التخوف من إيران وسياستها دفـع دول الخليج وخاصة السعودية إلى التعاون مع الغرب وإسرائيل حتى في السرّ!

التخوف من إيران وسياستها دفـع دول الخليج وخاصة السعودية إلى التعاون مع الغرب وإسرائيل حتى في السرّ!

*العراق شهد مؤخرًا نشوء بؤرة إيرانية تشكل خطرًا كبيرًا على الولايات المتحدة وإسرائيل* ما زالت لدى إسرائيل مخاوف من احتمال أن تعمل السعودية في المجال النووي سرًا في المستقبل*

يتابع الإسرائيليون بتوجس التطورات في كل من إيران ودول الخليج العربية، على خلفية مواصلة إيران تطوير برنامجها النووي، الذي تقول بأنه برنامج سلمي بينما تدعي إسرائيل أنه برنامج عسكري؛ والربيع العربي، الذي لم يصل إلى دول الخليج، حتى الآن، باستثناء البحرين؛ وانسحاب الجيش الأميركي من العراق.

وقد اعتبر مسؤولون إسرائيليون، في مناسبات عديدة، أن حصول إيران على سلاح نووي يشكل خطرا وجوديا على إسرائيل. كما عبروا عن استيائهم من الانسحاب الأميركي من العراق. وبينما تنظر إسرائيل إلى الدول العربية في الخليج على أنها شريكة في الموقف ضد إيران، إلا أنها عارضت بشدة صفقات أسلحة بين الولايات المتحدة ودول غربية وبين دول الخليج العربية، وخاصة صفقة الأسلحة الكبيرة التي تم إبرامها مؤخرا بين الولايات المتحدة والسعودية، العام الماضي.

وفي إطار هذه المتابعة، عقد "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب يوما دراسيا، ونشر كتيبا، قبل أسبوعين، تحت عنوان "دول الخليج: بين إيران والغرب"، تضمن مقالات هي عبارة عن المحاضرات التي ألقاها باحثون متخصصون خلال اليوم الدراسي.

وبين أبرز المواضيع التي تناولتها المقالات: لماذا تجاوز الربيع العربي، حتى الآن، دول الخليج العربية ما عدا البحرين؟ ما هي الخطوط العريضة للسياسة الأميركية في الخليج الفارسي؟ ما هي الانعكاسات الجيو- سياسية للانسحاب الأميركي من العراق؟ هل سيتم تطوير برامج نووية سلمية في دول الخليج العربية؟ هل سيؤدي تعاون وثيق بين المجتمع الدولي ودول الخليج العربية في المجال النووي إلى امتلاك الأخيرة قدرات نووية لأهداف عسكرية؟

إيران ودول الخليج

تبادلت إسرائيل وإيران، خلال السنوات القليلة الأخيرة، التهديدات والاتهامات. من جهة، تتهم إسرائيل إيران بأنها تطور برنامجها النووي بهدف القضاء عليها، وأن إيران تسلح حركات المقاومة، مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، بهدف استنزاف إسرائيل. ومن الجهة الأخرى، أطلقت القيادة الإيرانية، وخاصة مرشد الجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، والرئيس محمود أحمدي نجاد، تهديدات حول "محو إسرائيل عن الخريطة" وما إلى ذلك. وصعّدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في الشهور الأخيرة، العقوبات الاقتصادية الدولية ضد إيران، وفي موازاة ذلك صعّد المسؤولون الإسرائيليون، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، التهديدات بمهاجمة إيران، رغم معارضة الغرب.

إلا أن الباحث في "مركز دايان" والمحاضر في قسم تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب ورئيس مركز الدراسات الإيرانية في هذه الجامعة، البروفسور مئير ليتفاك، قال في سياق محاضرته في اليوم الدراسي الذي نظمه "معهد دراسات الأمن القومي"، إنه "على الرغم من أننا قلقون، وبحق، من انشغال إيران بإسرائيل، فإنه ينبغي أن نتذكر أنه بالنسبة لإيران، الخليج هو حلبة إستراتيجية أهم بكثير من إسرائيل لأن الخليج هو مخرجها الوحيد إلى خطوط الملاحة الدولية. ومعظم البضائع الواردة إلى إيران تصل عن طريق الخليج، وعبره تصدر إيران معظم نفطها، الذي يشكل مصدر دخلها الأهم".

