نقدّم في هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي" ملفًا خاصًّا حول آخر المقاربات المتداولة في إسرائيل بشأن مـآل "العملية السياسية".

يشمل الملف دراستين ظهرتا أخيرًا:

• الأولى، بقلم رامي ليفني، الباحث في مركز "مولاد لتجديد الديمقراطية في إسرائيل" ومدير مشروع "بولي ـ أمل لقيادة سياسية اشتراكية ديمقراطية"، ويغوص من خلالها، بالعرض والتحليل، على ما يسميه "حالة الخدر" التي انزلق إليها الرأي العام الإسرائيلي، عمومًا، خلال السنوات الأخيرة واستسلامه الطوعي لسلسلة من الأكاذيب والأضاليل التي روّجتها وكرّستها السياسات الإسرائيلية الرسمية وماكينتها الإعلامية في كل ما يتعلق بالصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني وخلفياته ومركّباته وآفاق حله.

• الثانية، بقلم باحث كبير في "معهد دراسات الأمن القومي" (جامعة تل أبيب) وإحدى مساعدات البحث في هذا المعهد، تفحص مسألة ما إذا كانت خيارات وإمكانات التسوية الدائمة للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني قد سقطت من جدول الأعمال، وذلك من طريق تناول بُعدين مختلفين: القضايا الجوهرية للتسوية وأهميتها في القدرة على التوصل إلى اتفاق، وتطوّر التوجهات (المقاربات) المتعدّدة إلى حالة التفاف على القضايا الجوهرية أو إلى معالجتها بغية التقدّم في العملية السياسية.

ثمة في الدراسة الأولى ذات الطابع الانتقادي، الكثير من الأجوبة على حجج وادعاءات وتسويغات توردها الدراسة الثانية من خلال تشريح نتائج آخر جولات المفاوضات، لكي تتوصل إلى خلاصة فحواها تشييد "قاعدة بيانات" لدعم الموقف الإسرائيلي الرسمي حيال هذه العملية، والذي يزيح في العُمق عن كاهله أي مسؤولية عن حالة الجمود المُسيطرة عليها.

مهما تكن هذه الأجوبة، يظل من الجدير بنا أن نشير إلى ما يصفه ليفني بأنه "خرافة تبسيطية تتعلق بجولتين من آخر مفاوضات حول التسوية النهائية بين إسرائيل والفلسطينيين ـ بين إيهود باراك وياسر عرفات أولًا (عام 2000)، ثم بين إيهود أولمرت ومحمود عباس ثانيًا (عام 2007)ـ يُتَّهَم الفلسطينيون بإفشال كلتيهما وبأنه لم تتوفر لديهم فيهما أي نية حقيقية للتوصل إلى اتفاق".

وهو يؤكد أن هذه الخرافة وُضعت موضع البحث والتمحيص مرارًا وليس ثمة ما يُضاف عليها سوى التذكير بمعطيين اثنين فقط:
الأول، ليس ثمة بين أعضاء الطواقم الإسرائيلية في كلتا جولتي المفاوضات مَن يزعم الآن، أو قد زعم في الماضي، بأن شيئًا لم يتحقق فيهما وبأن الوقت قد ضُيّع سدى، بل العكس هو الصحيح: جميعهم يشهدون بأن المباحثات كانت شاملة وهادفة، بل حثيثة جدًا في بعض الأحيان، وتطرقت إلى القضايا الجوهرية، حتى أن الفجوات قد تقلصت كثيرًا، وإن لم يكن بالقدر الكافي. ولذلك، "ليس ثمة أساس من الصحة للادعاء بأن الفلسطينيين لم يحضروا إلى المفاوضات"!

الثاني، أن رئيسي الحكومة الإسرائيلية السابقين، إيهود باراك وإيهود أولمرت، ألمحا، بصورة غير مباشرة، إلى أن المقترحات النهائية التي قدماها خلال المفاوضات ـ وهي التي لم يقبل بها الفلسطينيون ـ كان يمكن أن تكون أكثر سخاء بكثير! لا بل يقرّ كلاهما، أيضًا، بأن ثمة فجوة ما تزال تفصل بين مقترحاتهما الأخيرة وبين المقترحات المقبولة على المجتمع الدولي بشأن التسوية النهائية، وفي مقدمتها المبادرة العربية.

وبرأيه مهما تكن مسؤولية الجانب الفلسطيني عن فشل المفاوضات، تبقى الحقيقة أن "إسرائيل لم تستنفد هامش المرونة المتاح لها، ولم تبلغ الحد الأدنى الذي يمكن أن يكون مقبولًا على الفلسطينيين"!.

ومع أن الدراسة الثانية، التي تشفّ عن انحياز سافر للموقف الإسرائيلي السالف، تطرقّت إلى جولة ثالثة وأخيرة من المفاوضات، والتي دشنها في صيف 2013 وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري واستمرت تسعة أشهر بهدف بلورة مبادىء لاتفاقية إطار بشأن التسوية الدائمة، جنبًا إلى جنب مع تنفيذ خطوات لبناء أجواء داعمة للعملية السياسية، تُشير إلى أن هذه الجولة مُنيت أيضًا بالفشل "بعدما رفض الرئيس عباس الرد على المبادىء التي عرضها وزير الخارجية الأميركي"، إلا إنها بموازاة هذا تؤكد أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لم يكتفِ بـ"الترتيبات الأمنية" التي اقترحها الأميركيون، كما أنه لم يبدِ استعدادًا لإقامة عاصمتين في القدس. عدا ذلك فإن حقيقة استمرار حكومة نتنياهو في نشاطات البناء في المستوطنات خلال المفاوضات اعتبرت في نظر الفلسطينيين والمجتمع الدولي بمثابة برهان على عدم رغبة حكومة إسرائيل في تقديم التنازلات اللازمة لتطبيق حل الدولتين. وتوضح في الوقت عينه أن الفلسطينيين من جهتهم رفضوا تقديم أي تنازل قبل أن تقوم إسرائيل علنًا برسم حدود الدولة الفلسطينية العتيدة، ووضع جدول زمني لإخلاء المستوطنات، والاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية. وفضلًا عن هذا رفض الجانب الفلسطيني بشدة الإعتراف بإسرائيل كـ"دولة قومية للشعب اليهودي".

لدى وصل هذا الكلام مع ما تورده الدراسة الأولى لناحية دحض جملة من المعتقدات والمسلمات والخرافات والأكاذيب الهدّامة حيال الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، والتي استوطنت عبر السنوات في وعي غالبية الإسرائيليين حتى أصبحت عصية على التغيير، نعود إلى أن أصل المشكلة في كل ما هو متعلق بما آلت إليه العملية السياسية ليس فقط ما هو مقبول على الفلسطينيين وإنما أساسًا إلى أي مدى تبلغ جدية النيات الإسرائيلية بتحقيق غاية تلك العملية وهي السلام العادل والشامل.