مرة أخرى نتوقف في هذا العدد عند موضوع "الناجين من الهولوكوست" الذين يعيشون في إسرائيل، من زاوية تسليط الضوء على المتاجرة السياسية الرعناء بآلامهم التي دأبت عليها الحكومات الإسرائيلية المتتالية، ولا سيما منذ تسلّم حزب الليكود اليميني سدّة الحكم قبل أربعة عقود.

 

وأشرنا في العدد السابق من "المشهد الإسرائيلي" إلى تقرير خاص أصدره أخيرًا مراقب الدولة الإسرائيلية حول أوضاع الناجين من المحرقة النازية في إسرائيل، واعتبره المراقبون "تقريرًا خطرًا جدًا"، وجّه في سياقه انتقادات حادّة للغاية إلى عدد من الوزارات الحكومية مؤكدًا أن "الدولة لا تقوم بواجباتها تجاه الناجين".

وضمن التقرير المنشور في هذا العدد، ينوّه أحد المؤرخين الإسرائيليين المتخصصين في شؤون الهولوكوست بأن الفجوة الموجودة بين استغلال الناجين من أجل "بلورة وعي وطني مؤدلج بالصهيونية" وبين الدعم المادي المُقدّم للناجين شاسعة جدًّا.
ولا تقتصر هذه المتاجرة المُعيبة على الفترة الحالية، بل إن جذورها تعود إلى الفترة التي حدثت فيها المحرقة والفترة التي تلتها وتزامنت مع إقامة الدولة.

وأشرنا أكثر من مرة إلى كتابين متميزين تناولا هذا الموضوع بالعرض والتحليل: الأول بعنوان "المليون السابع" من تأليف توم سيغف، والثاني بعنوان "ذهب اليهود" من تأليف عيديت زرطال.


يؤكد سيغف أن قيادة "الييشوف" اليهودي في فلسطين حصرت اهتمامها، عشية الهولوكوست، في إنقاذ اليهود الراغبين في الهجرة فقط أو أولئك الذين "اعتبرتهم قادرين، جسمانيًا وعقليًا، على الإسهام في نجاح الجماعة" (اليهود في فلسطين). ومن هذا المنطلق اختارت الشباب القادرين على العمل في الزراعة وأهملت المهنيين والتجار وكبار السن، وبحسب تعبير الرئيس الثاني لحكومة إسرائيل موشيه شاريت "تمّ إحضار الجيّد وترك الرديء"!

كذلك يشير المؤلف نفسه إلى أن التيارين السياسيين الكبيرين في الييشوف اليهودي في فلسطين، وهما المباي بزعامة ديفيد بن غوريون واتحاد الصهيونيين التنقيحيين بزعامة زئيف جابوتنسكي، حاولا استغلال ضائقة اليهود في أوروبا من أجل جلبهم إلى فلسطين. وفي هذا الإطار جرت اتصالات مع السلطات الألمانية أسفرت عن اتفاقيات لتهجير أعداد منهم. واستمرت هذه الاتصالات حتى أواسط الحرب العالمية الثانية وأجريت في السرّ وتحولت إلى مادة للمضاربات السياسية والاتهامات المتبادلة بين المبائيين والتنقيحيين.

ويورد سيغف آراء متضاربة بشأن مدى معرفة قيادة الييشوف بالخطط الألمانية النازية لتصفية يهود أوروبا الشرقية. غير أنه يميل إلى الرأي القائل إن هذه القيادة أدركت هذا الأمر منذ البداية، وأدركت معه أنها عاجزة عن إنقاذ أولئك اليهود. ويبدو أن الوكالة اليهودية وبن غوريون بشكل خاص وضعا أولوية تدعيم الييشوف اليهودي وتحضيره لمرحلة الدولة فوق أي اعتبارات أخرى، مهما تكن. ومن بين القرائن العديدة على ذلك ما أعلنه بن غوريون، في الأسبوع الثاني لاندلاع الحرب العالمية الثانية، أمام اجتماع اللجنة المركزية لحزب مباي في تل أبيب، من أن "أعضاء الحزب لا يقررون مصير ما يحدث في أوروبا... ولا فائدة ترجّى من الكلام عن التطورات الأخيرة، بل ينبغي التعامل معها باعتبارها كوارث طبيعية".

ونجد في كتاب زرطال إشارات قوية إلى أن اليهود "الصابرا" (الذين ولدوا في فلسطين) تبنوا موقفًا متعاليًا ورافضًا إزاء الناجين من أوروبا وإزاء مأزقهم، وهو موقف كان من شأنه أن يخلّف "آثار ندوب عميقة في نفوس أولئك الذين نجوا من الهولوكوست وهاجروا إلى فلسطين". وتغذى هذا الموقف من وقائع تعامل قيادة الييشوف مع هؤلاء، وبالأخص مع المهاجرين الألمان.
لكن الأهم من تلك الوقائع ومن ذلك الموقف يبقى كامنًا في دلالات أخرى تقف في صلب سيرورة هيكلة عناصر الرواية الإسرائيلية الرسمية حول الهولوكوست، ليس أبسطها تجيير ما حلّ باليهود من فظائع وعذابات لصالح تدجيج عملية صياغة وتكوين "اليهودي الجديد" في صورة "الجسور والمقاتل".