وأشار ليتفاك إلى نقطتين أخريين تثير اهتمام إيران وقلقها في الوقت نفسه. النقطة الأولى تتعلق بالوجود العسكري الكبير للجيش الأميركي في الخليج وخصوصا قواعد الأسطول وسلاح الجو الأميركي التي بإمكانها أن تهدد إيران. والنقطة الثانية هي سيطرة إيران على البحرين، في الماضي. وأضاف أن هذه الأسباب "تؤكد أن إيران تنظر إلى الخليج على أنه الحلبة الأولى لزيادة تأثيرها الإقليمي".

ورأى ليتفاك أنه منذ الثورة الإسلامية أدارت إيران سياستها الخارجية من خلال اعتبارين: الاعتبار الأول يتعلق بالناحية الأيديولوجية و"تصدير الثورة"، والاعتبار الثاني هو اعتبار إستراتيجي ويتمثل في السعي إلى تحقيق مصلحة الدولة الإيرانية. وأوضح أنه في السنوات الأولى بعد الثورة الإسلامية أولت إيران أهمية أولى للاعتبار الأيديولوجي، بينما منذ نهاية سنوات الثمانين، ومع اقتراب نهاية الحرب العراقية – الإيرانية وبعد وفاة الزعيم الإيراني آية الله الخميني، تم إعطاء الأولوية وبشكل واضح للاعتبار الإستراتيجي. وشدد الباحث الإسرائيلي على أنه "كلما كانت الحلبة الجغرافية أو السياسية أقرب على إيران، تزايدت أهمية الاعتبار الإستراتيجي – السياسي على الاعتبار الأيديولوجي لدى قادة إيران".

وانطلاقا من ذلك، وصف ليتفاك سلم الأولويات الإيراني لدى تحديد السياسة الخارجية عموما وتجاه دول الخليج العربية خصوصا وفقا للترتيب التالي: أولا مصلحة النظام، أي حماية النظام الإسلامي في إيران؛ وبعد ذلك حماية الثورة الإسلامية؛ ثم مصلحة الدولة الإيرانية؛ وبعد ذلك المصلحة الشيعية؛ وفي نهاية سلم الأولويات، المصلحة الإسلامية العامة.

ووفقا لليتفاك فإن ثمة ثلاثة اعتبارات توجه إيران في سياستها تجاه دول الخليج العربية. أولا أن الخليج يشكل حلبة خصومة بين إيران والولايات المتحدة، وأن "التواجد الأميركي يشكل تهديدا دائما على إيران لأنه يمنح مظلة حماية لدول الخليج، إضافة إلى أنه يشكل تهديدا محتملا مباشرا على إيران"؛ ثانيا، أن "دول الخليج ككتلة، أو ككتلة عربية سنية، تتخوف من صعود قوة ونفوذ إيران، وهي الدولة العظمى الإقليمية غير العربية والشيعية". ولفت الباحث في هذا السياق إلى وجود أقليات شيعية في دول الخليج وإلى وجود احتكاكات "نابعة من أنه يحكم في السعودية الإسلام الوهابي، الذي يتبنى أكثر من أي تيار إسلامي آخر خطا شديد العداء للمذهب الشيعي... وأعمال القمع ضد الشيعة متواصلة في السعودية حتى اليوم"؛ والاعتبار الثالث هو أن علاقات إيران مع كل واحدة من دول الخليج متأثرة من الظروف الخاصة في كل دولة منها.

وفي مقابل ذلك، أشار ليتفاك إلى تخوفات دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، من إيران وسياستها. التخوف الأول يتعلق "بسعي إيران إلى الهيمنة على الخليج. أي جعل دول الخليج العربية تقبل بزعامة إيران وأن توافق حتى على إملاءاتها. وفي هذا السياق فإن سياسة إيران هي استمرار لسياسة الشاه" الذي أطاحت به الثورة الإسلامية. كذلك تتخوف دول الخليج من تصريحات مسؤولين إيرانيين بشأن البحرين وأنها تابعة لإيران وأنها كانت اللواء الرابع عشر لإيران حتى العام 1970. ويثير ما يعرف بـ "الهلال الشيعي" بقيادة إيران تخوفات دول الخليج العربية. لكن التخوف الأكبر لدى دول الخليج هو البرنامج النووي الإيراني، وهي تعتبر أنه سيحول إيران إلى دولة عظمى إقليمية ومهيمنة على المنطقة العربية. وأشار إلى أن هذا التخوف دفع دول الخليج، وخاصة السعودية، إلى التعاون مع الغرب وإسرائيل حتى في السر، وإلى أن الوثائق المسربة على موقع "ويكيليكس" الالكتروني نقلت عن الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز تعبيره عن أمنيته بأن تهاجم إسرائيل إيران. كذلك صرح ملك البحرين بأنه يقيم علاقات سرية مع إسرائيل.

