"ترتبط حالة اليأس العامة السائدة في البلاد، في بعض جوانبها، بالعجز عن رؤية وتنظيم وخوض نضالات طويلة الأمد... قبل حملة الاحتجاج الشعبي التي شهدتها البلاد قبل خمس سنوات، كان الموضوع الأساس، بل الوحيد، في الصحافة هو السياسة ـ الخارجية والحزبية. أما اليوم، فهنالك الاقتصاد والمجتمع، أيضا. وبهذا، فقد انضممنا إلى عائلة الشعوب. لقد حصل هنا تغيير ما في الوعي العام. صحيح أن هنالك أفرادا ومجموعات ممن يتسلقون على هذا ويركبون الموجة، لكن كلمة "اجتماعي" أصبحت ذات دلالات إيجابية جدا. وزير المالية يقول إنه "اجتماعي" والحكومة كلها تقول إنها "اجتماعية". إنه تحول في الوعي" ـ هذا ما يقوله البروفسور آفيا سبيفاك، رداً على سؤال: هل تعتقد بأن حملة الاحتجاج الاجتماعي قد نجحت في تغيير الوجهة الاقتصادية ـ الاجتماعية السائدة في إسرائيل خلال العقود الأخيرة؟

وأضاف سبيفاك يقول: "إبان الجملة الاحتجاجية، كنت قلقا جدا بشأن السؤال حول الأفق السياسي الذي يمكن أن ينبثق عن الحملة الاحتجاجية. في تلك الأثناء، جرت المظاهرة الضخمة في شارع كابلان في تل أبيب. وخلالها، سمعتُ دافني ليف (الناشطة الاجتماعية الإسرائيلية التي كانت من منظمي وقادة "معسكر الخيام" الاحتجاجي وسط تل أبيب في تموز 2011) تخاطب أمها وتقول لها: "هل تخشين من أن لا يؤدي هذا كله إلى أية نتيجة؟ ... أنظري إلى كل هؤلاء الناس هنا، ها قد أثبتنا قدرتنا". في تلك اللحظة قلت لنفسي: إنها لا تفقه شيئاً. لا تفهم أننا في حاجة إلى أنبوب يوجّه هذا الضغط الجماهيري الاجتماعي إلى وجهات وآفاق سياسية. وأخشى ما أخشاه أن هذا لم يحصل، مطلقا"!

قبل خمس سنوات، في تموز 2011، كان البروفسور آفيا سبيفاك أحد الشخصيات المركزية الداعمة لحملة الاحتجاج الشعبية الاجتماعية التي شهدتها إسرائيل واستمرت نحو شهرين، ثم ترأس ـ سوية مع البروفسور يوسي يونا (الذي أصبح في الأثناء عضو كنيست ضمن قائمة "المعسكر الصهيوني") ـ طواقم الخبراء الذين شكلوا مرجعية استشارية للحملة الاحتجاجية، من جهة، ورداً على "لجنة تراختنبرغ" الحكومية، من جهة أخرى.

والبروفسور آفيا سبيفاك هو زميل بحث كبير في "معهد فان لير" في القدس منذ العام 2006، وهو أحد مؤسسي "برنامج الاقتصاد والمجتمع في المعهد". وكان قد أشغل في الفترة بين 2002-2006 منصب نائب محافظ البنك المركزي في إسرائيل ("بنك إسرائيل") وكان رئيسًا لقسم الاقتصاد وعميدًا لكلية العلوم الانسانية والاجتماعية في "جامعة بن غوريون" في النقب، التي يشغل فيها اليوم أستاذ الاقتصاد الإداري.

