"جنوب تل أبيب ينهار: المتسللون أصبحوا أغلبية؛ 62% من الإسرائيليين يخافون الخروج من منازلهم"!- تحت هذا العنوان التحريضي الصارخ، نشر موقع "ميداه" الإسرائيلي اليميني مؤخرا تقريرا موسعا عن اللاجئين الأفارقة في إسرائيل والذين يعيش كثيرون منهم في الأحياء الجنوبية من مدينة تل أبيب، وهو ما تعتبره أوساط اليمين في إسرائيل "برميل بارود" أصبح "قاب قوسين وأدنى من الاشتعال الذي سيليه الانفجار الكبير"!

ويستهل الموقع التقرير بالإشارة إلى "معطيات جديدة تكشف عمق القصور (من جانب سلطات الدولة المختلفة وأذرعها المختصة) ومدى خطورته: جهازا التعليم والرفاه على شفا الانهيار؛ مواطنون إسرائيليون (أي يهود) يهجرون الأحياء والمنطقة (جنوب تل أبيب) برمّتها أصبحت منطقة معادية خارج نطاق الدولة"!

يطلق التقرير على هؤلاء المهاجرين من بلدان أفريقية "الاسم" الذي تستخدمه أوساط واسعة جدا من المجتمع الإسرائيلي، وخاصة من الجناح اليميني، لتعريف هؤلاء وهو: "المتسللون". وهي الصفة التي أطلقتها إسرائيل بُعيد إنشائها على اللاجئين الفلسطينيين المهجرّين إبان النكبة الذين كانوا يحاولون العودة إلى وطنهم وبيوتهم وقراهم في أعقاب اتفاقيات وقف النار (الهدنة) في العام 1949.

ومن المعروف أن فئات واسعة في المجتمع اليهودي، يقودها ويحرضها نشطاء سياسيون ـ حزبيون من اليمين الإسرائيلي، تعارض وجود هؤلاء المهاجرين في إسرائيل وبين سكانها اليهود وتسعى من أجل إخراجهم من هناك وطردهم من البلاد. وفي الأحياء الجنوبية من تل أبيب، تحديدا، ينشط تنظيم يطلق على نفسه اسم "الجبهة لإنقاذ جنوب تل أبيب".

وقد بدأت هذه التحركات "الشعبية" بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية، في أيلول 2014، بإلغاء "قانون المتسللين" الذي سنّه الكنيست الإسرائيلي. وكانت تلك المرة الثانية التي تقضي فيها المحكمة العليا بعدم دستورية "قانون المتسللين" هذا. ففي حزيران من العام 2012، بدأ سريان مفعول هذا القانون بصيغته الأولى كما أقرها الكنيست في كانون الثاني من العام نفسه. وكانت تلك الصيغة بمثابة تعديل (أول) على "قانون منع التسلل" الإسرائيلي الذي أقره الكنيست الإسرائيلي في 16 آب من العام 1954 لمحاربة ما كانت تطلق عليه إسرائيل آنذاك اسم "المتسللين" الفلسطينيين، من خلال رفع درجة خطورة "مخالفة التسلل" في التدريج الجنائي الإسرائيلي ومن خلال إنشاء جهاز قضائي عسكري خاص يستطيع محاكمة "المتسللين" بأقصى السرعة الممكنة.

