"هذا الاحتلال يضايقني ويؤرقني لأنني أعرف أنه لا يشبه الاحتلال الفرنسي في الهند الصينية على بُعد آلاف الكيلومترات عن البيت، وليس مثل الاحتلال البريطاني في كينيا. إنه يقيم في داخلنا. قرب بيتنا. فقبل أن يُطلق الجندي الرصاص على "المخرّب" الجريح، كنت سأقترح عليه أن يأخذ في الحسبان أن شقيق هذا "المخرب" ربما يقوم بترميم بيوت في المستوطنات أو ربما كان عمّه، مثلا، طبيبا يعمل في مستشفى في داخل إسرائيل وربما يقوم بمعالجة أحد أفراد عائلة هذا الجندي. الفرنسيون فعلوا أمورا فظيعة في فيتنام وفي الجزائر لكنهم خرجوا من هناك منذ زمن طويل، بينما سنعيش مع الفلسطينيين إلى أبد الآبدين. لا نملك مكاناً آخر نذهب إليه. وهم أيضا لا يملكون"ّ!

هذا ما قاله الأديب الإسرائيلي أ. ب. يهوشواع، في سياق مقابلة مطولة أجرتها معه صحيفة "معاريف" الإسرائيلية ونشرتها يوم 19 حزيران الجاري، وتطرق خلالها إلى جملة من قضايا الساعة الملحة في إسرائيل وفي العلاقة بينها وبين الشعب الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة أو في داخل إسرائيل نفسها، رغم أن مناسبة إجراء المقابلة هي صدور كتابه الجديد بعنوان "مقالات أفندي لا يتلقى أجر كُتّاب" (ترجمة حرة) عن منشورات "الكيبوتس الموحد" (هكيبوتس همئوحاد). وهو عبارة عن مجموعة من مقالات كتبها والده، المستشرق والصحافي يعقوب يهوشواع.

العرب يساعدوننا في سبر أغوار هويتنا

يتحدث أ. ب. يهوشواع بداية عن والده الذي "كان يمتدح كبار المستشرقين، لكنه كان يلاحظ في الوقت نفسه أنهم حينما يصلون إلى قرية عربية، لا يعرفون كيف يطلبون فنجانا من القهوة". وكان جدّ يهوشواع حاخاما يعيش في القدس حين أرسله ابنه (والد الأديب)، في مطلع عشرينيات القرن الماضي، إلى شيخ في بلدة سلوان ليعلّمه اللغة العربية. وكانت تلك خطوة غير اعتيادية، إطلاقا.

ويقول أ. ب. يهوشواع: "كان لإرسال جدّي والدي لتعلم العربية لدى شيخ في سلوان بطريقة منظمة، ليس من أجل محادثة البائعين المتجولين في السوق فقط، بالغ الأثر على والدي". ويضيف: "ثم انتقل هذا التأثير إليّ أيضا. حين أصبحت أديبا، استطعتُ ـ بفضل أبي وتأثيره ـ دمج شخصيات عربية في نتاجاتي الأدبية بصورة سليمة. فقد تعلمتُ منه كيفية التعامل مع العرب بنفس المستوى. وهو ما بدأ في رواية "العاشق" واستمر في روايات مثل "السيد ماني" وغيرها. كان ذلك نابعا من الوعي بأنني قادر على فهم العرب من خلال تكوينهم النفسي وجعلهم شركاء متساوين مع الشخصيات اليهودية التي أكتب عنها".

ويضيف، في الحديث عن التعامل مع العرب: "من خلال العرب، نستطيع سبر أغوار أمور دفينة عن هويتنا نحن. إنها المرة الأولى بعد 2000 سنة أو أكثر التي نحكم فيها نحن أقلية قومية تعيش بين ظهرانينا ونحن أصحاب السيادة عليهم، بعد سنوات عديدة كنا خلالها أٌقلية في أماكن أخرى".

وفي هذا السياق، يشير أ. ب. يهوشواع إلى أن والده، الذي تولى بعد قيام دولة إسرائيل إدارة دائرة في وزارة الأديان كانت مسؤولة عن "الأقليات" وكان مترجما (إلى العربية) في مراسم حكومية ورسمية، "لم يكن يحمل آراء حمائمية، كهذه التي أحملها أنا". ويوضح: "صحيح أنه لم يكن يحمل آراء صقرية متطرفة، أيضا، لكنه كان متشائما من حيث فرص التوصل إلى اتفاق مع العرب. وهذا، بعد أن قرأ ما كتبوا، بصورة معمقة".

