احتل موضوع مشروع اقتراح الميزانية العامة للسنة المقبلة (2005)، الذي قدمه وزير المالية بنيامين نتنياهو، الحيز الاكبر من اهتمام وعناوين ومعالجات جميع الصحف العبرية الصادرة في اليومين الأخيرين. وقد ركزت، في تغطيتها للموضوع، على جانبين - بعدين- رئيسيين لخطة الميزانية المقترحة: الاول هو الجانب التقريري، وتمحور حول سلسلة التقليصات والاقتطاعات الواسعة، و"القاسية" - حسب وصف هذه الصحف- التي تضمنها اقتراح الموازنة العامة للسنة المقبلة. فيما ركزت التغطية في الجانب الثاني، المرتبط والمستخلص من الجانب الاول، على البعد التحليلي – السياسي لخطة ميزانية وزارة نتنياهو، حيث خلص العديد من المراقبين والمحللين الاسرائيليين الى الاستنتاج بأن نتنياهو انما يسعى من وراء "موجة التقليصات الخطيرة" الى وضع العراقيل امام امكانية انضمام حزب "العمل" المعارض الى الحكومة الجديدة المرتقبة، التي يتفاوض رئيس الوزراء الاسرائيلي اريئيل شارون في هذه الايام مع الشركاء المحتملين فيها، وذلك تحقيقا لاهداف ومآرب "سياسية ضيقة" وضعها نتنياهو نصب عينيه ويصر على تحقيقها.

وكان وزير المالية بنيامين نتنياهو واركان وزارته قد استعرضوا، خلال مؤتمر صحفي خاص عقد يوم اول من امس (الاحد)، الخطوط العريضة في مشروع ميزانية الدولة المقترح للعام القادم 2005، بعد ان وضعوا مسودة المشروع على طاولة الوزراء تمهيدا لمناقشتها في جلسة الحكومة، يوم الاحد المقبل.

وتتضمن الميزانية العامة المقترحة، والتي بلغت قيمتها الاجمالية 266.9 مليار شيكل (ما يقارب 60 مليار دولار اميركي) الكثير من التقليصات في ميزانيات الوزارات المختلفة وسلسلة من الاقتطاعات والاجراءات الاقتصادية التي تطال في شكل أساسي مجال الخدمات والاعانات الاجتماعية (الطبقات والشرائح الفقيرة او ضعيفة الموارد) ومستخدمي القطاع العام، اضافة الى رفع رسوم الجباية والضرائب في عدد من المجالات.

وطبقا لما نقلته الصحف الاسرائيلية فقد تضمنت أهم بنود خطة الاقتطاعات والتقليصات الاقتصادية الجديدة في اطارموازنة السنة المقبلة ما يلي :

· تقليص ميزانية نفقات جميع الوزارات بنسبة 4%.

· رفع سعر المياه بـ 60 اغورة للكوب الواحد (لا يشمل ضريبة القيمة الاضافية).

· رفع اسعار السفر في المواصلات العامة لأبناء الشبيبة، حيث سيتم تقليص نسبة الدعم الحكومي لهذه السفريات في عام 2005 لتبلغ 30% فقط بدلا من 50% كما هو متبع حاليا.

· تقليص أجور مستخدمي القطاع العام بمبلغ اجمالي قدرة 2 مليار شيكل، وخفض عدد المستخدمين (تسريحات واقالات) في جهاز الدولة بنسبة 3%.

· تقليص سقف الاعفاء من الضريبة على ما يقدمه اصحاب العمل للمستخدم ويتم ايداعه في صناديق الاستكمال من 15200شيكل (في السنة) الى 7000 شيكل. ويسري مفعول هذا التعديل على المبالغ التي يقوم أصحاب العمل بإيداعها في صناديق الاستكمال.

· الغاء نقاط الاستحقاق التي يستفيد منها الزوجان اللذان لا يعمل أحدهما.

· لن يتم اعادة ضريبة القيمة المضافة على السيارات التجارية.

· تقليص مخصصات الشيخوخة التي تدفع للمتقاعدين تحت سن الـ 70 من أصحاب الدخل العالي.

· الغاء المنح التي يحصل عليها مصابو العمل الذين تقل نسبة اصابتهم – عجزهم – عن 20%.

· جباية رسوم بقيمة 50 شيكل عن اصدار بطاقة الهوية.

