تعريف: صدر مؤخرًا عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" (القدس) كتاب جديد بعنوان "الفساد السياسي في إسرائيل" من تأليف د. دورون نافوت، الحلاضر في دائرة الحكم والفكر السياسي في كلية العلوم السياسية في جامعة حيفا، والباحث في "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية".

تعريف: صدر مؤخرًا عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" (القدس) كتاب جديد بعنوان "الفساد السياسي في إسرائيل" من تأليف د. دورون نافوت، المحاضر في دائرة الحكم والفكر السياسي في كلية العلوم السياسية في جامعة حيفا، والباحث في "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية".

ويحلل هذا الكتاب قضايا الفساد الكبرى في زعامة الحكم والسلطة في إسرائيل منذ قيامها وحتى الآن، وذلك من خلال الدمج بين البحث النظري والبحث المقارن، وبين عرض معطيات لم تنشر من قبل. وينطلق الكتاب من إدعاء مركزي مؤداه أن الفساد تحوّل إلى ظاهرة مركزية في السياسة الإسرائيلية العامة، وأن التغييرات التي أحدثتها النخب السياسية والاقتصادية الإسرائيلية منذ ثمانينيات القرن العشرين الماضي غيرت وجه الظاهرة وتجلياتها المختلفة، مشيرا إلى أن إسرائيل تشهد في الأعوام الأخيرة تجاذبا حادا حول جودة السياسة والحكم، ومن ضمن ذلك حول مسألة ما يعنيه الفساد السياسي.

وننشر هنا مقاطع من مقدمة المؤلف:

في مطلع العام 2007 نشرت مقابلة مع رئيس المحكمة الإسرائيلية العليا الأسبق، القاضي أهارون باراك، سئل فيها من ضمن جملة ما سئل: "ما هو شعورك تجاه مستوى الفساد في الدولة؟".

وقد أجاب باراك بما يلي:

"لا أعرف. ليست لدي معطيات كافية كي أقدم إجابة ملائمة على سؤال يتعلق بموضوع الفساد في إسرائيل، سواء إن كان قد ازداد أو تقلص، وكيف يبدو وضعنا (على صعيد الفساد) مقارنة مع أمم وشعوب العالم. لكن من الواضح لي أنه يوجد لدينا فساد عام... وإذا كان الاختبار هو اختبار الشعور، فإنني أستطيع القول بالتأكيد إن الشعور سيء وقاس جدًا. لكنني لا أعتمد على الشعور وإنما أقرر بناء على المعطيات. من هنا لا أريد القول إنه يوجد، أو لا يوجد (فساد)، كما أنني لا أريد أن أظهر كمن يدافع عن الوضع القائم، فهذا ليس مجال اختصاصي".

وفي شباط 2008، كتب الحائز على جائزة إسرائيل للصحافة ناحوم برنياع ما يلي:

سألت ذات مرة محافظ بنك إسرائيل المركزي عما إذا كان لدينا فساد أكثر من غيرنا؟ فقال: "لا أعرف". فسألته: إذن كيف يعرف أولئك الذين ينشرون المؤشرات في هذا الشأن؟ فقال "هذا ما يقرأونه في الصحف. من الصعب علي التحدث عن هذا الموضوع بصورة جادة، لكن يبدو أن الأمر سهل بالنسبة للآخرين".

حتى الآن، بعد مرور حوالي أربعة أعوام على هذا الحديث، ما زال السؤال حول وضع الفساد في إسرائيل من دون إجابة.

في البداية لا بد من الإشارة إلى أنه لا يوجد حاليا إجماع حتى فيما يتعلق بأسئلة من قبيل: ما هو الفساد السياسي؟ وما هو مدى فساد السياسة في إسرائيل؟ وما هي الأسباب والعوامل التي وقفت وراء كثرة قضايا الفساد في تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الثانية؟ وما الذي يمكن عمله من أجل تقليص حجم الفساد؟.

من جهة أخرى، فقد عبرت أغلبية الجمهور الإسرائيلي بشكل واضح عن عدم ثقتها بالسياسيين والمؤسسات السياسية الإسرائيلية، واعتبرت أن إسرائيل دولة فاسدة.

ففي استطلاع أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" في مطلع العام 2007، أعرب 75% من المشمولين في الاستطلاع عن اعتقادهم بأنه يوجد في إسرائيل فساد بدرجة كبيرة، فيما قال 18% إنه يوجد فساد بدرجة معينة، وقال 6% إن هناك فسادا بدرجة قليلة، ورأى 1% فقط أنه لا يوجد فساد نهائيا في إسرائيل.

وفي العام 2008 كانت المعطيات مشابهة، حيث أعرب 60% عن اعتقادهم بوجود فساد بدرجة كبيرة، وقال 30% إنه يوجد فساد بدرجة معينة، بينما اعتقد 9% أن هناك فسادا بدرجة قليلة، واعتقد 1% أنه لا وجود نهائيا للفساد في إسرائيل.