في أعقاب قرار المحكمة العليا المذكور، وتنفيذا له، اضطرت السلطات الحكومية في إسرائيل إلى إطلاق سراح 2200 لاجئ أفريقي كانت تعتقلهم في مركز "حولوت" في جنوب البلاد، إضافة إلى إطلاق سراح 500 آخرين من اللاجئين كانوا معتقلين في معتقل "سهرونيم". وتشير معطيات إسرائيلية رسمية إلى أن عدد هؤلاء اللاجئين يبلغ نحو 60 ألف إنسان، غالبيتهم الساحقة من أريتريا والسودان، ممن لا تستطيع إسرائيل طردهم بصورة رسمية، لما في ذلك من خرق للقانون الدولي ولاتفاقية حماية الأسرى، التي وقعت عليها إسرائيل. ولأن الأمر كذلك، فهي تلجأ إلى ممارسة الضغوط الشديدة والمختلفة عليهم (السجن، الاعتقال الإداري، التحريض الدموي ضدهم وحرمانهم من أبسط الخدمات وأكثرها حيوية) لإكراههم على المغادرة "بصورة طوعية واختيارية" (!!) – وهو ما نجحت في تحقيقه مع آلاف من هؤلاء اللاجئين الذين غادروا إسرائيل، فعلا.

"المدينة العبرية الأولى تفقد طابعها"!

يقول تقرير موقع "ميداه" إن "سكان جنوب تل أبيب" (المقصود السكان اليهود) تعرضوا في الأسابيع الأخيرة إلى موجات من العنف، الكلامي والجسدي، من جانب "متسللين أفارقة"، أطلق اللاجئون خلالها سيلاً من الشتائم لدولة إسرائيل وشرطتها ومواطنيها، مثل: "هذه الشرطة هي داعش"، "دولتكم مقرفة"، "هذه ليست دولتكم"، "أنتم مهاجرون"، بل كان بين أبناء المهاجرين من عبر عن "الشكر الجزيل لهتلر وللنازيين"! ويضيف التقرير أن رجال الواحدات الخاصة في الشرطة الإسرائيلية الذين حضروا إلى المكان لتهدئة الأوضاع وإعادة النظام "قوبلوا بوابل من الحجارة من جانب المشاغبين الأفارقة".

كما يتحدث التقرير عن "حالات الاغتصاب الوحشية العديدة، الاستفزازات الجماهيرية والشتائم التي تعمق الشعور بأن الجزء الجنوبي من المدينة العبرية الأولى (تل أبيب) يفقد طابعه الإسرائيلي ويتحول إلى بيت للمتسللين الأجانب". ويستعين بوثيقة يقول إنها صادرة عن "مركز الأبحاث والمعلومات" في الكنيست تحت عنوان "وجود المتسللين في أحياء جنوب تل أبيب". وهذه الوثيقة، التي صدرت في حزيران الأخير، "تؤكد أن الأمر ليس مجرد أحاسيس فقط، وإنما هي حقائق صلبة تثير القلق الشديد"، لأنها تكشف أن "عدد المتسللين في الأحياء الجنوبية من تل أبيب أصبح يفوق عدد الإسرائيليين (اليهود) في تلك الأحياء"، وذلك استنادا إلى معطيات رسمية قدمتها أقسام مختلفة في بلدية تل أبيب إلى مركز الأبحاث التابع للكنيست. وتبين هذه المعطيات، المحدثة حتى بداية العام 2016، أن عدد "المتسللين الأفارقة" في الأحياء الجنوبية الخمسة فقط في مدينة تل أبيب وحدها (أحياء: شابيرا، نفيه شأنان، هتكفا، كريات شالوم وفلورنتين) يتراوح بين 48 ألفاً (حسب تقديرات المركز الاجتماعي ـ الاقتصادي في البلدية) و 60 ألفاً (حسب تقديرات مديرية خدمات الرفاه في البلدية). في المقابل، انخفض عدد الإسرائيليين (اليهود) في تلك الأحياء الخمسة إلى 39150 شخصاً فقط، طبقا لمعطيات بلدية تل أبيب حتى نهاية العام 2014. وتعكس هذه الأرقام "فجوة ديمغرافية جدية وخطيرة لصالح المتسللين، تتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف شخص".

