ما يؤكد معلق الشؤون الحزبية في "معاريف" شالوم يروشلمي (18/6). وينوه "يروشلمي"، في شأن متصل، بأن "خطة التعويضات التي تعكف طواقم أمنية اسرائيلية خاصة على إعدادها وجدولتها بوتيرة متسارعة" ستجعل من أحد تلك القيود النتنياهوية، وهو قيد عرض الخطة الأصلية للتصويت المجدّد على الحكومة بعد تسعة أشهر من إقرارها ارتباطاً بتنفيذ إخلاء المستوطنات، غير ذي صلة لدى استحقاق ذلك التصويت، حيث أن "سيرورة التعويض ستؤدي إلى إخلاء المستوطنين (من غزة) قبل أن يتم التصويت على إخلاء المستوطنات".

2- قرار المستشار "مزوز" بشأن ملف "الجزيرة اليونانية" يعتبر، بكيفية ما، نصراً لشارون على نتنياهو، الذي عوّل عليه كثيرًا من أجل أن يعود إلى زعامة "الليكود" ورئاسة الحكومة الاسرائيلية. ومع أن المستشار نفسه سيعود قريباً إلى معالجة ملف آخر يرتبط بشارون وينطوي على شبهة الإرتشاء والفساد، هو "ملف سيريل كيرن"، فإن أوساطاً مقربة من رئيس الوزراء ومن "مزوز" تؤكد من الآن أن هذا الملف لن يبلغ رأس شارون البتة. لكن في هذه الأثناء ينتظر أن ينشر قريباً تقرير النائبة العامة السابقة، عيدنا أربيل، حول ملف جنائي متعلق بنتنياهو ويرتبط بشبهة تلقيه هدايا مغرضة في فترة توليه لمنصب رئاسة الحكومة، وذلك بعد أن أجازت المحكمة العليا أخيراً نشره كاملاً.

· شارون و"المتمردون": بعد صدور قرار "مزوز" هدّد شارون "المتمردين" عليه في "الليكود" بالويل والثبور، في حالة إستمرارهم في التغيب عن جلسات التصويت على الثقة بالحكومة أو في دعم قرارات معادية للحكومة. الى ذلك "هدّد" شارون متمردي حزبه بالتوجه الى حزب "العمل" المعارض باقتراح لانضمامه الى حكومته "اذا واصلوا سلوكهم وامتنعوا عن دعم الحكومة في الكنيست". وكان هدد، قبل ذلك، بإقالة الوزير عوزي لنداو ونائب الوزير ميخائيل راتسون على تغيبهما عن التصويت على اقتراح المعارضة حجب الثقة عن حكومته (الاثنين 14/6). وقالت الصحف العبرية ان شارون عدل عن خطوته تحت ضغط نواب في حزبه لم يخفوا قلقهم من انعكاسات اجراء كهذا على حزب "الليكود". ورأى مراقبون ان شارون لن يتردد في اقالة الاثنين في حال كررا فعلتهما في مرات مقبلة، ولكن سرعان ما غيّر شارون تكتيكه وبدأ العمل على استمالة "المتمردين"، إن لم يكن جميعهم فعلى الأقل غالبيتهم، من خلال التلويح بأن استمرار "تمردهم" قد يفضي إلى انتخابات جديدة تهدد وضعيتهم في اللائحة الانتخابية المقبلة. ويشير المقربون من شارون إلى أن العدول عن التلويح بسلاح الإقالة جاء عقب الاقتناع بأن أية إقالة قد يتم الإلتجاء إليها ستحوّل ضحيتها إلى "قديس معذّب" وتجعله يستأثر بعطف وتأييد القاعدة الحزبية في حين أن بقاء هؤلاء في مناصبهم على رغم معارضتهم لخطوات الحكومة السياسية سيفسر بكونه إنتهازية ويدق الأسافين بينهم وبين مؤيديهم في القاع.

حزب "العمل" – هرولة نحو "حكومة وحدة"

تؤكد جميع المؤشرات أن حزب "العمل" ينتظر دعوة شارون له من أجل الإنضمام إلى "حكومة وحدة". والسؤال العالق الآن هو: متى تتم هذه الدعوة؟.

الرأي السائد في الساحات الخلفية للأحزاب الاسرائيلية حاليًا هو أن هذه الدعوة ستتم فقط بعد أن يفلح شارون في لملمة أشلاء "الليكود"، التي بعثرها الإستفتاء العام والتطورات التي سبقته وأعقبته.

