تشكل المقالة المنشورة في الصفحة الخامسة من هذا العدد، نموذجًا لأهم المداليل التي سينطوي عليها إحياء إسرائيل ذكرى مرور نصف قرن على الاحتلال سنة 1967 بعد شهرين. ومع أن المقالة تعكس وجهة نظر اليمين الإسرائيلي التقليدي، الجابوتنسكي، إلا إنها تتقاطع مع مقاربات معظم سائر ألوان الطيف السياسي.

ولعلّ المدلول الأهم هو ما يمكن اعتباره بمثابة "تسويق الضم"، من خلال الدعوة إلى عدم ترك مسألة أراضي الضفة الغربية (وتحديدًا أراضي ما يعرف بـ"مناطق ج") كمسألة خلافية مفتوحة للمفاوضات، وطرح مسألة "الحق التاريخي للشعب اليهودي في هذه المناطق بصورة حازمة على بِساطِ البحث"، وهو "الحق الذي يجب أن يتغلب ويتفوّق على أي حق آخر للسكان الأصليين غير اليهود في بقاع هذا البلد"، كما تؤكد. وتحث المقالة على عدم الاكتفاء بالتركيز على المصلحة الأمنية الإسرائيلية، بالرغم من أنها تُعتَبر مصلحة مهمة في حد ذاتها، نظرًا إلى أن المجتمع الدولي الذي يتفهم المطالب الأمنية لإسرائيل، يربطها بالانسحاب إلى خطوط العام 1967 وإقامة دولة فلسطينية.

في مجرّد هذا الكلام ما يعيد حرب حزيران 1967 إلى سياقها ضمن المشروع الكولونيالي الصهيوني. وفي واقع الأمر، فإن هذا السياق على وجه التحديد لم يكن خافيًا عن أعين باحثين كثيرين بمن في ذلك باحثون إسرائيليون نقديون.

وقد يكون أبرز هؤلاء الباحثين الإسرائيليين النقديين، عالم الاجتماع غرشون شافير الذي كتب دراسة حول تلك الحرب ظهرت قبل نحو ربع قرن في كتاب "المجتمع الإسرائيلي: وجهات نظر نقدية" (1993).

ووفقًا لما يقوله شافير، شكلت حرب حزيران 1967 إشارة البداية أو بمنزلة فاتحة نحو مزيد من تطرّف المشروع الكولونيالي الصهيوني في فلسطين. فبعد هذا التاريخ أصبحت الطريق سالكة أمام الإقدام على تنحية ما أسماه "نموذج الاستيطان الكولونيالي المُجزّأ"- وهو نموذج جرى تطبيقه ضمن تخوم "الخط الأخضر" تمشيًا مع ظروف يمكن اعتبارها "خاصة" وتعود أساسًا إلى الصلة بين عنصري الجغرافيا والديموغرافيا في سيرورة هذا المشروع- واستبداله بنموذج استيطان (كولونيالي) آخر يستند إلى سيطرة مجموعة المستوطنين اليهود على السكان المحليين، أو إلى طرد هؤلاء السكان من جميع المناطق الخاضعة لسيطرة المستوطنين. بكلمات أخرى انقطعت الصلة أو الرابطة بين المركّب الديموغرافي وبين المركّب الجغرافي، والتي كانت بمثابة قيد على عملية الاستيطان الكولونيالي الصهيوني في إحدى مراحلها. وما أتاح إمكان ذلك، بطبيعة الحال، هو السيطرة على تلك المنطقتين (الضفة الغربية وقطاع غزة) بصورة عسكرية والتفوّق العسكري لإسرائيل، الأمر الذي كان المستوطنون (اليهود) مفتقرين إليه في فترة ما قبل إقامة الدولة، أي ما قبل سنة 1948. وهكذا فإن "نموذج الاستيطان الطاهر المحدود" أخذ يُخلي مكانه لنموذج آخر هو "الاستيطان الطاهر المطلق"، والذي كانت منظمة "غوش إيمونيم" الاستيطانية المتطرفة أول من بدأ بتطبيقه في المناطق الفلسطينية المحتلة سنة 1967. وسوية مع هذا التطور بدأ يتشكل تشابه واضح بين الاستيطان الكولونيالي الإسرائيلي في المناطق المحتلة منذ سنة 1967، وبين حركات استيطان كولونيالية أوروبية سابقة في مناطق متعددة من العالم.

