ما هو سبب اهتمام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بأوضاع المسلمين في إسرائيل وأوضاع مساجدهم، كما انعكس (الاهتمام) في الخطاب الذي ألقاه أردوغان يوم الثامن من أيار الجاري ووجّه خلاله انتقادات حادة للحكومة الإسرائيلية وسياستها، وخصوصا في سياق الحديث عن ممارساتها في المسجد الأقصى المبارك وعن "قانون منع الأذان" الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى؟

 

سبب هذا الاهتمام هو "ببساطة شديدة: الأموال التركية التي تموّل النشاطات الإسلامية المتطرفة في داخل إسرائيل"!! حسبما يعلن عكيفا بيغمان، رئيس تحرير موقع "ميداه" الإسرائيلي، اليميني المتشدد، في مقال خصصه لهذا "الموضوع" ونُشر في الموقع المذكور (يوم 9 الجاري) تحت عنوان "الأموال التركية التي تحرّض عرب إسرائيل"!

يرى بيغمان أن الحديث يجري هنا عن "موضوع لم يحظ، حتى اليوم، بالتغطية والمتابعة في إسرائيل، وهو منظومة التمويل التابعة للحركة الإسلامية الإسرائيلية، وخصوصا الجناح الشمالي برئاسة الشيخ المتطرف والمحرِّض رائد صلاح... وهي منظومة مرتبطة، بروابط وثيقة، بجمعيات تركية".

"مراقب ومتابع"!
يقتبس بيغمان مما يقول إن باحثا فلسطينيا من النقب يدعي عاطف أبو عجاج كتبه في إطار دراسة أكاديمية أجراها حول الحركة الإسلامية في النقب، فيقول: "شبكة العلاقات المتشعبة التي نجح الجناح الشمالي بإقامتها وتكريسها مع القيادة الإسلامية العالمية أنشأت قاعدة متينة من صناديق الدعم الثابتة. هذه الشبكة أقيمت بفضل نشاط الشيخ رائد صلاح الذي استطاع، خلال السنوات الماضية، تحويل الجناح الشمالي إلى أداة مركزية مقبولة لدى الصناديق الداعمة من خارج البلاد".

ويضيف بيغمان إن أبو عجاج "لا يقدم تفاصيل حول هوية تلك الصناديق وماهيتها"، لكن بيغمان نفسه نجح في العثور على "بعض التفاصيل" من خلال "مراقبتي ومتابعتي لنشاط الحركة الإسلامية في النقب"، كما يقول! ويوضح أن "المعطيات التي سأعرضها هنا ليست، كما يبدو، سوى طرف صغير جداً من الكتلة الجليدية الهائلة المتمثلة في التمويل الإسلامي في إسرائيل".

في البحث عن دراسة عاطف أبو عجاج المذكورة على شبكة الانترنت، وجدنا أن بيغمان هذا "متخصص" في الكتابة التحريضية ضد الحركة الإسلامية خاصة، وضد أهالي النقب عامة. فقد أجرى مقابلة مع أبو عجاج نُشرت في موقع "ميداه" نفسه يوم 11/4/2013، مع إشارة إلى أن تلك المقابلة "جاءت استمرارا للتحقيق الذي أجراه موقع ميداه حول الدور المكثف الذي يقوم به الجناح الشمالي من الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح في مجال البناء غير القانوني في النقب"!

في المقابلة إياها، يقول أبو عجاج إن "الحركة الإسلامية، وخاصة الجناح الشمالي، تجمع أموالا من خارج البلاد، في دول الخليج ودول إسلامية أخرى. فرائد صلاح يتمتع بعلاقات عامة ممتازة في العالم العربي. يصفونه هناك بأنه معارض للنظام ويصوّرونه بينما يتم اقتياده إلى المحكمة وسط صدام مع ممثلي الأجهزة الرسمية، وخاصة على ضوء الرسالة والمواقف الواضحة التي يبثها الجناح الشمالي في مسألتي الانتخابات للكنيست والمسجد الأقصى".