أما داخل حزب "العمل" فإن التطورات تشير إلى أنه تتقلص يوماً بعد يوم المعارضة للإنضمام إلى "حكومة وحدة".

صحف نهاية الأسبوع تحدثت عن إنضمام النائب عمرام متسناع إلى قائمة مؤيدي مثل هذه الحكومة بعد أن كان ردحًا طويلاً من أشد المعارضين لها. وهكذا تبقى المعارضة منحصرة في النواب أبراهام بورغ ويولي تمير وإيتان كابل وأيضًا في نائبي حزب "عام إيحاد" (شعب واحد) الذي انضم حديثاً إلى "العمل"، وهما عمير بيرتس وإيلانه كوهين.

ونقلت بعض الصحف عن يولي تمير، بعد أن اعتبرتها الأشد مناهضة للإنضمام إلى "حكومة وحدة"، قولها إن "العمل" يتخلى شيئًا فشيئًا عن "جميع قيمه". في حين نقلت عن حاييم رامون قوله رداً على تمير إن "الخروج من غزة هو بداية النهاية للإحتلال الإسرائيلي". وزاد رامون أنه إذا كان شارون "ينوي تطبيق سياستنا (أي سياسة "العمل") فلن أتحالف مع ليبرمان وإيتام (إيفي) ونتنياهو للحيلولة دون ذلك. من حق تمير أن تتحالف مع هؤلاء إذا هي رغبت بذلك".

ورأت صحيفة "هآرتس"، في افتتاحية خاصة أنشأتها حول موضوع بناء "الجدار" المحيط بمستوطنة أريئيل والأخطار المرتقبة منه، أن حزب "العمل" من خلال وعده القاطع بشبكة أمان لشارون وحكومته تتعلق بخطة الانسحاب من قطاع غزة فقد على ما يبدو المقدرة على التمييز بين شبكة الأمان المرغوبة، في قراءة الصحيفة، وبين الحاجة إلى انتقاد الإخفاقات السياسية لهذه الحكومة على شاكلة ذلك الجدار وما ينطوي عليه من ضم زاحف لأراضي الضفة الغربية.

أما معلقة الشؤون الحزبية في "يديعوت أحرونوت" فإنها تعتقد أن الوضعية الناشئة الآن في الحلبة السياسية الاسرائيلية تتميز، أكثر شيء، بغياب المعارضة الحقيقية لحكومة شارون ويمكن القول لسياستها العامة. وتكتب في هذا الصدد ما يلي: "في بحر الأسبوع الفائت أسقطت الكنيست قانوناً تقدمت به النائبة إيلانه كوهين يدعو إلى تمديد عطلة الولادة للنساء العاملات. وهو قانون لا يوجد سبب في العالم يستدعي إسقاطه، ومع ذلك فقد سقط نتيجة عدم تجنيد أكثرية لتأييده. وإذا لم يكن هناك أعضاء كنيست كفاية لتأييد قانون كهذا، فإن ذلك يعد مؤشراً إلى عدم وجود معارضة في إسرائيل. وسبب عدم وجود معارضة هو واحد ووحيد، أنها منشغلة بشق طريقها إلى الحكومة".

حكومة شارون – الإئتلافات الراهنة والمحتملة

1- الإئتلاف القائم: يضم "الليكود" (40 نائباً)، "شينوي" (15 نائباً)، "المفدال" (4 نواب من مجموع ستة نواب ما زالوا ضمن الإئتلاف بعد إستقالة الوزير إيفي إيتام ونائب الوزير يتسحاق ليفي). وهذا الإئتلاف مدعوم من النائب ديفيد طال، من قائمة "عام إيحاد" سابقاً الذي لم ينضم إلى "العمل" وجاء إلى حزبه هذا من حزب "شاس". ومدعوم أيضاً من النائب ميخائيل نودلمان، من حزب "الإتحاد القومي"، الذي يؤيد خطة "فك الإرتباط".

2- إئتلاف "حكومة وحدة" علمانية: يضم "الليكود" (40 نائباً)، "شينوي" (15 نائباً) وحزب "العمل" (16-18 نائباً، حيث الاحتمال القوي أن لا ينضم إلى إئتلاف كهذا جميع نواب "العمل" الـ 20). ومثل هذا الإئتلاف قد لا يحظى بدعم 10-12 نائباً من "الليكود" في مواضيع محددة من مجمل نشاطات الحكومة.