وتخصص ميزانية العام المقبل، التي سيبلغ حجم التقليص الاجمالي فيها 6.3 مليار شيكل، مبلغ 1.5 مليار شيكل لتغطية تكاليف تنفيذ خطة "فك الارتباط" الاحادية الجانب عن الفلسطينيين، على ان يكون تنفيذ الصرف بموجب آلية تقررها الحكومة، على ما جاء في تقارير الصحف الاسرائيلية.

شهادة على إفلاس سياسة نتنياهو

رأى مختصون اسرائيليون في الشؤون الاقتصادية ان خطة التقليصات، التي اقترحها نتنياهو في نطاق موازنة العام المقبل، تشكل شهادة على "افلاس" السياسة الاقتصادية التي يتبعها وزير المالية الاسرائيلي في اطار مساعيه الرامية لاخراج اقتصاد الدولة العبرية من الازمة العميقة وحالة "الاعتلال" الشديد التي تعتريه منذ عدة سنوات، في ظل تزعم حزب "الليكود" للسلطة وما نتج عن سياساته العقيمة من تفاقم للصراع مع الفلسطينيين وانحسار شديد لفرص احلال السلام والاستقرار في المنطقة.

واكد هؤلاء المحللون المختصون، من جهة أخرى، على ان خطة التقليصات ذاتها تضع عراقيل جديدة امام انضمام حزب "العمل" بقيادة شمعون بيريس الى "حكومة شارون الثالثة"، لا سيما وان احدى العقبات التي لا تزال تحول دون تكلل مفاوضات الحزبين الكبيرين بالتوقيع على اتفاق ائتلافي ناجز، مرتبطة بالسياسة الاقتصادية الحالية للحكومة، التي يوجد لحزب "العمل" "الكثير من التحفظات عليها"، كما اكد غير مسؤول في الحزب.

ضمن هذا السياق الذي يربط بين السياسة والاقتصاد، كتب المحلل الاقتصادي المعروف نحميا شترسلر تعليقا في صحيفة "هآرتس" (امس الاثنين) قال فيه ان " المسرحية الاقتصادية التي قدمها نتنياهو (الاحد) موجهة لتحقيق هدف مركزي واحد ووحيد، وهو الحيلولة دون دخول حزب العمل للحكومة".

واضاف ان نتنياهو يرغب في حكومة اقلية يقودها رئيس وزراء ضعيف يظل متعلقا به

( اي بنتنياهو) وبمجموعة "المتمردين" في حزب "الليكود".

وحدد "شترسلر"، في خلاصة تحليله، غاية وزير المالية في طرح خطة الميزانية الجديدة بقوله :

يعتقد نتنياهو، اذا ما حالفه الحظ، بأن الحكومة ستستمر في التأرجح والاهتزاز حتى السقوط، وعندئذٍ سيفوز على شارون في البرايمريز (الانتخابات التمهيدية) وصولا لفوزه هو بعد ذلك في الانتخابات العامة (المقبلة او المبكرة).

وعلى الناحية الاقتصادية الصرفة، زاد المعلق الاقتصادي البارز سيفر بلوتسكر، في تعليق نشرته صحيفة "يديعوت احرونوت"، قائلا بأن "نتنياهو و "ثورته الاقتصادية" وميزانيته الجديدة انتهوا الى التعب والافلاس".

واضاف "بلوتسكر" في تعليقه الذي كتبه تحت عنوان "ضيّق الافق" – المقصود نتنياهو – ان وزير المالية كشف للجمهور مشروع ميزانية ضيق الافق ومحدود في الطاقات.

واستطرد: قبل عام واحد، عندما عرض نتنياهو خططه الاقتصادية المبتكرة، عمت الآمال والتوقعات التي سعى نتنياهو الى انعاشها (اي فيما يتعلق باخراج الاقتصاد الاسرائيلي من ازمته العميقة). بالأمس (عندما عرض نتنياهو - يوم الاحد- امام الصحافيين بنود الميزانية الجديدة) بدا نتنياهو منهكا وفي حالة دفاع عن النفس، وهذا ما ينطبق على ميزانيته المقترحة لعام 2005، والتي وصفها "بلوتسكر" بانها "توليفة طائشة من الاقتراحات التي قدمها العديد من وزراء المالية السابقين خطيا وشفاهة، وانتهى معظمها الى الفشل والسقوط في مراحل التشريع".

وخلص الى القول ان ميزانية العام 2005 تبدو اليوم كسفينة تمزقت اشرعتها.