ويرجع مصدر التقاطب الأيديولوجي- السياسي، الذي حدث في المجتمع الإسرائيلي بدءًا من سنة 1967 في شأن الموقف من المناطق الفلسطينية التي احتلت في تلك السنة، إلى خلاف بين مؤيدي نموذجين مصغرين مختلفين للسياسة الكولونيالية إزاء نموذج الاستيطان الطاهر: هناك من جهة مؤيدو النموذج الطاهر المحدود، الذين هم على استعداد للتنازل عن مناطق جغرافية في مقابل تحقيق "التجانس الإثني"، ومن جهة أخرى هناك مؤيدو النموذج الطاهر المطلق، الذين يطمعون في الانتشار على كل المناطق الجغرافية، مفترضين أن السكان الفلسطينيين بالإمكان السيطرة عليهم أو طردهم. بكلمات أخرى، فإن الخلاف هو بين الذين يؤيدون الخصوصية- الحصرية اليهودية وإن بأصناف مختلفة، لا بين مؤيدي هذه الخصوصية- الحصرية وبين معارضيها جملة وتفصيلًا.

وعمليًا فإن حكومات إسرائيل بعد سنة1967 ، بدءًا بالحكومات التي كانت برئاسة حزب "العمل"، ألغت تقسيم "أرض إسرائيل" (فلسطين) الذي نشأ بعد حرب سنة 1948. و"برنامج ألون"، الذي شكّل هاديًا ومرشدًا لمبادرات الاستيطان من طرف حزب "العمل" بعد حرب حزيران، أُعدّ تحت تأثير تدوين الحسابات الديموغرافية- الجغرافية القديمة لحركة العمل. وكانت غاية هذا البرنامج هي ترسيخ وجود إسرائيلي ثابت في المناطق الإستراتيجية في الضفة الغربية، من خلال شمل حدّ أدنى من السكان الفلسطينيين في تخوم المناطق المعدّة لأن تبقى خاضعة لسيطرة إسرائيل، ولذا فقد تمحور البرنامج حول تشجيع الاستيطان اليهودي في غور الأردن ذي الكثافة السكانية المنخفضة. ومع ذلك، فإن إحدى الحكومات برئاسة حزب "العمل" صادقت على إقامة المستوطنات "غير الشرعية" في منطقة "غوش عتسيون" والخليل (ومن هذه المستوطنات ظهر، في فترة لاحقة، زعماء منظمة "غوش إيمونيم" المذكورة). وبهذه المصادقة "انجرّت" تلك الحكومة وراء سياسة توسّع إقليمية (جغرافية) بالتقسيط أو على مراحل. وجرى توسيع المناطق المشمولة في "برنامج ألون"، بمقدار كبير، في سنة 1973، عبر "برنامج غليلي" الأكثر غلواءً. وبشكل تدريجي حدثت نقلة كبيرة في المفاهيم والتصورات السابقة بشأن المناطق الحدودية والاستيطان، بدءًا بالاستيطان الأمني، مرورًا بالاستيطان ذي الدوافع الدينية- المسيانية، وانتهاءً باستيطان الأطراف غير الأيديولوجي.

وبرأي شافير، يمكن الوقوف على التغيير البعيد الأثر في العلاقات بين الإسرائيليين والشعب العربي الفلسطيني بعد سنة 1967 من خلال المجالات الثلاثة المهمة في أي عملية استيطان كولونيالية، وهي مجالات الأرض والعمل والديموغرافيا.

بربط هذا التحليل مع ما يرد في المقالة المستجدة السالفة يتضح أكثر فأكثر المآل الذي ينحو نحوه المشروع الصهيوني في الوقت الحالي، كما يتبيّن ما يتعيّن علينا أن نستنتجه في كل ما يتعلق بمواجهته الآن وهنا.