ورأى ليتفاك أن المواجهة الكلامية بين إيران ودول الخليج العربية موجودة، حاليا، في حالة جمود. وأضاف أن "ما يمكن قوله بكل تأكيد هو أن الأزمة الحالية تعكس جيدا الدمج بين المصالح الاقتصادية والأمنية لكل واحد من الجانبين، إلى جانب مشاعر وأحاسيس مصدرها الاختلافات الدينية والطائفية. لذلك بالإمكان القول أيضا، أنه إذا ضرب ’الربيع العربي’ هذه المنطقة، فإن مميزات كثيرة للشرق الأوسط القديم ستبقى في المنطقة، وليس معقولا أن تغيب بسرعة".

الولايات المتحدة والعراق

مما لا شك فيه أن الغزو الأميركي للعراق، في بداية ولاية الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، الذي تميز بالتطرف الغيبي والظلامي والأصولي، كان نقطة مفصلية ومؤلمة للغاية في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر. فقد قُتل في هذا الغزو أكبر عدد من المدنيين في تاريخ الحروب في الفترة المعاصرة.

واستعرض نائب رئيس "معهد دراسات الأمن القومي"، الدكتور إفرايم كام، في محاضرته – مقالته، أعداد القتلى - الضحايا الذين سقطوا في هذا الغزو الوحشي: ما بين 100 ألف إلى 500 ألف مدني عراقي، بينهم من قُتل جراء العمليات العسكرية الأميركية والهجمات الانتحارية البالغة البشاعة؛ قرابة 55 ألف من عناصر المقاومة المسلحة، السنية والشيعية، للاحتلال الأميركي؛ قرابة 10 آلاف عنصر من أجهزة الأمن التي أقامتها الولايات المتحدة في العراق؛ ونحو 4500 جندي أميركي، إضافة إلى 300 جندي قتيل من الدول التي شاركت في الغزو. إضافة إلى ذلك، فإن 5ر4 مليون عراقي اضطروا إلى مغادرة بيوتهم، نصفهم بقي في العراق بينما نصفهم الآخر لجأ إلى دول أخرى، وخصوصا سورية والأردن. ووفقا لكام فإن حرب العراق كلفت الخزينة الأميركية، حتى منتصف العام الفائت (2011)، 900 مليار دولار.

وشدد كام على أنه "اتضح أيضا أن إسقاط نظام هو أمر سهل أحيانا، لكن بناء نظام جديد هو مسألة معقدة أكثر ومنوطة بثمن أكبر بكثير". وأشار إلى أنه كان واضحا للإدارة الأميركية أنه يتعين عليها الانسحاب من العراق، لكنها أرجأت ذلك "من أجل عدم فقدان إنجازات تم تحقيقها" ومنع تصاعد العمليات المسلحة، والأهم من ذلك ألا تنسحب بحيث تظهر مهزومة ومذلة وإنما كمنتصرة وبعد أن أحدثت تحولات لن يكون بالإمكان التراجع عنها. واعتبر كام أن "الإنجازات العسكرية وانخفاض حجم العنف وبداية تأسيس مؤسسات ديمقراطية في العراق وبداية بناء قوات الأمن العراقية" ساعدت على دفع هذا الهدف.

وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة عملت على بناء قوة أمنية في العراق مؤلفة من قرابة 650 ألف عنصر. لكن كام لفت إلى أن هذه القوة ليست جيشا حقيقيا، وإنما هي بالأساس قوة شرطة "لديها قدرات جيدة في مجال الأمن الداخلي. وهذا ليس جيشا قادرا على خوض حرب ضد جيش آخر". فالجيش العراقي لا يملك أكثر من 140 دبابة، حصل عليها من الولايات المتحدة، بينما كان بحوزة الجيش العراقي قبل الغزو آلاف الدبابات. كذلك لا يملك الجيش العراقي سلاحا جويا حقيقيا. لذلك لا يزال العراق يعاني من مشاكل أمنية، وبينها العنف الداخلي، الأمر الذي قد يؤدي إلى عودة حالة الفوضى إلى شوارع العراق.

واعتبر كام أنه "سيتعين على الولايات المتحدة بناء جيش عراقي جديد، والتخوف هو من أن يشكل جيش كهذا تهديدا على دول الخليج العربية وإسرائيل وإيران، في حال غيّر النظام توجهاته". ورأى الباحث أن العراق، من الناحية السياسية، لن يعود إلى ما كان عليه قبل الغزو، أي "دولة موحدة تحت حكم مركزي". وينص الدستور العراقي الجديد على أن العراق سيكون فدرالية، في ظل انقسام داخلي بين الشيعة والسنة والأكراد. وهناك بُعد اقتصادي لهذا النظام يتمثل في عدم تقاسم موارد النفط بشكل متساو.

وثمة مجال آخر يبدو أنه يثير قلق الغرب، وخصوصا إسرائيل، وهو ما وصفه كام بـ "التأثير الإيراني في العراق". وأشار إلى أن "إيران غيرت مكانتها في العراق، وخلال السنوات الثلاث الأخيرة نجحت، لأول مرة في التاريخ، بالتغلغل عميقا إلى داخل المؤسسة العراقية، وأقامت علاقات وثيقة بالأساس مع جهات شيعية. وهي مرتبطة مع جميع الأحزاب والمنظمات والقيادة الشيعية، التي نما بعضها في إيران، وبعضها الآخر تم بناؤه في إيران ودخل إلى العراق سوية مع الاحتلال الأميركي".

وقال كام إن "الإيرانيين ضالعون في العراق بواسطة ضخ أموال بحجم كبير، واستثمارات مالية وتعاون مع الحكومة العراقية أيضا. وهم يدخلون أسلحة إلى العراق، وخاصة إلى المليشيات الشيعية المسلحة. وهم يُدخلون إلى العراق مئات وربما آلاف عناصر ’الحرس الثوري’ ومئات رجال الدين. وكل هذا يؤدي إلى نشوء بؤرة إيرانية خطرة في العراق، لم تكن موجودة قبل ثلاث أو أربع سنين، ويرجح أن تبقى في المستقبل، وهكذا نشأ في العراق منافس هام للولايات المتحدة. وتشكل إيران، اليوم، الجهة الخارجية الثانية من حيث أهميتها وبعد الولايات المتحدة في العراق، وربما أصبحت الجهة الأولى والأهم في العراق، مع انسحاب الولايات المتحدة، ومن شأنها أن تؤثر على كافة التحولات في الدولة. والسؤال الذي تواجهه الولايات المتحدة هو كيف ستواجه هذا التهديد الإيراني، الذي لا ينتمي إلى المجال النووي، لكنه يؤثر بالتأكيد على المنطقة؟".

من جهة ثانية، أشار كام إلى العلاقات الأميركية – العراقية. ورغم أن الجانبين وقعا على اتفاق يُعرّف العلاقات بينهما على أنها إستراتيجية "لكن من الواضح أن هذا ليس إلا وثيقة، والمفتاح بيد العراق". وشكك الباحث في إمكانية أن يطبق العراق نص هذا الاتفاق، وأشار إلى أنه "يوجد اليوم في العراق غضب كبير على الولايات المتحدة، ومعظم العراقيين لا يحبون الاحتلال الأميركي ويتمنون انتهاءه". وفي المقابل فإنه توجد للولايات المتحدة مصالح هامة في المنطقة وتريد أن تنتقل من دولة احتلال إلى شريكة إستراتيجية للعراق.

وأشار كام إلى أنه رغم الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق، إلا أنها لم تغادر المنطقة، "فالوجود الأميركي المتزايد سيستمر في الخليج، من أجل مساعدة حكومة العراق في محاولة كبح تأثير إيران وتقوية أمن العراق ودول الخليج التي تخشى من التطورات التي ستحدث بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق [في نهاية العام الماضي]. كذلك فإن آلاف المستشارين الأميركيين بقوا في العراق من أجل مساعدة المؤسسة العراقية والحكومة العراقية وتعزيز قدراتها في المجالين الأمني والاقتصادي".