أما "التحقيق الصحفي" المشار إليه، فهو الذي أجراه بيغمان نفسه ونُشر في موقع "ميداه" أيضا في اليوم نفسه الذي نُشرت فيه المقابلة مع أبو عجاج (11/4/2013)، تحت عنوان: "الحركة الإسلامية تبني على النقب"، ثم جاء في العنوان الفرعي أن "الجناح الشمالي" ينظم نشاطات واسعة في النقب "تشمل، ضمن ما تشمل، حملات بناء غير قانوني واسعة النطاق". ويشير معدّ التحقيق، في مستهله، إلى تقرير كان نشره قبل ذلك بأيام (في 24/3/2013، على الموقع نفسه) تحت عنوان "الحركة الإسلامية والبدو يستغلون الفصح للبناء المكثف"، وورد فيه: "للسنة الثامنة على التوالي، ينظم الجناح الشمالي في الحركة الإسلامية حملات بناء واسعة النطاق تشمل غالبية بلدات البدو في النقب، بهدف تعزيز التضامن بين عرب الجليل والمثلث وبين إخوتهم غير الأشقاء من الصحراء"!

مساجد، أئمة ومجموعات لتعليم القرآن
يذهب بيغمان، في مقالته الحالية، إلى البحث عن مؤسسات وجهات تركية "توظف أموالا طائلة في إسرائيل"، حسب وصفه، فيجد بينها جمعية تدعى "يد بيد"، أقيمت في أنقره في العام 2012 "من أجل التخفيف عن سكان المناطق التي احتلتها إسرائيل في العام 1948"، كما قرأ بيغمان في موقع هذه المنظمة على الشبكة. وقرأ، أيضا، أن نشاطها يتركز، أساسا، في "مشاريع محلية في مجالات: المدارس، التربية الاجتماعية، الصحة، تعلّم وحفظ القرآن"، حسبما ترجم بيغمان عن التركية مستعيناً بـ"مترجم غوغل"، كما ينوه.

يفيد موقع جمعية "يد بيد"، كما يقول بيغمان، بأنها "ضالعة جدا بما يجري في إسرائيل: فهي تموّل دورات استكمال واسعة للمعلمين في مجال تعليم القرآن، تدعم نشاطات لتعزيز التواجد في المسجد الأقصى وغيره من الأماكن المقدسة وتساعد في تشكيلة واسعة من الفعاليات التربوية والثقافية". ويلاحظ أن "المعلومات على موقع هذه المنظمة قديمة بعض الشيء، لكن صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تبين أن الجمعية لا تزال فعالة اليوم أيضا وتواصل تنفيذ نشاطات غير قليلة".

أحد المشروعات المركزية التي تتكفل هذه الجمعية التركية بتمويلها، حسبما يكتب بيغمان، هو ترميم وإعادة تصميم مساجد في مختلف أنحاء إسرائيل، "تتعرض لاعتداءات مختلفة، منذ نكبة 1948 وحتى اليوم... فقد تم هدم وتدمير مساجد ومقابر عديدة"، كما ينقل بيغمان عن موقع المنظمة ويضيف: "الملف الذي يتضمن تفاصيل تكاليف هذا المشروع اختفى عن موقع المنظمة، لكن يمكن التقدير بأن الحديث يجري عن مبالغ طائلة جدا".

في إطار الدعم الذي تقدمه، تتكفل جمعية "يد بيد" التركية، أيضا، بتمويل الرحلات والجولات التي ينظمها "الجناح الشمالي" في الحركة الإسلامية إلى المسجد الأقصى في القدس و إلى مواقع دينية أخرى، بهدف "تعميق انخراط عرب إسرائيل في النضال من أجل المسجد الأقصى وغيره من الأماكن المقدسة". وضمن دعمها للمساجد في إسرائيل، رصدت هذه الجمعية أيضا مبلغ 620 ألف يورو لصيانة وشراء معدات خاصة بالمسجد الكبير في مدينة اللد "التي كان المسلمون يشكلون 90% من سكانها حتى العام 1948، بينما تتعرض اليوم للتهويد بتوطين المهاجرين الروس فيها"، كما ورد في موقع الجمعية، طبقا لما ترجمه بيغمان.

