المقصود بليفين، في العنوان أعلاه، هو ياريف ليفين وزير السياحة الإسرائيلي من حزب الليكود الحاكم، وأحد أقطاب اليمين الإسرائيلي الجديد، الذي طفا اسمه مرة أخرى على سطح آخر الأحداث في إسرائيل بتأثير تطورين مُستجدين:


• التطوّر الأول، كشوف صحيفة "هآرتس" خلال اليومين الفائتين عن قيام وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري بطرح "مبادرة سلام إقليمية" على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال اجتماع سري عقد في مدينة العقبة الأردنية السنة الفائتة [في شباط 2016] بمشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني عبد الله الثاني؛


• التطوّر الثاني، الهجوم الحادّ الذي شنّه ليفين على "لجنة تعيين القضاة"، عشيّة الاجتماع الذي من المتوقع أن تعقده هذا الأسبوع لانتخاب أربعة قضاة جدد في المحكمة الإسرائيلية العليا يشكلون ربع مجموع القضاة في هيئة هذه المحكمة. وفي سياقة هذا الهجوم دعا ليفين إلى إلغاء هذه اللجنة وحلها نهائيًا. وبرأيه "حان الوقت لإجراء تغيير جوهري في الجهاز القضائي"! ومما قاله ليفين، في معرض قيامه بإلقاء خطاب نيابة عن الحكومة أمام الكنيست الأسبوع الفائت: "إذا لم نلغِ هذه اللجنة، فسنستيقظ يومًا ما على قرارات وتعيينات لا يتحمل أحد أي مسؤولية عنها ولا يقدم عنها أي حساب"! وأضاف أن "تعيين القضاة يتم- في المعتاد- في غرف مغلقة من دون أي نقاش جماهيري، ومن دون أي شفافية، وعلى نحو يكرّس هيمنة مجموعة صغيرة على الجهاز القضائيّ برمّته"!.

وبالتعامل مع الوقائع- كما وردت في "هآرتس"- فإن ليفين كان الشخص الأبرز الذي أفشل محادثات إقامة "حكومة وحدة" بين الليكود و"المعسكر الصهيوني" من أجل الدفع قدمًا بـ"مبادرة سلام إقليمية" عرضها كيري في لقاء العقبة السريّ السالف، وذلك من طريق تأكيده لنتنياهو استحالة موافقة الليكود على تجميد أعمال البناء خارج الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية.

بطبيعة الحال، ليس المهم هنا هو موقف ليفين إزاء تلك المسألة وغيرها فحسب، إنما أيضًا بل وأساسًا جوهر أداء رئيس الحكومة.

لكن لدى الانتقال إلى ما أسميناه "التطوّر الثاني" المرتبط بالهجوم اليميني على جهاز القضاء ولا سيما على المحكمة العليا، لا بُدّ من أن نستعيد أن ليفين ارتسم في الذهن خلال السنوات القليلة الفائتة باعتباره أحد أكثر النشيطين داخل الليكود والكنيست في ميدان سن القوانين الرامية إلى تغيير أصول اللعبة الداخلية في إسرائيل إلى ناحية تكريس هيمنة اليمين على شتى مناحي الحياة.

وفي سياق مقابلة صحافية مطوّلة أجراها المحلل السياسي لصحيفة "معاريف" شالوم يروشالمي مع ياريف ليفين في تشرين الثاني 2011، وكرّرنا اقتباسها كثيرًا، حدّد هذا الأخير بملء الوضوح أن غاية مثل هذا التغيير تتمثل في إصابة ثلاثة أهداف على المستوى الإسرائيلي الداخلي.

وهذه الأهداف هي: أولًا، المحكمة العليا التي وصفها ليفين بأنها "تيار يساري لنخبة ضئيلة من حي رحافيا الأشكنازي (في القدس الغربية) تتبنى جدول أعمال ما بعد صهيوني"؛ ثانيًا، وسائل الإعلام التي وصفها بأنها "تمارس حرية التشهيـر والتحقير"؛ ثالثًا، منظمات المجتمع المدني اليسارية وأساسًا منظمات حقوق الإنسان التي قال إنها "تلحق أضرارًا فادحة بالسيادة الإسرائيلية"!

وليس مبالغة القول إنه على مدى السنوات التي مرّت منذ إطلاق تلك الأقوال، تمت- بكيفية ما- إصابة الهدفين الثاني والثالث.
وما بقي ماثلًا في الوقت الحالي هو إصابة الهدف الأول.
والفرصة المواتية لذلك هي في تغيير تركيبة المحكمة العليا من خلال التحكّم بهوية أغلبية قضاتها.

ولئن كان الشيء بالشيء يُذكـر، فإنه بالتوازي مع "رؤية ليفين" هذه ظهرت رؤى تحليلية يمكن القول اليوم إنها استشرفت بكفاءة ملفتة ما سوف يترتب عليها مما هو حاصل فعلًا هنا والآن.


مهما تكن هذه الرؤى، من الأهمية التنويه بتلك التي عبّر عنها البروفسور زئيف شتيرنهيل (من الجامعة العبرية في القدس) منذ سنة 2011، وأشار فيها إلى أن هذا اليمين الذي يمثله ليفين يعمل بذراعين: الذراع العنيفة (الصلبة)، وهي الذراع الاستيطانية، التي أكد أنها تحظى بحكم ذاتي جغرافي، وهي مزودة بالسلاح وتفرض سطوتها على الجيش والشرطة، و"الذراع المحترمة" (الناعمة) التي تقوم بالعمل في الكنيست. وفي قراءته فإن العنف الاستيطاني الفظ المُعربد في المناطق الفلسطينية كل يوم، والذي ينزلق أيضًا إلى الشارع الإسرائيلي، ليس أقل خطرًا من نواح كثيرة من العمل البرلماني الهادئ والدؤوب "الذي يفرغ بالتدريج الديمقراطية الإسرائيلية من مضمونها". وأضاف أن تحويل غير اليهود إلى مواطنين ذوي مكانة أدنى هو الهدف الذي يتوق إليه أغلب اليمين الإسرائيلي. وشدّد على أنه "إذا منحت الدولة أفضلية قيمية لليهود، وهي أفضلية ستتدحرج بالضرورة إلى أفضلية سياسية، إن لم تكن اجتماعية واقتصادية، فإنها تكفّ عن أن تكون دولة ديمقراطية"!. وبالوسع أن نضيف: عندها ستصبح "دولة ليفين"!.