ورداً على سؤال وجه في نطاق استطلاع العام 2008 قال 21% إنهم يوافقون بالتأكيد على الرأي القائل إن "من يريد الوصول إلى القيادة السياسية في إسرائيل يجب أن يكون فاسداً"، وقال 23% إنهم يتفقون مع هذا الرأي، وأبدى 17% تردداً وشكا تجاه الأمر، فيما قال 21% إنهم لا يوافقون على هذا الادعاء، وقال 18% إنهم "بالتأكيد لا يوافقون".

في العام 2009 أيضًا عكست الإجابات تشاؤما أكبر في هذا الصدد. وردًا على سؤال: "هل تعتقد أنه يوجد، أو لا يوجد، فساد في إسرائيل؟" أجاب 37% من المشمولين في استطلاع العام 2009، بأن هناك فسادا بدرجة كبيرة للغاية، وقال 52% أنه يوجد فساد بدرجة كبيرة جداً.

وأظهرت نتائج استطلاعين آخرين أجريا في حزيران 2009 ونيسان 2010 على عينة ممثلة للسكان اليهود البالغين أن أغلبية المشتركين في العينة تعتقد أن الفساد ظاهرة متفشية في إسرائيل وأن تدهورا قد طرأ على هذا الصعيد. ففي استطلاع نيسان 2010 أعرب 6ر68% عن اعتقادهم بأن إسرائيل أصبحت أكثر فساداً، أو أكثر فساداً بكثير من السابق. كذلك أعرب 64% عن اعتقادهم بأن أعمال الفساد منتشرة في إسرائيل بدرجة كبيرة إلى كبيرة جدًا. وقد كانت هذه المعطيات مماثلة تقريبا للمعطيات التي جمعت في استطلاع حزيران 2009.

وثمة كثيرون يرفضون تقديرات من هذا النوع، وينتقدون بشدة طريقة تناول ومعالجة المسألة في الخطاب العام الإسرائيلي. ويرى آخرون أن الانشغال في موضوع الفساد مرتبط بميول مناوئة للسياسة وأن ذلك يقوض الديمقراطية، فيما يعتقد قسم ثالث أن دافع الانشغال في هذا الموضوع يكمن في مزيج من قصر نظر وحسد ووجهة نظر وأيديولوجيا مغلوطتين.

في المقابل، يتضح وفقا لـ "مؤشر مفاهيم الفساد"، الذي يعتبر مقياسا عالميا رائجا (تنشره سنويا "منظمة الشفافية الدولية") لتقدير حجم وأبعاد الفساد السياسي، أن وضع إسرائيل ليس بارزا أو مميزا على هذا الصعيد، سواء لجهة السلب أو الإيجاب. فقد حصلت إسرائيل في هذا المؤشر، في العام 2010، على علامة 1ر6 (في سلم من 1- 10، علما أن الأخيرة - 10- هي العلامة الأفضل)، إذ جاء ترتيبها في المكان 30-31 من بين 178 دولة، ولكن عند مقارنة وضع إسرائيل مع الدول المتقدمة نجد أن الصورة معاكسة، إذا أن وضع 82% بين 40 دولة متقدمة أفضل من وضع إسرائيل على هذا الصعيد.

هل يمكن تقليص الفساد السلطوي؟

السؤال المركزي الموجه لهذا المشروع البحثي بأكمله هو:

هل يمكن تقليص الفساد السلطوي في إسرائيل بشكل ديمقراطي؟ بمعنى هل يمكن القيام بذلك من دون وضع القوة السياسية في أيد خاصة بصورة تضر بالصالح العام وبالمواطنين، وهل يمكن القيام بذلك من دون المس بسلطة القانون؟.

وفقا للتقدير الذي انطلقنا منه في بحثنا هناك عدة بؤر فساد خطيرة في إسرائيل، ينبغي ويمكن العمل على تقليصها سواء من ناحية سلطة القانون، أو من ناحية النظريات الديمقراطية المعاصرة. أي أنه يمكن ويجب تقليص الفساد السلطوي في إسرائيل من دون المس بعمليات ديمقراطية حيوية.

أحد الأسئلة الرئيسة التي عالجها البحث أيضا، يدور حول ما إذا كان الشعور القاسي الذي يعتري الجمهور الإسرائيلي فيما يتعلق بوضع الفساد، ينبع بالأساس من تدهور في سلوك موظفي الدولة؟. ونظرا لصعوبة التوصل إلى استنتاج قاطع في هذه المسألة الشائكة، فقد وجدنا أن من الأسلم التصدي بداية لسؤالين أقل صعوبة: أولا، هل لعب الاستخدام الفاسد للقوة والسلطة دورا مركزيا في أحداث وسيرورات سياسية- تاريخية، وهل أثر ذلك على تطور السياسة الإسرائيلية؟ وثانيا، هل يمكن الإشارة إلى اتجاهات محددة في تطور الفساد؟.