إضافة إلى ذلك ـ يضيف بيغمان ـ تخصص جمعية "يد بيد" مبالغ كبيرة جدا لفعاليات مختلفة في مجال "التربية الإسلامية"، إذ تدعم، على سبيل المثال، جمعية أخرى (تركية) تتكفل بتمويل رواتب 400 إمام في مساجد مختلفة في قرى ومدن عربية في جميع أنحاء إسرائيل، علما بأن راتب الإمام الواحد من هؤلاء يبلغ 2,175 دولارا، ما يعني تكلفة إجمالية تبلغ 93,500 دولار في الشهر الواحد.

يلاحظ بيغمان أن جمعية "يد بيد" التركية تفاخر بأنها "تموّل تعليم القرآن" وبأن أكثر من 10,000 تلميذ، من مختلف الأعمار والمستويات، قد شاركوا في هذه الدورات. وتنشر الجمعية على موقعها وثيقة تفصيلية بهذا المشروع وتكلفته التي تبلغ 53,519 يورو لكل 100 طالب، أي 535 يورو لكل طالب. ويشمل هذا المبلغ أجرة القاعة التعليمية، وجبات ساخنة للتلاميذ، أجرة المعلمين، اللباس الخاص والموحد، الإدارة وغيرها. ويستنتج بيغان إنه إذا كان هذا المشروع قد شمل 10,000 طالب، حقا، فمعنى ذلك أن تكلفته الإجمالية زادت عن 5,530,000 يورو. وإلى جانب هذا، تمول الجمعية أيضا تأهيل معلمين خصوصيين لتعليم القرآن في مجموعات تعليمية صغيرة (5-7 طلاب في المجموعة الواحدة) وتدفع لهم أجرة بمبلغ 120 يورو في الشهر لكل معلم. وإذا كان يشارك في هذا المشروع 70 معلما، حسب ما ينقل بيغمان عن موقع الجمعية، فمعنى ذلك أن التكلفة الإجمالية لأجور هؤلاء المعلمين هي 100,800 يورو في الشهر الواحد.

الجامعات والنقب "غير القانوني"!
يشمل الدعم المالي التركي، كما يقول بيغمان، طلاب الجامعات ممن ينتمون إلى الجناح الشمالي من الحركة الإسلامية، إذ تموّل جمعية "يد بيد" التركية جميع نشاطات جمعية "اقرأ" الطلابية في الجامعات، علاوة على مساعدة هؤلاء الطلاب في تمويل رسوم التعليم الجامعي بمبلغ 2,600 يورو لكل طالب، إضافة إلى مصروف جيب شخصي شهري لكل منهم. ويشارك هؤلاء الطلاب في دورات تحضيرية خاصة تساعدهم على الانتقال من قراهم ومدنهم إلى مساكن الطلبة في الجامعات، كما تنظـَّم لهم زيارات جماعية خاصة إلى المسجد الأقصى. وتبلغ تكلفة هذا المشروع نحو 200 ألف يورو لـ 180 طالباً في الشهر (وهذا لا يشمل أقساط التعليم الجامعي).