الاستيطان والواقع العصيّ على الفصل!

يُعتبر أ. ب. يهوشواع من أبرز الأدباء الإسرائيليين، ليس من حيث القيمة والنتاجات الأدبية فحسب، وإنما بفضل مساهماته النشطة في الحياة السياسية لفترة قصيرة، لكن مساهماته النشطة والمتعددة في النقاش السياسي العام في إسرائيل، سواء على المنابر الأكاديمية أو الإعلامية المختلفة. وفي مواقفه السياسية، يعتبر أ. ب. يهوشواع من أبرز ممثلي "الجناح الحمائمي" في حزب "العمل" وهو يدعو إلى تطبيق "حل الدولتين" بإقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل، في حدود الرابع من حزيران 1967. ويقول عن هذا: "حين قلتُ هذا، في أعقاب لوبا إلياف إثر حرب الأيام الستة، عن دولتين للشعبين، بدت آرائي حمائمية جدا. أما اليوم، فقد أصبحت هذه هي السياسة الرسمية لدولة إسرائيل. ليس نتنياهو وحده هو الذي يتحدث عن هذا، بل حتى أفيغدور ليبرمان". لكنه يستدرك ليقول: "هذا، رغم أنه يبدو أنه لن يكون بالإمكان الفصل بين الشعبين في ضوء مشروع الاستيطان وما خلّفه حتى الآن حيث ربطنا ونسجنا في داخل الأراضي الفلسطينية. ربما ينبغي إيجاد نموذج آخر بديل، كونفدرالي مثلا، بحيث نعيش إلى جانب بعضنا البعض، بعد أن ينتهي الاحتلال".

ويتوجه يهوشواع إلى أوساط اليمين الإسرائيلي "المتخوف من إخلاء جماهيري جماعي في يهودا والسامرة" (الضفة الغربية) فيطلق نحوهم ما يصفه بأنه "صافرة تهدئة" تقول: "ليس هناك شيء اسمه إخلاء بأي ثمن. حتى الأكثر تطرفا من بين أوساط اليسار لا يعرفون كيف بالإمكان إخلاء مئات آلاف من بيوتهم. أصبح هذا مستحيلاً. بعد صدمة إخلاء 8000 شخص من غوش قطيف (مستوطنات قطاع غزة)، كانوا عالقين هناك بصورة غير معقولة في قلب مليون فلسطيني في قطاع غزة، من الصعب التصديق بأنه من الممكن فعل الشي نفسه في يهودا والسامرة" (الضفة الغربية). ويضيف: "أقول هذا بصفتي كنت بين أوائل الذين تحدثوا هنا عن دولتين للشعبين، بينما كانت غالبية الشعب تتساءل: أين هم الفلسطينيون؟ ولكن، بعد كل هذه السنوات، أرى أنه يجوز لي القول بأن نموذج الدولتين للشعبين بالصيغة التي فكّر بها معسكر السلام، لم يعد من الممكن أن يكون ملائما ونافذا، كما كنا نعتقد آنذاك. ولكن، قبل أي شيء آخر، ينبغي إنهاء الاحتلال، لأن هذا ما يسمم المادة الوراثية في هويتنا".

وردا على سؤال عما إذا كان، حيال التقدم في السن (80 عاماً) والتغيرات المحلية والتطورات الحاصلة في المنطقة، قد أصبح "أقل قتاليّة"، قال يهوشواع: "السؤال هو قتاليّ على ماذا؟ لم أوقف حربي من أجل إنهاء الاحتلال ولو لحظة واحدة. هذه مصلحتنا نحن، وليس مصلحة العرب فقط. دعني أقول إنني أصبحتُ أكثر تعقيدا في الحلول التي أقترحها، لأنني أصبحت أقل إيمانا وثقة بالحلول التي كانت قابلة للتطبيق قبل 20 سنة. لا أريد أن أغمض عيني حيال الواقع. لم يكن يضيرني مواصلة إبقاء الجيش الإسرائيلي هناك، خلف الخط الأخضر، ولو 100 سنة أخرى حتى نصبح واثقين بأنه يمكن صنع السلام معهم. الجيش ـ نعم. أما المواطنون (المستوطنون)ـ فكان من الخطأ والمحظور إدخالهم إلى أراضي الآخرين، وهو ما يخلق صراعات أشدّ بكثير من تلك التي تنشأ في ظل احتلال عسكري فقط".