وخلص كام إلى أن العراق "لم يعد يشكل عاملا عسكريا يهدد إسرائيل. وحتى لو بنت الولايات المتحدة الجيش العراقي من جديد، فإن هذه عملية ستستغرق سنوات، وليس بالضرورة أن العراق سيكون خصما وعدوا لإسرائيل، مثلما كان حتى سقوط صدام حسين. وفي المقابل، فإنه كلما كان العراق خاضعا للتأثير الإيراني، وإذا تم اعتبار الولايات المتحدة خاسرة في قضية العراق، فإنه ستكون لذلك انعكاسات سلبية على إسرائيل".

البرامج النووية في الخليج

قال الباحث في "معهد دراسات الأمن القومي"، يوئيل غوجانسكي، في محاضرته - مقالته، إنه توجد في السنوات الأخيرة "نهضة نووية" في الخليج، بعدما أعلنت جميع دول الخليج العربية الست عن اهتمامها بتطوير برنامج نووي مستقل لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه، ولا يوجد في شبه الجزيرة العربية أي مفاعل نووي لغرض الأبحاث حتى اليوم. كذلك فإن دول الخليج العربية الست تصرح باستمرار بأن الشرق الأوسط عامة، والخليج خاصة، يجب أن تكونا منطقتين خاليتين من أسلحة الدمار الشامل. لكن سعي إيران إلى تطوير برنامج نووي دفع دول الخليج العربية إلى دفع مشاريع، مشتركة ومستقلة، لتطوير بنى تحتية وخبرات في المجال النووي.

وأشار غوجانسكي إلى أن دول الخليج العربية عبرت في عدة مناسبات عن تأييدها لحق إيران في تطوير قدرات نووية لأغراض سلمية، لكنها عبرت عن تخوفها من انعدام الشفافية للبرنامج النووي الإيراني. وعلى سبيل المثال، دعا وزير خارجية السعودية إيران، في العام 2007، إلى التعاون في إقامة محطة توليد نووية، خارج منطقة الخليج، من أجل تزويد وقود نووي لمشاريع متنوعة في دول الخليج وتحت إشراف دولي. ورحبت إيران بهذه الدعوة، لكنها أعلنت أنها لن تتخلى عن تخصيب اليورانيوم لديها. ورأى الباحث أن "فشل مبادرات من هذا النوع، إلى جانب الإدراك أن المجتمع الدولي يواجه صعوبة في وقف إيران، دفع دول الخليج العربية إلى السعي نحو تطوير برامج نووية مستقلة".

ورغم أن السعودية لم تصرح أبدا بأنها تساهم في تطوير برنامج نووي عسكري، إلا أن غوجانسكي يشير إلى وجود قناعة لدى الكثيرين بأن السعودية كانت تقف وراء تمويل البرنامج النووي الباكستاني. وقال مسؤول، كان يتولى منصبا رفيعا في البعثة السعودية في الأمم المتحدة وهرب إلى الولايات المتحدة، إن السعودية أقامت برنامجا نوويا عسكريا في بداية سنوات السبعين، وأن السعودية ساعدت في تطوير البرنامج النووي العراقي أيضا. وفي بداية سنوات التسعين اشترت السعودية صواريخ أرض – أرض من الصين، وقد أثارت هذه الصفقة شبهات في الغرب لأنها أبرمت من دون علم الولايات المتحدة ولأن هذه الصواريخ تم تطويرها بحيث تكون قادرة على حمل رؤوس حربية نووية. وفي أعقاب ضغوط مارستها الولايات المتحدة أعلنت السعودية أنها تؤيد جعل الشرق الأوسط منطقة منزوعة السلاح النووي "لكن ما زالت هناك مخاوف بأن السعودية قد تعمل في المجال النووي بصورة سرية في المستقبل"، وفقا للباحث الإسرائيلي.

ورجح غوجانسكي أن السعودية ستواجه صعوبة في عدم القيام بشيء في حال امتلاك إيران قدرة نووية عسكرية.