غير أن هذه الفجوة الديمغرافية ـ حسب تقرير "ميداه" ـ لم تتقلص مع الوقت، بل العكس هو الصحيح، إذ ازدادت وتعمقت في غير صالح الإسرائيليين. وهذا ما تؤكده بلدية تل أبيب ذاتها، أيضا، إذ "تعترف بأن العدد الحقيقي للمتسللين الأفارقة الذين يعيشون في المدينة يزيد، فعليا، عما هو مسجل في المعطيات المتوفرة في حوزة البلدية"، مشيرة إلى أنه "تنقصها أرقام دقيقة عن عدد الأولاد في عائلات المتسللين وعن عدد الولادات والوفيات لديها".

ويلفت التقرير إلى أن البلدية تضيف إلى هؤلاء، أيضا، "عشرات آلاف العمال الأجانب واللاجئين الذين يتوافدون إلى المدينة في نهايات الأسابيع"، ما يعني أن عدد الأجانب في تل أبيب هو "كبير جدا، لكن من الصعب جدا تقديره" وأنه "إذا ما بقي الوضع كما هو عليه اليوم، فمن المؤكد أن عدد الأجانب في جنوب تل أبيب سيزداد باستمرار خلال السنوات القليلة القادمة".

بين المعطيات التي يوردها التقرير، أيضا، نقلا عن وثيقة مركز الأبحاث التابع للكنيست: عدد الأطفال الأجانب حتى سن ست سنوات في الأحياء الجنوبية من تل أبيب يزيد عن عدد الأطفال الإسرائيليين في تلك الأحياء. وتفيد معطيات بلدية تل أبيب بأن عدد الأطفال الإسرائيليين حتى سن ست سنوات في أربعة من الأحياء الخمسة المذكورة بلغ 2960 طفلاً حتى نهاية العام 2014، بينما تفيد معطيات عيادات الأم والطفل التابعة لوزارة الصحة الإسرائيلية بأن عدد الأطفال الأجانب في تلك الأحياء بلغ، في الفترة نفسها، 3600 طفل؛ ما يعني وجود "فجوة ديمغرافية" بقيمة 600 طفل لصالح "المتسللين الأفارقة". والغالبية الساحقة من العائلات التي تتلقى الخدمات في عيادات الأم والطفل في تلك الأحياء (أكثر من 80%) هي عائلات قادمة من دول أفريقية، وخاصة أريتريا والسودان.

"كأن الحيّ ليس جزءا من دولة إسرائيل"!

حيال هذا الوضع الذي تعكسه الأرقام، تعاني الأحياء الجنوبية في تل أبيب ـ كما يؤكد التقرير ـ من ظاهرة "الهجرة السلبية المكثفة". فخلال الفترة بين 2010 و 2014، خسرت أربعة من أحياء الجنوب الخمسة (بدون فلورنتين) نحو 3000 من سكانها الإسرائيليين (اليهود). وتشير وثيقة مركز الأبحاث في الكنيست إلى "انعدام أية معلومات حول أسباب هذه الهجرة"، لكن معدّ التقرير في "ميداه"، غلعاد تسفايك، يضيف: "من الأحاديث التي أجريناها مع إسرائيليين هجروا جنوب تل أبيب، يتضح أن السبب المركزي للانتقال إلى السكن في مكان آخر هو المتسللون الأفارقة"!!

ولإثبات ما يقوله، ينقل التقرير عن سيدة "رفضت الكشف عن اسمها الحقيقي" تركت حي "هتكفا" في جنوب تل أبيب مؤخرا وانتقلت إلى السكن في مكان آخر، قولها: "400 إسرائيلي غادروا حي هتكفا خلال العام 2014.... أنا تركت الحي لأنه لا قانون فيه ولا سلطة، كأنه ليس جزءا من دولة إسرائيل"! وتضيف: "ابتداء من الساعة السابعة مساء، يصبح الحي كأنه تحت حظر التجول الشامل... وحين كنت أخرج من المنزل في المساء، رغم ذلك، كانت يداي ترتعدان من شدة الخوف"!