استيطان "المعراخ" وانهزامية اليسار!

عند هذه النقطة، يتوجه يهوشواع إلى "قادة اليسار وأبطاله" فيقول: صحيح أن الليكود هو المسؤول الرئيس عن هذا الواقع، لكننا نعرف أن حكومة المعراخ (العمل)، بقيادة يغئال ألون وشمعون بيريس، بالذات هي التي أعطت الشرعية والضوء الأخضر لإقامة مستوطنة كريات أربع (في الخليل). وتبقى القضية هي أنه عندما نقل المعراخ السلطة إلى يدي الليكود في العام 1977، كان قد انتقل إلى ما وراء الخط الأخضر أكثر من 3000 مستوطن، بينما أصبح هناك الآن مئات الآلاف (من المستوطنين).

وردا على سؤال ما إذا كان لا يزال يؤمن بأن السلام قابل للتحقق "في حياتك"، قال يهوشواع: "عندما جاء السادات إلى هنا في العام 1977 وهبطت الطائرة، بكيتُ بكاء حقيقيا. كانت الدموع تنهال من عيني لأني لم أكن أومن بأنني يمكن أن أشاهد في حياتي رئيس الدولة التي كانت أكثر عدائية لنا وسفكت الكثير من دمائنا يمكن أن يأتي إلى هنا. لكن الحقيقة أن هذا حصل. ثم جاء السلام مع الأردن واللقاءات مع عرفات. وأريد أن أومن بأننا سنحظى برؤية السلام يتحقق هنا في حياتنا. فالسلام قد يغيّر حياتنا، نحن الطرفين، من النقيض إلى النقيض، في كل شيء وفي كل مناحي الحياة.

وتحدث يهوشواع عن "انهزامية في أوساط اليسار الإسرائيلي" فقال إن الطاقة الأساسية لدى أوساط اليسار تحولت نحو الفعل الثقافي والأنشطة الثقافية التي صار اليسار يعتقد أن بإمكانه استنفاد نشاطه السياسي فيها. أي، صار اليسار يعتقد بأنه "يقوم بواجبه" بمجرد عرض بعض القصص عن الفلسطينيين. فجأة، نشأت موجة من الأعمال والعروض المسرحية عن ألمانيا النازية. أنا أحضر إلى المسرح فأرى ممثلين إسرائيليين بلباس نازيّ، كأنما يريدون القول: أنظروا كيف بدأت فشستة المجتمع الألماني واستنتجوا ما ينبغي حيال مجتمعنا نحن. لكنني أعتقد بأن هذا لا يساعد في شيء. نحن لسنا ألمانيا ولا تجوز مقارنتنا بها. ثمة هنا نزاع على الأرض وصراع على الهوية. أما المقارنات من هذا القبيل فمن شأنها تشويش كل المنظومات.

وحول ما ينقص اليسار الإسرائيلي في هذه المرحلة، يقول يهوشواع إن ما ينقصه هو "قليل من الاستيضاحات الأيديولوجية بصورة أكثر وضوحاً، وخصوصا بشأن: ما هي الهوية اليهودية وما هي الهوية الإسرائيلية؟ وهذا، على نقيض المعسكر الآخر، أي حزب "البيت اليهودي"، وبعض أحزاب الحريديم ربما، التي تمارس أيديولوجيات متسقة تتغلغل بين جنود وضباط الجيش أيضا. أما نحن فمشغولون، أساسا، في العمل الثقافي، بينما هم يكرسون جهدهم لنشر التربية الأيديولوجية، التي يسرّبونها إلى جهاز التعليم أيضا. وحين يقول رئيس الحكومة بنفسه، أيضا، أنه يؤيد حل دولتين للشعبين، فهذا ما يُفرغ البالون من الهواء تماما"!

وانتقد يهوشواع دعاة مقاطعة إسرائيل من بين "متطرفي اليسار" مدعيا بأن "دعواتهم لمقاطعة إسرائيل لا تنطوي على أية فائدة، بل لا حاجة إليها إطلاقا لأن من شأنها إثارة الغضب ليس إلا"!.