وفقا للاستنتاج الأول الذي خلصنا إليه في هذا السياق فإن الاستخدام الفاسد للنفوذ السلطوي كان دائما مكونا ملموسا في السياسة الإسرائيلية. ثانيا، إن الفساد السلطوي تطور تبعا للتغيرات السياسية وأثر عليها، بمعنى أن الفساد أثر على مبنى القوة في المجتمع وتأثر به. ثالثا، لقد تطورت في إسرائيل خلال العقدين الأخيرين عدة نماذج وأنماط من الفساد، بعضها ما زال في منحى التصاعد، وبعضها الآخر في اتجاه الانحسار والتحسن. رابعا، وجدنا أن بعض أنماط الفساد مرتبط بشكل مباشر باتجاه الليبرالية الاقتصادية والمس بحيز الحياة العامة مما يشكل خطرا حقيقيا على الديمقراطية الإسرائيلية، هذا فيما يرتبط قسم آخر من أنماط الفساد بمحاولات إعادة تنظيم العلاقات مع الفلسطينيين من دون توفر دعم سياسي كاف. وثمة قسم آخر مرتبط بخصومات بين قادة وزعماء الأحزاب الكبيرة، وبطرق الانتخابات داخل الأحزاب. خامسا، لاحظنا في سياق البحث أن زيادة ملموسة قد طرأت على حجم رشاوى الفساد التي تلقاها مسؤولون كبار في الفترة الممتدة بين عامي 2001- 2005، وذلك نتيجة للتأثيرات السلبية الناجمة عن قانون الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة والانتخابات التمهيدية (البرايمريز) داخل الأحزاب.

أخيرا، على الرغم من أنه جرى حتى الآن كبح التدهور نحو نظام أوليغاركي شبه ديمقراطي، إلا أنه ليس من الواضح بعد في أي منحى تتجه الأمور، وذلك لأن مكافحة أنماط الفساد لا تقاد من جانب المستوى المنتخب أو من جانب عناصر وجهات تتمتع بمكانة سياسية قوية وراسخة، وثانيا بسبب وقوف أشخاص يتمتعون بنفوذ هائل حائلا وعقبة في طريق محاربة الفساد.

نظرة على محتويات الكتاب

هذا وقد جمعت فصول الكتاب في أربعة أجزاء رئيسة.

وقد تضمن الجزء الأول الفصلين الأول والثاني، اللذين خصصا لعرض الإطارين النظري والتحليلي الموجهين للبحث والإدعاء المركزي المتعلق بتفسير تطور الفساد السياسي في إسرائيل من منطلق نقدي.

ويستعرض الجزء الثاني، الذي تضمن خمسة فصول (من الثالث إلى السابع)، قضايا فساد سياسي كبرى (في إسرائيل) وفق تسلسلها الزمني.

ويركز الفصل الثالث على الفساد السياسي في "عهد الهيمنة" و"ما بعد الهيمنة"، وهي السنوات التي تزعم فيها حزب "مباي" وتوابعه الحكومة، مستعرضا قضايا فساد حدثت خلال الفترة بين الأعوام 1949- 1977.

ويركز الفصل الرابع على فترة حكومة الليكود الأولى بزعامة مناحيم بيغن خلال الأعوام 1977-1983، وهي أعوام الانتقال من عهد "ما بعد الهيمنة" إلى العهد الليبرالي، وفقا لما جاء في مقدمة الكتاب.

ويتناول الفصل الخامس الفساد السياسي في الفترة الممتدة بين عامي 1985- 1995، مشيرا إلى أن هذه الفترة شهدت تغييرات في العلاقات بين السلطة وبين مجموعات سكانية مختلفة في المجتمع الإسرائيلي، أدت بدورها إلى تغيير في نوعية أنماط الفساد، وظهور أنماط جديدة.

الفصل السادس يتناول فترة الحكومة الأولى لبنيامين نتنياهو باعتباره أول رئيس حكومة انتخب بطريقة الانتخاب المباشر، ويبين هذا الجزء كيف أثرت العلاقات العكرة بين رئيس الحكومة وبين النخب السياسية والاقتصادية على سلوك وأداء رئيس الحكومة (نتنياهو) وكذلك على محاربة الفساد.

ومع أن الفصل السابع يبدأ بهزيمة نتنياهو أمام إيهود باراك في انتخابات العام 1999، إلا أنه يبحث بشكل رئيس في الفساد السياسي في فترة حكم أريئيل شارون، مبينا كيف أثرت المكانة الخاصة التي تمتع بها شارون، وما علق عليه من آمال من قبل فئات مختلفة في صفوف الجمهور الإسرائيلي، على حجم ومستويات الفساد. ويتطرق هذا الفصل إلى قضايا الفساد التي تورط فيها إيهود أولمرت الذي أصبح فيما بعد مقربا جداً من شارون ومن ثم بات خلفا له في رئاسة الحكومة.

أما الجزءان الثالث والرابع من الكتاب، فقد تضمن كل منهما فصلا واحدًا فقط، حيث كرس الفصل الثامن في الجزء الثالث لبحث واستعراض الفساد في الحكم المحلي، فيما تضمن الفصل التاسع (في الجزء الرابع والأخير من الكتاب) تلخيصا للمعطيات، وتوصيات للحد من الأنماط والنماذج السلطوية الفاسدة.