هذه السيدة، كما يقول التقرير، ليست حالة وحيدة وشاذة، بل جزء من وضع عام أصبح يسود المنطقة الجنوبية من تل أبيب. فخلافا لـ"المسألة الديمغرافية"، كما يسميها التقرير، والتي تتوفر حولها معطيات، ولو غير محدثة تماما، ليست ثمة أية معطيات حول تورط "المتسللين" في الجريمة في المنطقة وما يلقيه ذلك من مشاعر الخوف وعدم الأمن والأمان على السكان. ونقل التقرير عن قائد في شرطة إسرائيل قوله إن "المتسللين" كانوا متورطين في نحو 60% من جرائم السطو التي حصلت في المنطقة في العام 2012 وفي أكثر من 60% من جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي في تلك السنة. وهي نسبة مذهلة إذا ما تذكرنا أن نسبة "المتسللين" من بين سكان الدولة في تلك الفترة لم تتجاوز 3ر0%!

ويستعين التقرير بنتائج "استطلاع جنوب تل أبيب" الذي بدأت تجريه الشرطة في السنتين الأخيرتين بين سكان الأحياء الجنوبية في تل أبيب وتستطلع فيه آراءهم حول مدى الأمن الشخصي الذي يتمتعون به هناك. و"رغم أن الاستطلاعات لا تعبر دائما عن حقيقة الوضع في الميدان" ـ كما لاحظ التقرير ـ إلا أن استطلاع الشرطة هذا "هو الوثيقة الوحيدة المتاحة للحصول على مؤشر ما حول الشعور / عدم الشعور بالأمن والأمان لدى سكان الأحياء الجنوبية في تل أبيب". و"ترسم نتائج هذا الاستطلاع الأخير، عن العام 2015، صورة مقلقة للغاية: 62% من الإسرائيليين في جنوب تل أبيب يخشون الخروج من منازلهم في ساعات الظلام؛ 40% منهم لا يشعرون بأنهم آمنون حتى بين جدران منازلهم منذ مغيب الشمس؛ 34% منهم عبروا عن خوفهم من أن يكونوا ضحايا لأعمال عنف، سواء باعتداء جسدي مباشر أو بالتهديد".

أما "السبب المركزي" لهذا الشعور بالخوف بين هؤلاء السكان فهو، كما يشدد التقرير، "مجموعة غير الإسرائيليين التي تسكن في المنطقة"! إذ تشكل هذه "المجموعة" 64% من مصادر القلق التي يساور الإسرائيليين في تلك الأحياء. وإلى جانبها، ثمة مجموعتان أخريان تثير هذا القلق وتدني الشعور بالأمن والأمان في تلك المنطقة هما: "المدمنون على المخدرات" و"المشردون بلا مأوى".

إلى جانب ما ذكر أعلاه عن "الفجوة الديمغرافية" و"تراجع الشعور بالأمن والأمان"، يشير تقرير "ميداه" إلى جانب آخر من الانعكاسات السلبية المترتبة على وجود اللاجئين الأفارقة في تلك الأحياء من مدينة تل أبيب، وخاصة في المجال الاجتماعي ـ الاقتصادي. ويركز التقرير هنا على أن "بلدية تل أبيب تستثمر في أبناء المتسللين على حساب الإسرائيليين"!

وللتدليل على هذا، يقول التقرير إن بلدية تل أبيب رصدت في العام 2015 مبلغا يزيد عن 64 مليون شيكل لمعالجة أوضاع "السكان الأجانب في جنوب تل أبيب"، وهو ما يشكل زيادة بنسبة 40% عن الميزانية التي خصصتها البلدية للأجانب في العام 2013. أما في العام الجاري، 2017، فيتوقع أن تصل هذه الميزانية إلى أكثر من 100 مليون شيكل ... "وهذا كله يأتي على حساب السكان القدامى (أي الإسرائيليين ـ اليهود) في جنوب تل أبيب، والذين يضطرون إلى الهرب والبحث عن أماكن أخرى للسكن"!.