طريقة سهلة للتنكيل بالعمال وهضم حقوقهم

يقول سبيفاك، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "دافار ريشون" الإلكترونية (وهي صحيفة بدأت بإصدارها حديثا "نقابة العمال العامة" ـ الهستدروت ـ إحياء لصحيفة "دافار" الورقية التي كانت تصدرها وتوقفت عن الصدور نهائيا في العام 1996)، إن ثمة إنجازين اثنين عينيين لحملة الاحتجاج الاجتماعي الشعبية: الأول ـ العمل المنظم، الذي يشهد ازدهارا وتطورا لافتين منذ ذلك الوقت. والثاني ـ موضوع "عمال المقاولين"، إذ نجحنا في إعلاء الموضوع وجعله أحد المواضيع المركزية على طاولة البحث العام بوصفه "فضيحة على نطاق قومي"!

ويرى سبيفاك أن ظاهرة تشغيل العمال (وخصوصا في القطاع العام) من خلال مقاولين قد تولدت بفعل القيد المفروض في إطار الميزانية العامة للدولة تحت مسمى "الحد الأقصى للقوى البشرية"، أي تحديد عدد الملاكات والوظائف التي يمكن لكل وزارة حكومية استغلالها وإشغالها في إطار الميزانية السنوية. ذلك أن "عمال المقاولين" لا يؤخذون في الحسبان هناك، لدى احتساب عدد الملاكات والوظائف المستغلة أو الشاغرة، وهو ما يوفر حافزا قويا لدى السلطات المحلية (البلديات) والحكومية (الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة) للانتقال إلى تشغيل عمال بصورة غير مباشرة، أي عن طريق المقاولين ومن خلالهم. ويؤكد سبيفاك أن "الاستشارات المهنية التي قدمتها للعديد من المؤسسات أثبتت أن هذه الطريقة ـ التشغيل من خلال مقاولين ـ ليست أقل ثمنا وتكلفة لمتلقي الخدمة المعني، لكن فيها ما يغري العديد من الأجسام والهيئات، لأنها طريقة سهلة جدا للتنكيل بالعمال وهضم حقوقهم، بل تغييرهم واستبدالهم متى شاء المسؤول.

وحدات القياس والوزن والسخرية اللاذعة

ورغم الإنجازات العينية التي يشير إليها، يعود سبيفاك إلى تأكيد "واقع اليأس" الذي تعيشه دولة إسرائيل ويشدد على أن "على الجيل الشاب أن يستيقظ، قبل فوات الأوان" وأنه "قلق جدا من الوجهة التي تخطو إسرائيل نحوها" ويعدد مشكلات جوهرية حادة في عدد من المجالات والقطاعات الحياتية، الاقتصادية والاجتماعية.

ويروي المراسلان اللذان أجريا المقابلة مع سبيفاك أنه أخبرهما، خلال المحادثة الهاتفية التمهيدية لترتيب اللقاء، بأنه "يائس تماما من الوضع في إسرائيل". ثم يضيفان: "ولكن، ربما أراد أن يشجعنا حين قال، في مستهل اللقاء بيننا في مقهى صغير في تل أبيب، إن ثمة في إسرائيل مجالات تسير بصورة ناجحة تماما تنسجم مع ما يجري في الدول المتطورة، "دول العالم الأول"، حسب تعبيره. سألناه: ما هي هذه المجالات؟ فقال: "وحدات القياس والوزن". وحين انتبه إلى تعابير الخيبة التي اعتلت وجهينا، أوضح قائلا: "حينما تدخل إلى متجر (سوبر ماركت) هنا وتشتري كيلوغراما من التفاح، يمكنك أن تكون واثقا بأن هذه هو الوزن الصحيح فعلاً. هذا الأمر ليس مفهوما ضمناً وهذا لا يحصل دائما وفي كل شيء"!