3- إئتلاف "حكومة وحدة" غير علمانية: يضم "الليكود" (40 نائباً)، "العمل" (16-18 نائباً من مجموع 20 نائباً)، "شاس" (11 نائباً)، "يهدوت هتوراة" (6 نواب). هذه الحكومة تكون مقبولة أكثر على "الليكود" ولذا تعتبر أكثر استقراراً نسبياً، على ذمة معلق الشؤون الحزبية في "هآرتس" الذي أورد هذه الإحتمالات.

إجمال

وإجمالاً يمكن القول إن التبرئة من جانب "مزوز" هي التي تحدو بشارون إلى التريث قبل ادخال تغيير على ائتلافه الحكومي الحالي الهش، فهو يسعى أولاً إلى ابقاء نواب حزب "مفدال" الأربعة داخله علّه يفتت بذلك جبهة المعارضة المتراصة في صفوف اليمين المتشدد، وهكذا يمنح خطته للانفصال الأحادي شرعية أقوى بداعي أنها تحظى بدعم مختلف الأحزاب من اليمين واليسار، ثم انه لن يتردد في التفاوض مع حزب ديني متشدد آخر هو "يهدوت هتوراة" لإقناعه بالانضمام إلى الائتلاف مقابل اغداق موارد مالية (نحو 70 ملـــيون دولار) على مــدارس الحزب الدينية.

ويبقى أمام شارون دائماً خيار ضم "العمل" بزعامة شمعون بيريس، الذي لا يخفي أنه سئم الجلوس على مقاعد المعارضة البرلمانية ويرغب بالعودة إلى كرسي وزير الخارجية الذي شغله في حكومة شارون الأولى، وقام بتوفير المظلة لشارون وتلميع صورته في الرأي العام العالمي.

ومع زوال السبب الذي حال دون التحاق "العمل" بالحكومة (ملف الرشوة) أضحى انضمامه مسألة وقت يقرر فيها شارون نفسه، لكن هذا لا يبدو أنه على عجل، إذ يفضل أن تهدأ العاصفة التي هبت داخل حزبه "الليكود" بعيد إقرار الحكومة خطة الفصل على رغم قرار منتسبي الحزب رفضها. ونجح في تليين موقف القطب البارز وزير المالية، بنيامين نتنياهو، الذي تراجع عن الرفض التام لانضمام "العمل" ليشترطه بقبول الأخير الخطوط العريضة لسياسة الحكومة الاقتصادية. وسبق لوزير معارض آخر، تساحي هنغبي، ان أعلن هو أيضاً أنه يفضل "ابتلاع" انضمام "العمل" على الذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة. كما يعوّل شارون على تراجع نشاط متمردي "الليكود" الذين يخشون فقدان كراسيهم في الكنيست في حال تبكير موعد الانتخابات. ووراء "هدوء" شارون هذا ادراكه أن المعارضة الحالية في الكنيست ليست قادرة على حشد 61 نائباً لاسقاطه وانتخاب بديل له واستبعاده أن ينضم "العمل" إلى مبادرة كهذه لتفادي اتهامهم بإطاحة رئيس حكومة "وضع خطة للانسحاب من غزة".

ويعيش حزب "العمل" من جهة أخرى، حالاً من الفوضى، إذ أن غالبية أعضاء كتلته البرلمانية تتلهف للحصول على مناصب وزارية، وفي مقدمهم شمعون بيريس، الذي سيطالب، طبقاً لمصادر صحافية، بمنصب وزير الخارجية والمسؤول عن المفاوضات مع الفلسطينيين، بالإضافة إلى مطالب "العمل" بوضع جدول زمني كامل للانسحاب من غزة وتغيير السياسة الاقتصادية والحصول على ست حقائب وزارية. وجميعها تبدو مطالب يستحيل على شارون قبولها، لعلمه أن تنحية وزير الخارجية سيلفان شالوم، الذي يتمتع بشعبية واسعة داخل "الليكود"، ستشعل حريقاً قد تطاله نيرانه، الأمر الذي يبقي أمام شارون إمكان "تصميم وتفصيل" بذلة خاصة لبيريس.

وملخص القول إن الدلائل تشير إلى أن شارون سيحاول "جرّ" الوضع الحالي حتى انتهاء الدورة الصيفية للكنيست مطلع آب (اغسطس) المقبل ليكون أمامه متسع من الوقت ليقرر طبيعة توليفته الحكومية الجديدة ليعرضها على الكنيست لنيل الثقة في أواخر أيلول (سبتمبر) المقبل، وربما يكون ذلك أبعد من التاريخ المذكور مع مراعاة أن المهلة المضمونة للحكومة بشأن النأي عن مواجهة خيار السقوط وتبكير موعد الانتخابات المقبلة هي نصف سنة من الآن.