ويرى أكثر من باحث صهيوني أن إحدى أبرز محصلات الهولوكوست هي ذهاب يهود أوروبا "إلى المسلخ مثل الخراف". وهو التعبير الحرفي الذي استخدمه أبناء الييشوف، وقيادته أحيانًا، لتوصيف ضحايا النازية، في إلماح مفرط في جهارته إلى غيظهم وحنقهم على هذا الخنوع الذي يصيب المنطلقات الصهيونية لتعزيز صورة "اليهودي الجديد" في مقتل. وترتبًا على ذلك تغيَّا باحثون آخرون أن يربطوا بين هذا الموقف وبين حقيقة أن قسمًا من قيادة الحركة الصهيونية في فلسطين رفض تقديم أي مساعدة لإنقاذ يهود أوروبا. وحتى عندما أضحت فكرة الإبادة النازية خطرًا على درجة كافية من الملموسية اشترط هذا القسم تقديم المساعدة بالحصول على ضمانات لا تُرَّد بأن يسهم الناجون في الجهود المنصرفة نحو صياغة "اليهودي الجديد" ونحو إنشاء "الدولة اليهودية".

ومصداقًا لهذا الربط يقتبسون عن بن غوريون ما كتبه عام 1938 عقب "ليلة البلّور (الكريستال)"، حيث قال: "لو أني أعرف أن في مقدوري إنقاذ جميع أولاد ألمانيا (اليهود)، بواسطة نقلهم إلى انكلترا، وإنقاذ نصفهم فقط بواسطة نقلهم إلى أرض إسرائيل، لما ترددت في اختيار الأمر الثاني".

في هذا الموقف، الذي اعتبره البعض مثيرًا للتقزّز، ما يفسّر تواضع هذه القيادة نفسها، بعد أن أصبحت قيادةً للدولة الإسرائيلية، في الحديث عن الهولوكوست وفي أخذه بالحسبان في مجرى إجراءات برمجة "الذاكرة القومية". غير أن هذا التواضع سرعان ما انحسر مع إعادة فتح هذا الملف ارتباطًا بمحاكمة رودولف كاستنر وفيما بعد ارتباطًا بمحاكمة أدولف أيخمان.
وانطلقت جهود برمجة الرواية الإسرائيلية حول الهولوكوست من منطلقين يكمل واحدهما الآخر:

(*) الأول- منطلق الحصرية، الذي اجتهد لناحية استنباط "خصوصية الإبادة" المتعلقة باليهود فقط لمجرّد كونهم كذلك. ومن ذلك القول إن الدافع الأهم لحملات الإبادة هو كون اليهود في المنفى (الدياسبورا)، وتذكير العالم بضرورة مساعدة الدولة اليهودية الفتيّة تعويضًا عما لحق باليهود من فظائع وآثام، وتعزيز الفكرة القائلة إن الدعاية المناهضة للصهيونية هي دعاية معادية للسامية وبالتالي فإن محاربتها تستدعي دعم دولة إسرائيل.

(*) الثاني- منطلق التعمية على المواقف المذكورة أعلاه لقيادة الييشوف الصهيونية حيال الهولوكوست، والمقصود مواقف الاستنكاف عن تقديم المساعدات لإنقاذ اليهود، حدَّ التواطؤ، وكذلك مواقف الاستعلاء والنبذ إزاء ضحاياه والناجين منه سواء بسواء.
واتخذت التعمية منحيين دلاليين:
(*) الأول- منحى التظاهر بأن قيادة الييشوف بذلت كل ما كان في مستطاعها أن تبذله لإنقاذ يهود أوروبا من المحرقة النازية، غير أن الظروف الموضوعية كانت أقوى منها بكثير.

(*) الثاني- منحى تضخيم الدلالات المضادة لتعبير "الذهاب إلى المسلخ مثل الخراف" والمتمثلة، أكثر شيء، في المقاومة التي أبداها اليهود داخل "الغيتوات". ويندرج في هذا الإطار، مثلًا، التعامل الدلالي المفهومي للرواية الإسرائيلية الرسمية مع "مقاومة اليهود" في غيتو وارسو، وهي المقاومة التي حولتها تلك الرواية إلى مثل أعلى للبطولة ومنحتها صفة "التمرّد" بامتياز، على الرغم من أنه من الناحية العسكرية الصرفة، كما تؤكد زرطال "لا يُصنّف تمرد غيتو وارسو في عداد العمليات الكبيرة. فهو لم يسهم بشيء في تقصير أجل الحرب العالمية الثانية أو في سحق النازية. ولم يغير قيد أنملة في عمليات القتل النموذجية التي تعرض لها يهود أوروبا... ونهاية هذا التمرد معروفة للجميع: التهمته ألسنة النيران وجعلته أثرًا بعد عين... وغالبية المحاربين سقطوا خلال أعمال المقاومة. أما من بقي منهم، وبينهم قائد التمرد مردخاي أنيليفيتش، فقد لقوا حتفهم في معقل قيادة "المنظمة اليهودية المحاربة"، قسم منهم انتحر بإطلاق النار على نفسه والقسم الباقي مات مختنقًا بالغاز الذي سربه الألمان إلى داخل المعقل!".