ويحذر سبيفاك من أن الوضع في إسرائيل سائر نحو مزيد من التردي والتدهور في العديد من المجالات، فيشير، مثلا، إلى النقص الحاد جدا في عدد الأطباء في إسرائيل، كما هو قائم اليوم، لكنه سوف يتفاقم ويصبح أشد خطورة بكثير "بعد أن يخرج جيل المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق إلى التقاعد". ويضيف، موضحاً: "ويسأل البعض: لماذا لا يزيدون عدد كليات تعليم الطب في إسرائيل، إذن؟ ... لقد شاركتُ في جلسة للجنة المالية في الجامعة وطرحتُ هذا السؤال، فقالوا إن ثمة مشكلة ـ ليس هنالك ما يكفي من ملاكات التدريب (الستاج) والتخصص في المستشفيات. ولكن، لماذا ليس هنالك عدد كاف من المستشفيات؟ ... لأن هذه هي السياسة الحكومية الرسمية ـ سياسة تقليص المصروفات العامة"!

ثم يتطرق سبيفاك إلى مشكلة الاختناقات المرورية التي أصبحت "مشهدا يوميا في كل مكان في إسرائيل"، ويقول: "لقد وصلنا إلى نقطة يمكن تسميتها بنقطة إشباع ـ أية زيادة في عدد السيارات، فإن معناها العملي هو انسداد مسارات المواصلات بسهولة فائقة. أي حدث صغير، ولو مجرد عائق في الهامش، يمكنه سدّ طريق مواصلات رئيسية. وليس ثمة أي شك في هذا الشأن".

ويعيد سبيفاك سبب هذه الأزمة، كما غيرها من الأزمات الأخرى في ميادين حياتية أخرى، إلى أن "وزارة المالية، وقسم الميزانيات فيها تحديدا، يعارضان بصورة تقليدية ومنهجية زيادة حجم المصروفات الحكومية. لكن جزءا كبيرا جدا من الأزمات والمشاكل في مجالات الحياة المختلفة (في الصحة، المواصلات، التعليم وغيرها) سببها هو السياسة الحكومية التي تلجم الميزانية العامة للدولة وتضع عليها قيودا غير منطقية".

ورداً على سؤال عما إذا كان يرى أي احتمال لحصول تغيير جدي في الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين طالما بقيت الميزانية العامة للدولة محكومة بـ"قاعدة المصروفات"، أي بمبدأ "تقليص المصروفات العامة"، قال سبيفاك إن "قاعدة المصروفات" هذه (التي تحدد الإطار العام للمصروفات المسموحة من جانب الحكومة في إطار الميزانية العامة للدولة) ستلفظ أنفاسها عما قريب. ففي الميزانية العامة الأخيرة، لم يتطرقوا إليها. لكن قسم الميزانيات في وزارة المالية أوجد في العام 2013 قاعدة أشد خنقا ولا يمكن الصمود في وجهها. ثمة فائض في الميزانية العامة للدولة اليوم، لكننا لا نعرف إلى أين تذهب وزارة المالية بهذا الفائض واين تضعه بالضبط. هنالك عدة مخابئ سرية، كما يبدو، تمكّن دائما من إخفاء أموال عامة كثيرة. المشكلة هنا هي التالية: نحن نقول إن وزارة المالية هي أمين صندوق الدولة، ولذا ينبغي أن تبقى في حوزتها مبالغ من المال. هذا من جهة. ولكن، من جهة أخرى، ليست هنالك شفافية، إطلاقا. من حق الجمهور أن يعرف كم قيمة المال المتوفرة لديه (لدى أمانة صندوق الدولة ـ وزارة المالية) وأن يفهم ما هي السياسة المعتمدة في التعامل مع هذه الأموال وطرق صرفها. هذا غير متوفر، طبعا".

ويوضح سبيفاك أن الرؤية المعتمدة لدى وزارة المالية الإسرائيلية هي "رؤية الجمهوريين الأميركان، المسماة تجويع الوحش"! أما الوحش هنا، فهو الحكومة ـ أي: القطاع العام والخدمات العامة! والفكرة المركزية هنا هي: التقليص الدائم والمتواصل في المصروفات العامة، أي المصروفات الحكومية على الخدمات العامة.