وكان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي الأسبق، أهارون زئيفي فركاش، قد قال خلال اجتماع للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، في العام 2003، إن السعودية تبني الخيار النووي. وقال فركاش إن "السعوديين يجرون اتصالات مع باكستان، من أجل شراء رؤوس حربية نووية لصواريخ أرض – أرض موجودة بحوزتهم. وقد قرروا أنهم سيعملون لصالح توازن رعب في وجه التسلح الإيراني، ويعتزمون وضع الرؤوس الحربية الباكستانية في أراضيهم". كذلك صرح وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي، موشيه يعلون، في الماضي، أنه "في المجال غير التقليدي ينبغي النظر بتمعن إلى ما يحدث في السعودية".

وقال غوجانسكي إنه توجد علامات استفهام حول اعتبارات ونوايا السعودية في المجال النووي لعدة أسباب: أولا، التخوف المتزايد من إيران وعدم وضوح سياسة الولايات المتحدة؛ ثانيا، تاريخ السعودية في هذا المجال المتمثل في العلاقات مع باكستان؛ ثالثا، الاتفاق بين السعودية والوكالة الدولية للطاقة النووية يعفيها من مراقبة مشددة؛ رابعا، السعودية ترفض حتى الآن التنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم في أراضيها؛ خامسا، صدور تصريحات غير مألوفة عن مسؤولين سعوديين في الموضوع النووي وتدل على تغيير سياستها في المجال النووي.

ورأى غوجانسكي أنه في حال تجاوزت إيران العتبة النووية، فإن من شأن ذلك أن يدفع السعودية إلى تطوير برنامج نووي "رغم الثمن الكبير الذي قد تدفعه جراء قرار كهذا، وخصوصا في ما يتعلق بعلاقتها مع الولايات المتحدة". وأشار الباحث إلى أن قوات باكستانية انتشرت في الأراضي السعودية في سنوات الثمانين والتسعين، ووضعت باكستان قوات جيشها في حالة تأهب على أثر تخوفات من حدوث قلاقل وعدم استقرار داخل السعودية. ووفقا لغوجانسكي فإن ثمة احتمالا بأن تنشر الولايات المتحدة "قوات نووية" في السعودية، مثلما نشرت قوات كهذه في دول حليفة لأميركا، رغم حساسية السعودية من وجود "قوات الكفار" في أراضيها وتحسن وسوء علاقاتها مع الولايات المتحدة بين حين وآخر.

دول الخليج تدرك أن الطريق إلى قلب

الولايات المتحدة تمر عبر إسرائيل!

كانت محاضرة - مقالة نائب مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية السابق والسفير الحالي لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، يعقوب هداس، في اليوم الدراسي الذي عقده "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، عبارة عن "شهادة شخصية" كما وصفها هذا الدبلوماسي الإسرائيلي.

وقال فيها إنه "في العامين 2002 – 2003 كنت رئيس البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في قطر. وكانت تلك أيام الانتفاضة وهي فترة ليست سهلة. وكنا في قطر بمثابة حاضرين – غائبين، إذ أنه من الناحية الرسمية كنا مطرودين من هناك، لكن من الناحية الفعلية كنا هناك".

وأشار هداس إلى أن العلاقات العلنية بين إسرائيل والخليج هي نتيجة لمحادثات مدريد، في بداية سنوات التسعين، وتوثقت هذه العلاقات أكثر في أعقاب توقيع اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وفي منتصف التسعينيات أقيمت بعثتان إسرائيليتان في قطر وسلطنة عُمان. وتعهدت هاتان الدولتان بإقامة بعثتين في إسرائيل، لكن هذا الأمر، وفقا لهداس، لم يتحقق. وفي أعقاب اندلاع الانتفاضة في العام 2000 تم إغلاق البعثة الإسرائيلية في عمان، بينما البعثة الإسرائيلية في قطر بقيت تعمل بشكل فعلي، رغم القرار الرسمي بإغلاقها، وذلك حتى كانون الثاني من العام 2009، على أثر الحرب الإسرائيلية على غزة.

