ترسم الورقة الجديدة التي أعدّها طاقم "معهد سياسة الشعب اليهودي" (أسسته "الوكالة اليهودية")، على أعتاب مؤتمره السنوي للعام الحالي الذي عُقد أخيرًا، وأجمل فيها أحدث التغيرات في الدول الغربية وخلفيتها وما تعبر عنه، واتجاهات تأثيراتها المحتملة على مستقبل إسرائيل واليهود في العالم، كما حاول استشراف تأثير التطورات الحاصلة في إسرائيل على ماهية تعامل العالم الغربي، والتي أفردنا لها حيّزًا خاصًا في هذه الصفحة والصفحة الثانية، جوهر الملامح المستقبلية لإسرائيل، ربما في المدى المنظور.

وفعلت الورقة تلك المحاولة الأخيرة من طريق تحليل سيرورتين متصلتين من ناحيتي المبنى والمعنى:
- الأولى، سيرورة ازدياد قوة اليمين ونفوذ القومية الدينية في إسرائيل؛
- الثانية، سيرورة التغيرات الديمغرافية التي طرأت على إسرائيل.

وهما سيرورتان سبق أن تناولناهما مرات عديدة.
ووفقًا لما تشير إليه الورقة، يتمثل أحد جوانب السيرورة الثانية في تغير تركيبة السكان اليهود في إسرائيل بموجب مستوى التدين، إلى ناحية تزايد عدد اليهود الحريديم (المتشددين دينيًا) والمتدينين في مقابل ضعف الوسط المحافظ، وتضاؤل أعداد العلمانيين.

والنتيجة الأبرز المترتبة على تداخل هاتين السيرورتين، مثلما تؤكد الورقة، تتجسّد في تعزّز النظرة التي تميل إلى رؤية أن دولة إسرائيل ينبغي أن تعكس "المصلحة اليهودية" فوق أي مصالح أخرى. وبلغة الورقة "تسعى الصهيونية الدينية إلى إعادة بلورة أساس الصلاحية الفكرية- الأخلاقية الذي تم بناء مؤسسة القانون الإسرائيلية عليه، وأن تغرس في هذا الإطار تعبيرًا أكبر عن المبادئ المستمدة من عالم الديانة والتراث اليهوديين، بدلًا من المبادئ المستمدة من العالم العلماني - الليبرالي - الكوني".

وتسجل الورقة أن الصهيونية- الدينية تسعى إلى تنفيذ مسعاها هذا من خلال كتلة "البيت اليهودي" وشخصيات دينية بارزة في حزب الليكود الحاكم، كما أنها تحاول تحقيق نفوذ كبير من خلال التأثير على السلكين الحكومي والإعلامي وقيادة الجيش الإسرائيلي، الذي بات الضباط المتدينون أكثر حضورًا في صفوفه. وتسعى الصهيونية- الدينية إلى الاستيطان في الضفة الغربية وضمها إلى إسرائيل.

بطبيعة الحال ثمة سيرورات أخرى تشهدها إسرائيل تدعم النتيجة السالفة وتكرّسها.

وتطرقنا في هذا العدد، كاستمرار لتطرقنا في أعداد سابقة، إلى اثنتين منها:
- أولًا، ما يحدث في حلبة الإعلام حيث يواصل زعيم اليمين بنيامين نتنياهو من خلال موقعه السياسي، على نحو هوسيّ، مسعاه الرامي إلى بسط سيطرته الشخصية على مجمل وسائل الإعلام في إسرائيل، العامة والتجارية، بغية تدجينها بما ينسجم مع رؤاه وتوجهاته السياسية، وأيضًا بما يخدم مصالحه الشخصية الفردية، وفي مقدمها مصلحة بقائه شخصيًا على رأس الهرم السياسي؛
- ثانيًا، ما تشهده وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية في ظل توليها من طرف نفتالي بينيت، رئيس "البيت اليهودي"، من جهود محمومة لفرض رواية الصهيونية الدينية على مناهج التعليم في إسرائيل .

ومن البدهي أن ما يقوم به اليمين الإسرائيلي في كل ما يتعلق بتغيير ملامح إسرائيل، يستند إلى فائض القوة الذي أصبح يمتلكه منذ أن تربّع على سدّة الحكم وتسبّب رويدًا رويدًا بانزياح كل الخارطة السياسية الحزبية نحو اليمين.

وينعكس فائض القوة هذا، بصورة جليّة، في الممارسات التي يقوم بها اليمين في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، كما تدل على ذلك "المقابلة الهوجاء" التي أدلى بها رئيس ما يسمّى بـ""مجلس مستوطنات غور الأردن" أخيرًا، واتهم فيها "الإدارة المدنية" بعدم الحؤول دون "تمدّد التجمعات السكنية الفلسطينية في مناطق ج"، وطالب بحلّهـا.

كي تكتمل الدائرة لا بُد لنا من أن نضيف ما يلي:
1- ما تؤكده ورقة "معهد سياسة الشعب اليهودي" بشأن الصهيونية الدينية وتطلعاتها السياسية، لا يعني من ناحيتنا أكثر من أن هذا التيّـار يرغب في أن يضع "بصمتـه" على المشروع الصهيوني وأن يصوغه على نحو أشدّ فظاظة من المشروع الصهيوني التقليدي، الفظّ والعدواني أصلًا.

2- قد تبدو كثير من المعطيات التي قام طاقم هذا المعهد بتجميعها في الورقة المذكورة، معروفة للقاصي والداني. مع هذا ففي مجرّد تجميعها بهذه الكثافة، وقراءتها داخل حقل الدلالات المرتبطة بملامح المستقبل، ما يتيح إمكان التعاطي معها كرزمة واحدة ضمن مجال تعريـة صورة إسرائيل الراهنة وما تُحيل إليه، بما في ذلك ضمن نطاق علاقتها المباشرة مع مجتمعها الذي يدقّ لها الطبول. كما أن هذه المعطيات من شأنها أن تعين كل معنيّ بتشخيص واقع أمسى قائمًا وغير خاف. ومن نافل القول إن مثل هذا التشخيص يوضّح ما الذي يقف أمامنا ويتعيّن مواجهته الآن وفي المستقبل.