ويعيد بيغمان التذكير بما كان كتبه في مقال سابق نشره في الموقع نفسه (ميداه) في 10/7/2013 بعنوان "المال التركي والنقب غير القانوني ـ هكذا تُستخدم الأموال التركية لتنفيذ أعمال البناء غير القانوني لدى البدو في النقب، برعاية تنظيمات فرعية تابعة للجناح الشمالي في الحركة الإسلامية". وكان قد ادعى هناك أن جمعية "يد بيد" التركية تنشط بصورة حثيثة في منطقة النقب "بهدف نشر وتعميق الأسلمة بين البدو وتجنيدهم لتبني رواية "النكبة" التي يطرحها عرب إسرائيل"! وأضاف أن هذه الجمعية "تنشط في النقب في ثلاثة مشاريع مركزية هي: توفير الطاقة الشمسية للقرى غير القانونية (هكذا يسمي هذا الكاتب القرى العربية غير المعترف بها رسميا في النقب، أي التي ترفض السلطات الإسرائيلية الرسمية الاعتراف بها كتجمعات سكانية، مما يحرمها من مقومات الحياة والخدمات الأساسية، مثل الماء والكهرباء وغيرها)؛ "بيت في النقب" لدعم البناء في هذه القرى "غير القانونية"؛ و"مياه في القرية" لتوفير المياه لأهالي تلك القرى.

في إطار هذه المشاريع، دعمت الجمعية التركية أيضا معركة أهالي النقب العرب ضد "مخطط برافر" السلطوي الذي استهدف ترحيل عشرات الآلاف منهم عن أراضيهم.

وقبل أن يختم مقالته هذه، ينوه بيغمان إلى أنه يمكن الاستدلال على حجم الدعم المالي الذي تقدمه جمعية "يد بيد" التركية من حقيقة أنها سعت إلى تجنيد 7,2 مليون يورو من أجل تمويل إقامة مركز "النور" الطبي في مدينة أم الفحم، مع الإشارة إلى أن جميع التبرعات التي تقدمها هذه الجمعية تصل إلى جمعيات مسجلة في إسرائيل وتعمل بصورة قانونية وعلنية (يمكن التعرف على بعضها من موقع الجمعية التركية نفسها، بما في ذلك تفاصيل عديدة عنها).

وفي الختام، يقول بيغمان إن كل ما ساقه أعلاه لا يزيد عن كونه "عرضاً جزئياً فقط للنشاط التركي في إسرائيل، والذي يتركز في تقوية وتعميق الإسلام ودعم الأماكن المقدسة له وفي تشجيع عرب إسرائيل على الانفصال عن مؤسسات الدولة، طبقا للإيديولوجية المتطرفة التي يتبناها الشيخ رائد صلاح"! ثم يعتبر الموضوع برمّته "جانبا من جوانب العلاقات الإسرائيلية ـ التركية وهو أوسع وأكثر تشعبا مما يبدو، ولذلك فهو يثير أسئلة كثيرة: ما هي حصة الحكومة التركية من هذه التبرعات؟ هل تشارك في التمويل المباشر، أم تؤثر على توجيه الأموال؟ هل لهذه الجمعيات علاقات مع تنظيمات إشكالية، مثل "هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات" التركية (IHH) التي وقفت وراء سفينة "مرمرة" إلى قطاع غزة؟ وهل من المحتمل، مثلا، أنه يتم عبر تركيا تحويل أموال من دول إسلامية أخرى لا توجد علاقات دبلوماسية لها مع إسرائيل؟"!!

ويشير بيغمان إلى أن "الإجابة عن هذه الأسئلة تفوق قدراتنا ومواردنا في المرحلة الحالية، لكن ـ كما أوضحنا في الماضي ـ تركيا تمارس نشاطا مماثلا في أوروبا منذ سنوات طويلة، بغية تجنيد مؤيدين وتأثير لها هناك بواسطة شبكات المساجد والتربية الإسلامية بين المهاجرين في تلك الدول!". وأيا تكن الإجابة، فإن "الحقائق، على أية حال، واضحة تماما: ثمة جهات تركية تتدخل في أمور إسرائيل الداخلية وتمارس تأثيرا على عرب إسرائيل أكثر بكثير مما هو معروف ومما يبدو على السطح. فأردوغان يطمح لأن يكون سلطان المسلمين الجديد ولتذهب سيادة اليهود إلى الجحيم".