وحسب هداس فإن الأسباب الحقيقية لإغلاق البعثة الإسرائيلية في قطر لم تكن الحرب على غزة. وقال إنه على رأس هذه الأسباب "شعور قطر بالإهانة من أننا لم نمنحهم دورا ’خاصا’ في عملية ’الرصاص المصبوب’، على غرار ما فعلنا في حرب لبنان الثانية في العام 2006. وأن نظهر أنهم، خلافا للعالم العربي، لا يتحدثون وحسب وإنما يفعلون أيضا".

وأضاف هداس أن "مصلحة إسرائيل كانت تقضي بمحاولة تطوير العلاقات مع دول الخليج. وسأركز على عمان وقطر والإمارات المتحدة والبحرين. أولا، وجهت إسرائيل الرغبة في توسيع دائرة علاقاتها، وخصوصا في الشرق الأوسط. وكانت هذه الدول ترغب في ذلك، لزيادة تأثيرها، بينما الموضوع الفلسطيني لم يكن في مركز اهتمامها. وكان في مركز اهتمامها القيام بأعمال تجارية والعيش بسلام، وهذا ليس الوضع اليوم، وبين أسباب ذلك ظاهرة [قناة] الجزيرة التي تحضر الأحداث والمشاكل إلى كل بيت".

وتابع أن "المصلحة الثانية كانت اقتصادية. وفي هذه المسألة فإن هذا الاحتمال كان بعيد التحقق لعدة أسباب بينها الاستخفاف الإسرائيلي بأنه ’نحن نعرف كل شيء، ومن نحن ومن هم’. والأمر الأبرز في هذا السياق هو قضية صفقة الغاز، التي لم تخرج إلى حيز التنفيذ، مع قطر في سنوات التسعين". وذكر هداس أن لإسرائيل كانت مصلحة ثالثة تتعلق بدفع عملية سلام من خلال التركيز على المسار الإقليمي.

ورأى هداس أنه كانت هناك مصلحة سياسية لدول الخليج العربية، واستقلالها عن السعودية. وكانت قطر أول الدول التي تحدت السعودية وتبعتها عمان، التي عادت وقلصت نشاطها السياسي. وبعد ذلك بادرت الإمارات العربية إلى الاستقلال السياسي. وأضاف أن "إسرائيل كانت بالنسبة لهذه الدول موضوعا يمكن التعلق به. فإذا أرادوا تحدّي السعودية أو مصر أو القيادة التقليدية للعالم العربي، فإن إسرائيل هي موضوع جيد. ولذلك فإنه من المجدي إجراء محادثات مع مندوبين إسرائيليين. وهذه القاعدة صحيحة بشكل خاص بالنسبة لقطر".

وأضاف أن "العامل الثاني للعلاقة مع إسرائيل هو الولايات المتحدة. فالعلاقات مع الولايات المتحدة تمر عبر إسرائيل... لكن الذروة في تقويم تأثير إسرائيل كان قبل عدة سنوات عندما أرادت دول الخليج إرسال رسائل تتعلق بإيران. فقد اعتقدت أن الإدارة الأميركية لا تفهم خطوات إيران بالشكل الصحيح، وعندها توجهت إلى البعثة الإسرائيلية من أجل تمرير رسائل إلى الولايات المتحدة بواسطة إسرائيل".

وتابع هداس أنه "اتضح فعلا أن التقويمات التي مررتها (دول الخليج) كانت دقيقة. ولن أكشف سرا بقولي إن إحدى الوثائق الأولى التي كشفها ’ويكيليكس’ تحدثت عن أني قلت للأميركيين كيف تنظر دول الخليج إلى الولايات المتحدة وإيران. وخلاصة القول إنه عندما نتحدث عن علاقات إسرائيل والخليج، فإن المقصود ليس العلاقات الثنائية، مثل إسرائيل – عمان، وإسرائيل – قطر، وإنما يوجد هنا مثلث، وفي جميع الأحوال تتواجد الولايات المتحدة في رأس المثلث. فعلى سبيل المثال، عندما يكون هناك غضب لدى الإدارة الأميركية على قطر فإن هؤلاء يعتقدون أنه من أجل إرضاء الإدارة يمكن تقديم بادرة نية حسنة تجاه إسرائيل. وفي الفترة الأخيرة يوجد ما يشبه ’شهر عسل’ بين الولايات المتحدة وقطر، في أعقاب ’الربيع العربي، وستظهر الأيام إلى متى ستستمر هذه العلاقة".